أوروبا الأبواب المشرعة

بقلم أبو أيوب
     فتح أبواب ألمانيا أمام وفد البوليساريو برئاسة خطري الدوه رئيس البرلمان الصحراوي و كبير مفاوضيه في مستديرة جنيف، مرفوقا بممثل الوهم بألمانيا. زيارة أو غزوة الخصم يروم من خلالها لقاء مختلف الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني، و من ثمة يصار إلى عقد عدة اجتماعات ثنائية مع رؤساء مختلف اللجان الرئيسية و الفرعية بالبوندستاغ ” برلمان ألمانيا ” . و تأتي الزيارة في وقت تتصاعد فيه الأصوات داخل أوروبا، تدعو كلها لتنازل فرنسا عن حق الفيتو بمجلس الأمن لصالح أوروبا ككتلة واحدة. و لا عجب إن امتدت الزيارة لتشمل بعض المسؤولين الحكوميين أو رؤساء اللاندر، خاصة إذا علمنا أن النظام السياسي الألماني مبني في أساسه على المقاطعات ” اللاندر  landers ” شبيه بنظام فيديرالي لكن بخصوصيات ألمانية بحثة . 
     تجدر الإشارة من جهة، إلى أن هذا التقارب الألماني مع البوليساريو، يأتي ضمن سياق تحولات جيو سياسية جهوية و إقليمية، فتونس و موريتانيا تعيشان مخاض حملات انتخابية، فيما الجزائر لا زال حراكها السلمي متواصل، أما ليبيا ذات الحدود المشتركة مع السودان لا زالتا معا لم تعرفان للاستقرار طعما، في ظل غزوة المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس، و انسداد الأفق بالسودان على إثر تشبت الزمرة العسكرية بمقاليد السلطة، ممتنعة تسليمها لحكومة مدنية رغم دعوات الإتحاد الإفريقي، دعوات تحت طائلة فرض عقوبات على البلد و تجميد العضوية بمؤسسات الإتحاد القاري، و من جهة ثانية، كون ألمانيا موطن المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في نزاع الصحراء، رئيس سابق يتمتع بكاريزما مثالية، داهية سياسي و كثوم، همه الوحيد المساهمة في الإشعاع الدولي الذي تحظى به ألمانيا داخل المعترك السياسي الدولي، و كقاطرة لأوروبا اقتصاديا، لذا سارع منذ اللحظات الأولى لتعيينه كمبعوث أممي مكلف بملف الصحراء، إلى الدعوة و برمجة لقاءات ببرلين مع مختلف المعنيين بالصراع ” البوليساريو/ الجزاير/ موريتانيا “، عدا المغرب الذي رفض لقائه فوق التراب الألماني، و فضل عقد اللقاء الأول بلشبونة و الثاني بفرنسا، تجنبا لأي ضغوط قد تفرض عليه، فيما وضعية فرنسا داعمته و سنده الإستراتيجي تمكنه من اللقاء بكل أريحية . 
     بعض المحللين يرون في الزيارة، أنها تأتي ضمن سياق ما تعرفه دول شمال أوروبا و الدول الإسكندنافية من تحولات سياسية، تصب في مجملها في صالح البوليساريو من قبيل، سن قوانين تحرم استيراد البضائع و السلع القادمة من الأقاليم الصحراوية، أو سن تشريعات مطالبة بضرورة و تسريع الإعتراف بالجمهورية الصحراوية، كما يرون أن الزيارة تأتي ليس فقط بعيد أيام من استصدار القرار الأخير رقم 2468 لمجلس الأمن الدولي، و هو القرار الذي دعى إلى تمكين الألماني هورست كولر من صلاحيات موسعة و شاملة لكامل التراب الصحراوي دون قيود، و إنما أيضا بعيد اللقاء الرسمي الذي جمع بين الممثل الدائم لألمانيا بمجلس الأمن و رئيس دورته الشهرية لشهر أبريل، مع ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة. 
     فيما يرى آخرون، أن المغرب إن لم يتدارك الموقف من خلال تفعيل كافة أوجه الديبلوماسية، حكومية / برلمانية/ حزبية موازية أو عبر مختلف منظمات المجتمع المدني، إن لم يفعل فقد يشهد في الأيام القادمة توترات سياسية/ إقتصادية/ حقوقية مع مجمل الدول الأوروبية، أبرزهم حلفاء الأمس من قبيل إسبانيا ” أحداث قطارات مدريد و محاولة توريط العاهل المغربي كمثال “، أو المملكة الهولندية فيما يتعلق بحراك الريف أو المطالبة برأس البرلماني سعيد شعو، دون نسيان خرجات المسؤولين النرويجيين و الدانماركيين و السويديين بشأن الصحراء …. وصولا إلى المملكة المتحدة ” بريطانيا ” التي انطلقت من أرضها دعوات عكرت مزاج المسؤولين المغاربة، و لا زالت تداعياتها لحد الساعة ترخي بظلالها على صعيد العلاقات الثنائية، من أبرزها ما تعلق بقضية ثروات الصحراء و محكمة العدل الأوروبية، أو تلك المتعلقة بفضيحة أفرنة كالوتي و قصة تهريب الذهب المغربي نحو الإمارات العربية المتحدة .
     من هنا يتضح بالواضح و الملموس، أن ألمانيا في طريقها لإزاحة فرنسا من على عرش الفيتو، إزاحة باسم و لفائدة قارة أوروبا، سندها في مسعاها استقرار سياسي و طفرة اقتصادية، في حين أن الوضع الفرنسي لا يبعث على الإرتياح، الكل أجمع على بداية أفول نجم بلد الأنوار ” غليان المستعمرات السابقة / مسيرات القمصان الصفراء / الأزمة الإقتصادية الخانقة في ظل الركود التجاري … مثالا لا حصرا “، ترهلها يفاقم من ضعف الموقف المغربي، موقف لا يحسد عليه لا سيما السيد وزير الشؤون الخارجية، ألم نقل في مقالات سابقة أن رأس الديبلوماسية لن يهبط من سلالم طائرة إلا ليصعد أخرى ؟ ألم نقل أنه بدل التوجه للدول صانعة القرار يتم الإكتفاء بالدول القزمية ؟ ألم نحذره من الإرتكان إلى بسمة كوهلر و ضحكة بولتون و وسامة غوتيريش ؟ و استشهدنا حينها ببيت من الشعر العربي : إذا رأيت أنياب الليث بارزة …….. فلا تظنن أن الليث يبتسم، بلا قلنا و نبهنا، انطلاقا من مغربيتنا و وطنيتنا، ثم انطلاقا مما راكمناه من تجارب و ما خبرناه من خلال معارك حقيقية على الأرض في مواجهة الخصوم .
     ما أشبه الأمس باليوم، بتاريخ 27 فبراير 2018، صدر الحكم المشؤوم لمحكمة العدل الأوروبية القاضي باستثناء الأقاليم الجنوبية من اتفاقية الصيد البحري الموقعة بين المغرب و الإتحاد الأوروبي، تزامنا مع تخليد الذكرى 44 لتأسيس جمهورية الوهم، و قد اعتبر الحكم في حينه كهدية عيد الميلاد، كما اليوم، فالزيارة التي يقوم بها حاليا وفد الوهم لألمانيا، تأتي تزامنا مع انطلاق فعاليات تخليد الذكرى 46 لبداية العمليات العسكرية للبوليساريو، ذكرى تصادف العاشر  ماي من كل سنة، احتفالات تحضرها وفود من مختلف مناطق العالم، بما فيهم وفد من الأقاليم الجنوبية يضم حوالي 20 فردا من بوليساريو الداخل، من ضمنهم إعلاميون و مدراء بعض المواقع الإلكترونية الموالية للطرح المعادي ” قناة ميزيرات مثال “، الكل قدم من العيون في اتجاه الجزائر عبر مطار محمد الخامس، لتتداخل فيما بينها الزيارة الوهمية للبوندستاغ و الهدية الألمانية باسم التضامن و المساندة و الدعم، تزامنا مع انطلاق الفعاليات . 
     ببساطة متناهية، أنشطة من هذا القبيل بقدر ما تقوي عضد الخصم، بقدر ما تحرج المملكة أمام محيطها الأوروبي، كما قوته سابقاتها من قبيل الندوة داخل البرلمان الفرنسي، أو الترخيص لمسيرة مناهضة فوق التراب الفرنسي، هنا أود طرح السؤال، ألهذا الحد أصبحت أبواب أوروبا مشرعة على مصراعيها أمام أنشطة الخصم ؟ بالتالي من المسؤول و لمن يعزى هذا الفشل و الإخفاق ؟ و هل من فرص لتقويم الوضع ؟ أم سنركن لكم حاجة قضيناها بتركها ؟ المقبل من أيام كفيل بإيجاد الإجابات .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...