” إسلام المعرفة أم معرفة الإسلام ؟

بقلم  ذ عثمان كضوار – باحث بسلك الدكتوراه –

يأتي هذا المقال في سياق التدافع المعرفي ، الذي أصبحت المنظومة الإسلامية تشكل فيه الحلقة الأضعف،  نتيجة الشرخ الذي نخرمكوناتها  منذ زمن  بعيد ، بعدما ما كانت أمة  تمثل النموذج الحضاري بجميع المقاييس العلمية  ، فما سر هذا النقص المعرفي ؟ و ماهي انعكاسات ذلك على الفئات الممثلة لهذا النوع من المجالات  ، المميزة للمعيار  الحضاري للأمم ؟ .

خلال سنوات مضت لم يسعفني القلم لإيجاد أجوبة ، لطالما راودتني أسئلتها عن واقع الأمة الإسلامية ، وماآلت إليه من أوضاع ، فكان التساؤل من جهة  والقلق من جهة أخرى ، من الدوافع القوية التي حركت فضولي العلمي  للنبش في كتب الأموات ، لعلي أجد  ما يجيب عن تلكم الأسئلة المرتبطة بأحوال الأمة الإسلامية في شقها المعرفي على وجه الخصوص .

ولقد استوقفتني كتب الأصوليين حيث لغة الكبار الرصينة حاضرة بقوة ، وللكلمة أكثر من رنة ، والتمحيص فيها يستدعي استحضار آليات عدة ، والتوقف للتأمل يستنزف من المهتم جهدا ذهنيا وقسطا كبيرا من الوقت ، سيما و أن الأمر يرتبط  بجهابدة العلماء  الراسخين من أمثال الإمام ” الجويني” والإمام ” العز بن عبد السلام ” و الإمام ” أبو إسحاق الشاطبي ”  والإمام ” أبو حامد الغزالي ”  واللائحة تطول.

ومن أروع ما قرأت كتاب ” إحياء علوم الدين ” لأبي حامد الغزالي ، حيث وضع الرجل يده على الداء،  من خلال دعوته إلى إحياء العلوم القويمة التي كانت سببا قويا في نصر ومجد الأمة الإسلامية ، ردا للاعتبار ودفعا للشبهات التي التصقت بالأمة الإسلامية منذ عشرات السنين  .

لقد كانت خلفية الكتاب وغيرها من الكتب القديمة تهدف إلى تحريكالمهتمين واسفزازهم علميا ، لذلك كان لزاما من  القفز للانغماس في كتب الأحياء ، لأجدني مولعا بعلم تمخض من علم الأصول ، حيث تشرب من معينه ليصبح قائما بذاته ،بعدما كان فرعا منه – على خلاف بين الكثيرين-  وهو علم  جمع بين  اهتمام الأموات والأحياء  تأليفا وتصنيفا إنه ” علم المقاصد ” .

وقد وجدت في هذا العلم ما يشفي غليلي في الإجابة على كثير من الأسئلة ، خاصة وأن السابقين من العلماء وضعوا لبنات للنهوض بأحوال الأمة دون وجود من يفعلها على أرض الواقع ، حيث يلعب هذا العلم دورا كبيرا في إزالة اللبس على كثير من القضايا ، لا من حيث الفهم فحسب ، بل كذلك من جهة  القدرة على الممارسة الفعلية لما يتم فهم واستيعابه من النصوص الشرعية .

وقد خلصت من ذلك أن المجتمع الإسلامي  من حيث أفراده لا يعدو  أن يكون ثلاثة أصناف ، صنف من المهتمين بالشأن الديني يشتغلون وفق معايير علمية ، مستفرغين بذلك كل جهدهم وصولا إلى المعرفة الحقة ، وصنف متفرع عن الفئة الاولى يقتصر على استراق السمع ، ليشحن بمغالطات تنتج عنها سلوكات كان الإسلام ولايزال أبد الدهر منها بريئا ، وقد يشمل هذا الصنف زمرة من المثقفين – الفئة التي تهرف بما لا تعرف- .

أما الصنف الثالث فخارج عن دائرة إسلام المعرفة ، يحتاج إلى تداخل المجهودات لتصحيح علاقته بالإسلام كمسلم ، فهو محتاج إلى معرفة إسلامه كدين أكثر من إدراكه الإسلام في علاقته بالمعرفة ، لجهله بكينونته داخل المنظومة الإسلامية ، نتيجة انغماره في هوية الضالين – معرفيا لا عقديا –  وضعفه التام بالحد الأدنى بمقتضيات الدين الذي ينتمي إليه .

وبناء عليه فالمعرفة الإسلامية محتاجة أكثر من أي وقت مضى لمن يقودها ، لا من حيث التحصيل فقط،  بل كذلك من حيث التوجيه السليم ، وإرشاد ما تبقى من الفئات إلى الفهم الصحيح و إدراك تموقعها داخل المجتمع الإسلامي ، إذ لا يليق بأفراد هذه الأمة أن تعيش بعقلية غير التي  وهبها الله ، وتستعير هوية غير التي تنتمي إليها ، فما أحوجنا إلى ربط إسلام المعرفة بمعرفة الإسلام ، لنستقيم على كلمة سواء .

                                                                                           30/10/2018م

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير الصحة يطلق الاستراتيجية الوطنية المتعددة القطاعات للوقاية ومراقبة الأمراض غير السارية 2019-2029

وزير الصحة يطلق الاستراتيجية الوطنية المتعددة القطاعات للوقاية ومراقبة الأمراض غير السارية 2019-2029   ترأس ...