التعليم بين اللغة العربية والعامية المغربية

بقلم محمد الحساني

كشف الموسم الدراسي الحالي المستور، الذي كان يهيئ له بمجموعة من الطرق، فالدخول المدرسي أسدل الستار عن الفصل ما قبل الأخير من مسرحية اعتماد الدارجة المغربية في التعليم العمومي، و كبداية لهذه السياسة  حملت إحدى مقررات المستوى الثاني من التعليم الإبتدائي كلمات دارجة، و يرجع الفضل في كشف سياسة التراجع عن التدريس بالعربية إلى الجسم الإعلامي المغربي الذي فضح بالصوت و الصورة بداية الكارثة، كارثة التخلي عن لغة القران، لغة الوطن الرسمية حسب منطوق الدستور، العربية التي أخذت مكانها في التعليم العمومي و لو بالتدريج …

 ففي بداية الأمر تم تعريب  مادة الفلسفة و بعدها مادة الإجتماعيات خلال سبعينيات القرن الماضي قبل أن يتم تعريب المواد العلمية نهاية عقد السبعينيات . ففي سنة 1978 و في خطاب متلفز قرر الراحل الحسن الثاني تعريب التعليم و كان وقتها الراحل عز الدين العراقي وزيرا للتربية الوطنية و عضوا للجنة التنفيذية لحزب الإستقلال الذي تطالب بياناته و منذ الإستقلال بالتعريب و أدبياته و مبادئه التي تحض على اعتماد العربية في التعليم و في الإدارة .  و لعل الإستجواب الذي خص به الراحل غلاب إحدى المجلات المقربة من الحركة الإسلامية قبل دخول كوادرها إلى السياسة و إلى حزب العدالة و التنمية ينم عن أن اللوبي المعارض للعربية لا يزال مستمرا حتى و إن تغيرت الأسماء . فقد قال غلاب آنذاك و هو يجيب على أسئلة الصحافي بأن حزب الإستقلال قدم مشروعا متكاملا إلى السيد بنهيمة الذي كان يشغل وقتها منصب وزير للتعليم . جواب الوزير إذن قطع الشك باليقين و قال بأن المشروع متكامل لكن لن أطبقه، و إن أردتم ذلك فما عليكم إلا الدخول إلى الحكومة و حينها طبقوا ما شئتم.

لكن هل طبق حزب الإستقلال برنامجه في تعريب التعليم ؟  و هل أفلح في جعل اللغة العربية لغة للتدريس عوض الفرنسية ؟

في بداية الأمر كان هناك رفض مطلق من النخبة المزدوجة اللغة، و كانت تعلل رفضها بكون المنادين بتعريب التعليم يدرسون أبنائهم في مؤسسات البعثة الفرنسية، و عليه  ففاقد الشيء لا يعطيه، فلو أن هذه الفئة علمت بمزايا المدرسة العمومية و التي ستعرب بالتدريج لكان أبناؤها هم أول من يلجها، و بما أن العكس هو الذي طبق فمسالة التعريب ليست ذات موضوع … أقيل العراقي من الحزب و ظل متشبثا بوزارة التعليم و تابع مشروعه إلى غاية نهاية المستوى الثانوي، ليجد الطالب نفسه أمام واقع مرير، حيث سيجبر على دراسة مواد علمية بالفرنسية التي لا يتقنها . فأين سيتجه المسكين ؟ و إلى من سيشتكي؟ فإما أن يبذل مجهودا مضاعفا كي يستوعب الدروس أو سيكون عليه الإبتعاد  عن الجامعة ؟  و انتهت مرحلة العراقي ليجد حزب الإستقلال نفسه ينتقد سباسة التعريب التي انتهجها وزيره المقال من الحزب، كل الوزراء الذين تعاقبوا على حقيبة التعليم لم ينتهجوا شيئا جديدا بل الكل اجتهد في القرار الملكي القاضي بالتعريب .

و في السنين الأخيرة اعتمد ما يسمى البكالوريا الدولية و هي بريئة منها، بل هو تعليم للمواد العلمية باللغة الفرنسية، و هنا يطرح السؤال : لماذا اعتماد اللغة الفرنسية في تعليم المواد العلمية بدعوى أنها باكالوريا دولية ؟ فهل هي حيلة جديدة لإعادة الفرنسية إلى المدرسة العمومية ؟ لكن السيد عيوش عضو المجلس الأعلى للتربية و التكوين يبشر بتعليم جديد تكون من خلاله العامية  المغربية هي لغة التدريس . اللسانيون يؤكدون بأن الدارجة لغة شفوية و ليست لغة كتابة، و لا يصح التدريس بها،  و حتى الآباء يقولون لا داعي لإرسال أبنائهم إلى المدرسة من أجل العامية لكونها متوفرة في المنزل . اللغة العربية تقول عنها إحدى الكوريات لغة جميلة في رسمها و في نطقها . هذه دولة في الشرق الأقصى جعلت من العربية لغة أجنبية ثانية و طلابها يفتخرون باللغة … اللغة العربية التي خصصت لها الأمم المتحدة يوما عالميا ( 18 دجنبر من كل سنة) . الأمم المتحدة جعلت من العربية إحدى اللغات الرسمية في مؤسساتها.

 في إحدى الإستجوابات أشارت خبيرة معتمدة لذى الأمم المتحدة أن الطفل العربي تنحصر ذاكرته في تجميع 3 آلاف كلمة التي تحتويها العامية العربية في حين أن الطفل الأوربي يستخدم ما يناهز 16 الف كلمة، لكن الطفل العربي بإمكانه استعمال 50 ألف كلمة التي يحتويها القرآن الكريم ، و تضيف الخبيرة أن الطفل الذي يتمكن من ألفية ابن مالك يغذي سعة عقله بزيادة كلمات بالإضافة  إلى قواعد اللغة العربية  . و أرجعت كل هذا إلى المخطط  الإستعماري الذي رآى في إمكانية حذف الكتاتيب القرآنية من المجتمعات العربية من أجل القضاء على اللغة أولا، ثم استلاب العقل و الفكر العربيين ثانيا .

و بالأمس القريب أصدرت الحركة الدعوية للحزب الحاكم بيانا يدين التخلي عن اللغة العربية كلغة للتدريس ، فمن ناحية الشكل الكل يتضامن مع هذا البيان. لكن في الواقع ، الكل يتبرأ من لغة الضاد. و البداية من التعليم. فمن يرسل أبناءه إلى التعليم الخصوصي؟ هل هم البسطاء من الشعب ؟ و لماذا التعليم  الخصوصي ؟ و الإجابة هي أن هذا النوع من التعليم تعليم مزدوج،  بل تغلب عليه لغة موليير. لماذا نطالب بتعريب التعليم العمومي و نرسل أبناءنا إلى المدارس الخصوصية ذات التعليم المزدوج ؟  و لماذا نطالب إذن بالتعريب و ندرس أبناءنا في مدارس البعثة الفرنسية ؟  و الأمثلة كثيرة لنشطاء التعريب الذين تستعملون ازدواجية الخطاب.

التعريب قناعة و فعل، و ازدواجية الخطاب لن تخدم العربية في شيء، إلى أن يأتي اليوم الذي نستعمل فيه قاموس عيوش بالمدرسة العمومية .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شباب المستقبل بثانوية لللا مريم في ضيافة طاقم طب الأسنان بفضاء الصحة و الشباب

حظي طاقم طب الأسنان بفضاء الصحة و الشباب صبيحة يوم الجمعة 22 مارس 2019, بشرف ...