الجامع بين سياسة لفراجة و سياسة البهرجة

بقلم أبو أيوب

” سياسة لفراجة و سياسة البهرجة “، خيط رفيع يجمع بين الإثنين أو يفصل بينهما، لبه كيفية إدارة أمر ما و محاولة توقع مخرجاته و تبعاته ثم الإحتراس من إسقاطاته و إرهاصاته، تحسبا للهفوات و الزلات و كل ما يعكر صفاء النفس و الذات، لأن التسرع و عدم أخد الحيطة و الحذر، كما علمتنا التجارب، قد يأتي بنتائج عكسية لما تم تدارسه و خطط له و برمج، كما علمتنا كذلك أن أفضل خطة للدفاع هي الهجوم، و هذا ما تبثت صحته و كما جاء به سان سو النابغة الصيني في كتابه ” فن الحرب l’art de la guerre “، حيث يستطرد بالتحليل و التنظير عن كيفية ربح أية معركة قبل خوضها، و هذا الكتاب لا زال إلى يومنها هذا يعتبر موسوعة في العلوم الحربية و إدارة الأعمال العسكرية، يدرس في كبريات المدارس و المعاهد العسكرية عبر مختلف دول العالم، منه كمثال يستقي كبار الإستراتيجيين الأمريكان خططهم للإطاحة بالأنظمة المناوئة لسياساتهم أو تلك التي تعتبر مصدر قلق أو قد تشكل خطرا على مصالحهم الإقتصادية و أمنهم القومي، لكن التسرع و عدم البحث في دقائق الأمور و عدم الإكثرات بما خفي منها، يؤدي حتما إلى التآكل و التراجع حتى يصبح التخبط و التردد في نهاية المطاف سيدا الموقف، هذا ما سوف نتبينه من خلال عرض بعض الوقائع و النماذج و الحالات التي طفت على سطح العلاقات الدولية، بدءا بالأزمة الفنزويلية و ليس انتهاء بأزمات أخرى سنتطرق لبعض منها في هذا المقال :
* لقد انتهجت الولايات المتحدة الأمريكية خطة محكمة ترتكز على ثلاث مرتكزات، أولها الحرب الإقتصادية التي شنت على فنزويلا، كتجميد الأرصدة أو مصادرتها كحالة إيران سابقا، مع فرض عقوبات و منع تصدير النفط ” أكبر مخزون عالمي و أول منتج لمعدن الذهب “، في محاولة منها لتقويض استقلالية القرار السيادي و الحيلولة دون الإستفادة من العائدات بالعملة الصعبة على خزينة الدولة، أي خنق الدولة المركزية و تقويض أية محاولة لالتقاط الأنفاس، و بالتالي الدفع بتأجيج الإحتجاجات الشعبية و تعزيز الإنقسام في المجتمع الفنزويلي، وثانيهما شن حرب نفسية ثلاثية الأبعاد شملت الجانب السياسي باعترافها بسلطة نصبت نفسها دون إرادة شعبية أو إنتخابات إنطلاقا من صناديق الإقتراع، ثم حرب إعلامية شرسة مرتكزها التشويه و المغالطات و نشر الأكاذيب و التخوين، فتهديد و وعيد بالتدخل العسكري حيث نشرت زهاء 5000 عسكري على طول الحدود مع كولومبيا البلد المجاور في الوقت الذي أعلن فيه هذا الأخير الإستنفار العام لقواته المسلحة تحسبا لأي طارئ، لتنتقل من بعد إلى التسويق لحكاية المساعدات الإنسانية الغذائية منها و الدوائية و وجوب إدخالها للبلاد مدعية حرصها على إنسانية الإنسان، في أكبر عملية بهرجة سياسية، بينما الحقيقة تقول أنها هي من افتعلت الأزمة و فرضت الحصار و هي من ساهمت في إيذاء شعب تتذرع بحماية حقوقه، عبر شنها في سابقة من نوعها كأول حرب عثمية في تاريخ الإنسانية متسببة في قطع الكهرباء عن ملايين الفنزويليين، غير مكثرتة بالمسنين و المرضى و …. لإفشال المؤامرة قابلها في الطرف الآخر، موقف كل من الصين ” أول مستثمر في البلد ” و هي التي خبرت و شربت و غرفت من معين نظرية مواطنها و مبدعها و فيلسوفها سان سو، و هذا طبعا جزء من تاريخها العريق، حيث عرفت بترويها و رزانة سياستها و عدم تسرعها أو تدخلها في شؤون الآخر، انتهاجها لسياسة لفراجة خطوة خطوة مترصدة الزلات و الكبوات ساعدها كثيرا في لجم اندفاعة العم سام و عجل من عدم التمكين لسياسة البهرجة الأمريكية من بلوغ الأهداف، مسنودة بموقف روسيا الإتحادية ثاني مستثمر ” قطاع النفط “، و كلاهما يتمتعان بحق الفيتو بمجلس الأمن، حق يمكنهما من منع أية تجاوزات أو انزلاقات أو خروقات كنتاج لسياسة بهلوانية ترامبية، مع وجوب الأخذ بعين الإعتبار و في الحسبان مواقف المكسيك ” قوة اقتصادية ” و كوبا و نيكاراغوا و …. خلاصة القول، الدخول القوي لكل من الصين و روسيا للحديقة الخلفية الأمريكية” طبقا لمبدأ مونرو ” مستغلتين بحنكة و دهاء تراجع شعبية ترامب و فضائحه الأخلاقية و مشاكله القضائية، عزز من نفوذهما بالأمريكيتين الجنوبية و اللاتينية، حيث وسعت روسيا من تواجدها العسكري عبر إرسالها لحوالي مائة خبير عسكري في أنظمة الدفاع الجوي ” الإشراف على منظومة صواريخ إس 300 ” بالإضافة إلى تواجد القاذفات الإستراتيجية النووية ” البجعة “، ما قد يعتبر ثاني أكبر تحد لغطرسة الكاوبوي ما بعد حكاية الصواريخ الباليستية بكوبا و أزمة خليج الخنازير” عهد كينيدي آنذاك و ما ترتب عنه من اتفاقيات ” فيما عززت الصين من تواجدها الإقتصادي بعدما أحكمت الطوق بشرائها لأكبر حصة من سندات الخزينة الأمريكية ” زهاء 100/85 “، تواجد أجج حنق الأمريكان و قض مضجعهم، بحيث دفعهم إلى مراجعة حساباتهم و الحد من تسرعهم و اندفاعتهم، نعومة مقاربة سياسة لفراجة المتبعة حاليا من طرف الروس و الصينيين تشبه إلى حد كبير ما تخصص فيه الأخيرين في المجال الطبي ” الوخز بالإبر ” ، و هكذا فرض على العم سام التقوقع داخل ما عهده من سياسة البهرجة و التصريحات الإعلامية و التهديد و الوعيد، لغة الضعفاء، لا هو قادر على تنفيذ وعيده و لا هو باستطاعته تضميد الخدوش التي لحقت بكبريائه ، فأمسى شبيه الأسد الطاعن و قصة القردة . 
* إتفاقيتا الزراعة و الصيد البحري الموقعتان أخيرا بين الجانب المغربي و الإتحاد الأوروبي، اللتان شملتا المياه الإقليمية للأقاليم الجنوبية و ما تبعهما من بهرجة إعلامية، تغنت في مجملها بالنصر العظيم على الخصوم و الفتح المبين على الأعداء، حيث أسهب الكل شرحا و تحليلا و استفاضة لمضامينها، سياسيا و اقتصاديا و تنمويا، لكنها في المقابل و على أرض الواقع لم تفعل بنودها و توصياتها و لم تدخل حيز التنفيذ لحد الساعة ثم سرعان ما طواها النسيان، بين قائل في انتظار أن يصادق عليها البرلمان المغربي، و آخر يعزوها إلى ما ستقوله و تدفع به الأمم المتحدة على ضوء تقديمها من لدن السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية السيد عمر هلال، أما الأخبار الآتية من عقر مجلس الفلاحة و الصيد البحري للإتحاد الأوروبي، تطالعنا بنبأ تواجد وثيقة سرية موزعة من طرف أحزاب الخضر أثناء انعقاد جلسة 18 مارس، تفيد في فقرتها الثالثة بوجوب مطابقة الإتفاق و قرار محكمة العد الأوروبية، تحرك أخضر مدروس بعناية فائقة و بدون بهرجة و لا ” كمانجة ” قد يدفع بالإتحاد إلى إعادة الطرح و النظر أو التعديل في جميع الإتفاقيات الموقعة مع الجانب المغربي و التي تشمل الأقاليم الجنوبية، في حالة ما إذا توقفت المفاوضات أو المحادثات الجارية في جنيف 3/2/1 . و على صعيد آخر و في نفس اليوم، دخلت الصين على الخط من خلال تصريح وزير خارجيتها أمام مجلس الشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي ” جلسة غير رسمية “، حيث مما جاء فيه أن بذيل الحلول السياسية في أزمات العالم هو الحرب، ثم علق قائلا : إن المنطقة مؤهلة لإشعال فتيل حرب في غرب المتوسط، هناك بلد ينتقل و تتطور به الأحداث، يقصد الجزائر، كما أن هناك مفاوضات جارية في سبيل إيجاد حل لمعظلة قديمة ” إشارة إلى مشكلة الصحراء ” قد تنزلق للعنف، ما يؤدي بالضرورة إلى حرب صغيرة تتحول بدورها لحرب إقليمية بشمال غرب إفريقيا، تصريح فهم منه الأوروبيون أن التنين الأصفر يبتغي تأجيل الحل إلى حين استقرار الوضع بالجارة الشرقية، معلقا في الآن ذاته أن بناء حل في لحظة ضعف أحد الأطراف سيكون كارثة إقليمية و أن إشعال فتيل الحرب لن يكون مدروسا و ستكون له تداعيات وخيمة . كما أنه ضمن الإطار نفسه المتعلق بالخاصرة الرخوة للمغرب، إجتماع اسوان المطول و المفاجئ في مخرجاته بين السيد موسى فكي رئيس المفوضية الإفريقية ” موغيريني إفريقيا “، و الرئيس الدوري للإتحاد الإفريقي المشير عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية مصر، خلص ” الإجتماع” إلى وجوب تفعيل مقررات قمة نواكشوط، لا سيما في شقها المتعلق بالترويكا الإفريقية مع التنصيص على استعجال التدخل، لينتقل بذلك اصطلاح” التسريع ” الى ” الإستعجال ” في تنفيذ مقررات قمة نواكشوط، حيث جرى هذا ضمن زاوية سياسة لفراجة ” الدق و السكات “، خلافا للبهرجة التي عرفتها القمة الوزارية الإفريقية بمدينة مراكش، صحيح أنها كانت بحضور وازن لكن بمقاربة الماركوتينغ، أي تسويقية تدخل ضمن إطار ردة الفعل على ما قامت به المنظمة الإقتصادية لدول جنوب إفريقيا ” 16 بلد عضو ” بزعامة و حضور كل من دولة جنوب إفريقيا و نيجيريا و ناميبيا …… و من بين المدعوين كوبا و نيكاراغوا و فنزويلا، لكن الخطير تواجد جمهورية تيمور الشرقية، التي يمكن اعتبار حضورها بحسب بعض المحللين كمؤشر على تشابه قضية الصحراء و قضيتها قبل الإستقلال عن أندونيسا، نفس السنة ” 1975 ” التي استرجع المغرب خلالها إقليم الصحراء أرخت لدخول الجيش الأندونيسي جزيرة تيمور، و انعقاد القمة تحت يافطة دعم و مساندة ” الوهم ” لنيل استقلاله عن المملكة الشريفة يؤشر على بداية أزمة ديبلوماسية مستعر أوارها مع كل من دولة نيجيريا و جنوب إفريقيا، من خلاصاتها إقبار مشروع أنبوب الغاز النيجيري مع المملكة المغربية و مطلب المغرب الإنظمام إلى المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا ” الاكواس ” من جهة و بداية أزمة ديبلوماسية عميقة مع جنوب إفريقيا عقب اعتماد سفير مغربي من العيار الثقيل، لتذهب سدى كل المساعي و المجهودات المغربية التي سعت إلى الإحتواء و تلطيف الأجواء. مساعي كلفت الجهد الكثير و المال الوفير، مع ما صاحبهما من تغن بالتفرد و الإستفراد و تطبيل للإبهار و الإستثمار، ليكون بين البهرجة و لفراجة مجرد خيط رفيع يفصل أو يجمع بينهما، أما آن الأوان بعد لتغيير المقاربات و السياسات ؟ .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجامعة الوطنية لموظفي التعليم تطالب بإيفاد لجنة جهوية للوقوف على اختلالات المديرية الإقليمية بالجديدة وتعلن تضامنها مع مديرة الثانوية التأهيلية الجرف الأصفر

    عقد المكتب الإقليمي  للجامعة الوطنية لموظفي التعليم (الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب) بالجديدة  لقاء ...