الجزائر بين المتوقع و المرتقب

 بقلم أبو أيوب
     مرت حوالي ثلاثة أشهر على حراك الجزائر السلمي، و من خلاله أبانت مختلف شرائح الشعب عن وعيها بحساسية المرحلة و ما تقتضيه من حنكة و خبرة لتجنب الإنزلاق إلى ما لا تحمد عقباه، كما عبرت في نفس الوقت عن مدى تشبتها بسلمية الحراك و عن حضاريتها، و عدم قابلية المسيرات للإختراق من أية جهة كانت و عدم السماح بالتدخلات الخارجية تحت أي مسمى كان، إيمانا منها إن المشكل جزائري و سيبقى كذلك، الجزائيريون وحدهم أصحاب حق إبداع الحلول و إخراجها للوجود، متشبتة في الوقت نفسه بالمؤسسات التي أجمعوا على وجوب احترامها و عدم المساس بها ” مؤسسة الجيش و القضاء ” المؤتمنتين على أمن و استقرار و طمأنينة الوطن و المواطن على حد سواء. شعارات المسيرات التي صدحت بها ملايين الحناجر ” الجيش/ الشعب خاوة خاوة ” أثبتت بالدليل القاطع أن لا مجال لتدويل القضية أو لتدخل أحد الاطراف ( جهويا/ إقليميا/ دوليا)، في إشارة إلى فرنسا و الإمارات العربية تحديدا . 
       الأولى من حيث إرثها الإستعماري القديم و حنقها على المؤسسة العسكرية العمود الفقري للأمة، حقد تنامى من جهة،  من خلال غض الطرف لرأس هذه القيادة الجنرال قايد صالح عن صفقات تسليحية بمليارات الدولارات ” مدمرات فريم البحرية/ طائرات حربية من نوع رافال و دبابات أ. م. إكس و….. ” و التوجه شرقا لإنعاش صادرات الصناعات العسكرية الروسية و الصينية، و من جهة ثانية، على ضوء الإمتناع عن المشاركة في العمليات الحربية الفرنسية بمالي و النيجر، أو منع الطيران الحربي الفرنسي من استخدام المجال الجوي الجزائري أثناء غاراته على شمال مالي ضمن عملية ” سرفال “. للعلم، فالفترة الحالية تشهد ارتفاع التوتر بين القيادة العسكرية الجزائرية و الدولة الفرنسية، على ضوء مطالبة الجزائر بوجوب مغادرة السفير التراب الوطني و إعلانه شخصا غير مرغوب فيه، على إثر مشاركته في نشاطات تجسسية و ما بدر منه من تصريحات وصفت بالتدخل السافر في شؤونها الداخلية و محاولات تأليب الرأي العام على جيشه الوطني . 
    أما بالنسبة للثانية الإمارات العربية، فالأمر راجع إلى ارتباطها الوثيق بالسياسات الخارجية الفرنسية، و لشخص الرئيس المستقيل بوتفليقة و عائلته إبان فترة عمله كمستشار لدى المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكيم العرب كما يقال،  ثم من خلال ما سرب من معلومات تفيد،  بكونها هي من أشارت على فرنسا تولية بوتفليقة رئاسة الجزائر ما بعد العشرية السوداء، بالضغط على أزلامها و رجالاتها بالموسسة العسكرية و الأمنية و الإستخباراتية ” من ضمنهم خالد نزار و توفيق مدين المعتقل حاليا بتهمة التآمر ” .
     المراقبون الدوليون المتتبعون لصيرورة الأحداث ، يجزمون أن مخاض ميلاد جمهورية ثانية على أنقاض التي انتهت صلاحيتها قد بدأ، كما يرون كمخارج للأزمة السياسية فرضيتان اثنتان لا محيد عنهما من أجل استقرار الأوضاع و العبور لشط الأمان .                 
  • حكومة تكنوقراط بصلاحيات محدودة لتسيير و إدارة مرحلة موقتة من أجل إجراء انتخابات تشريعية و رئاسية، في غضون سنة أو نيف على أبعد تقدير. 
  • حكومة برئاسة جماعية تنخرط فيها وجوه  وطنية دون طوحات سياسية، من فبيل الجنرال المتقاعد اليامين زروال وبن بيتور و ميلود حمروش أو الطالب الإبراهيمي و يحيى عبد النور و أمثالهم كثر، أولى بوادرها تجلت من خلال الدعوة الأخيرة للسيد الطالب الإبراهيمي التي انبثقت عن لقائه بشخصيات وطنية وازنة و مشهود لها بصفاء الأيدي النظيفة، الحنكة و الدهاء السياسي و تغليب المصلحة الوطنية، رسالة وجهت لأنظار القيادة العسكرية في شخص الجنرال قايد صالح من أجل التجاوب مع المطالب الشعبية . 
     الكل أجمع على السيد الطالب الإبراهيمي، سليل أسرة مثقفة و مجاهدة، انخرط ضمن أسرة المجاهدين إبان فترة الثورة، حيث تعرض للإعتقال و السجن مرتين ” فترة الثورة و حقبة ما بعد الإستقلال “، وزير خارجية و مبعوث أممي سابق، تقلد عدة مناصب سامية، حنكة سياسية رائدة مكنته من نسج علاقات دولية متنوعة، على إطلاع و إلمام واسع بخبايا و دهاليز السياسة الدولية، زهده و تاففه عن الخوض و المشاركة في ضربات تحت الحزام ” عادة السياسيين ” و ابتعاده عن المهاترات العقيمة مكنه من رسم صورة مشرقة لوطنه و لنفسه، انتمائه للرعيل الأول من المجاهدين على غرار قائد الجيش، قد يمكنه من فتح صفحة جديدة في تاريخ الجزائر المعاصر، رغم أن الظرفية اليوم تحتم وجوها جديدة لمسايرة الأحداث و ضبط عقارب الساعة ، وجوه لاتعدمها الجزائر ما دامت أرحام نسائها ولادة .  
     نفس المراقبين يتساءلون اليوم عن الردود المرتقبة لرئيس الأركان الجنرال قايد صالح،  على إثر المبادرة المطروحة الآن على خشبة السياسة الداخلية، و عن مدى تجاوبه مع مطالب حراك الشارع، حراك لم يعلن بعد عن قيادييه و مفكريه و مبدعيه، فمع من سيتفاوض رئيس الأركان ؟ الظرفية الحالية تستوجب بروز قيادات شبابية خارجة من رحم الحراك الشعبي، ذات تكوين سياسي عالي و خبرة معتبرة، كوادر كفأة بمقدورها تأسيس أركان و دعامات الجمهورية الوليدة، و للإشارة فالعديد من جزائريي الدياسبورا يمتلكون من المهارات و الخبرات في شتى المجالات، ما يخول لهم الإنطلاقة و الإقلاع ” خبرات صناعة الألياف البصرية بوادي السيليكون بالولايات المتحدة الأمريكية خبرات جزائرية، مثالا لا حصرا ” و قس على هذا في السياسة و الإقتصاد و الطب و الهندسة و علوم الفضاء، علاوة على تشبعهم بالقيم الديموقراطية و حرية الفكر و الرأي و التعبير، من شأن تجميعهم و استعادتهم لأرض الوطن،  أن يشكل نواة لبنات التقدم و التحرر من رقبة الإستعمار قديمه و جديده، و الإنطلاق إلى فضاءات أرحب و أوسع ، تؤسس لجزائر جديدة مبهرة و باهرة، تكون قدوة لباقي الشعوب العربية من خليجها إلى محيطها. فالتاريخ لا زال يتذكر الإبهار و الإلهام الذي أتت به ثورة المليون و نصف المليون شهيد كما، منها تعلم ماو تسي تونغ و كاسترو و هوشي منه و رجال فلسطين. فهل تكون مبادرة الطالب الإبراهيمي و يحيى عبد النور و الجنرال رشيد بليس و مولود حمروش و بن بيتور،  بادرة و فال خير استرجاعا لأنفاسها و استقرارا لمحيطها بشمال غرب إفريقيا .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إهانة الموتى بمطار محمد الخامس

بقلم رشيدة باب الزين     وصلت جثامين مواطنين، مغاربة توفوا بالخارج، على متن الطائرة ...