الرقص على صفيح ساخن

بقلم أبو أيوب

    حياكة السجاد و السياسة صناعة إيرانية بامتياز، من دعائمها الأساسية صبر استراتيجي و اقتصاد مقاوم و قوة ردع استباقية … و قد أثبتت الأحداث في التاريخ الحديث للجمهورية الإسلامية صدق و صوابية المقاربة، سواء من خلال الصراع المفتوح على كافة الإحتمالات مع أمريكا و أزلامها اليوم، أو عبر حروب الأخيرة بالوكالة منذ قيام الثورة في إيران من خلال الحرب الإيرانية العراقية مثالا لا حصرا، إذ أن هناك حروب أخرى مماثلة لا يسعنا الحيز الخوض فيها كحرب تموز بين إسرائيل وحزب الله . 
    و صراع اليوم صراع مباشر و ليس عبر وكلاء، و لو أنه بين الفينة و الأخرى تتشابك بعض الخيوط و تتزاوج المصالح ” ناقلة النفط الإيرانية المقرصنة بجبل طارق من قبل البحرية البريطانية مثال “. لكل فريق مقاربته و سياسته و دوافعه و أهدافه، الإختلاف الوحيد يكمن في من يتحكم بالزمن و يجيد اللعب على الوقت، بإطالة أمد الصراع أطول فترة ممكنة استنزافا لمقدرات الخصم . 
    من جهة هناك التاجر المقامر المنطلق من رؤية اقتصادية منفعية، يسعى من خلالها لمكاسب مالية في أقل مدة زمنية ممكنة، و من جهة أخرى، هناك الصبور المتمترس خلف إيديولوجية عقائدية من منطلق ديني إيماني بالقضية، إذ يحسب الصراع صراع وجود و مسألة كرامة و كبرياء، صراع حق و ليس صراع حدود .
    أما أهداف العم سام الإستراتيجية، فمضايقة و محاصرة الخصم و تصفير موارده المالية و فرض مزيد من العقوبات و العقوبات، بهدف إنهاكه اقتصاديا من أجل الإركاع و الإخضاع و الإرغام على التفاوض من جديد، تطبيقا لنظرية بيضة التبان، سقوط الشجرة يعني بالضرورة سقوط الأدرع و الفروع، تفاوض أساسه بالدرجة الأولى أمن إسرائيل، و بأقل درجة الملف النووي و التواجد العسكري الإيراني بسوريا و لبنان و العراق و اليمن و فلسطين . 
 
    هي مستجدات أكدها الإجتماع الثلاثي الأمني الذي انعقد بإسرائيل مؤخرا، بين مستشاري الأمن القومي الأمريكي/ الروسي/ الإسرائيلي، حيث دار النقاش حول التمدد الإيراني بالمنطقة و مدى تهديده لأمن إسرائيل، و أن هذه الأخيرة لن تبقى مكتوفة الأيدي و لا يمكنها التعايش أو القبول بتواجد قواعد الحرس الثوري الإيراني على طول حدودها مع بلاد الشام ” سوريا/ لبنان/ فلسطين ” . 
    إجتماع رد فيه الروسي بكون التواجد الإيراني تواجد مشروع مبني على دعوة رسمية من دولة ذات سيادة ” في إشارة لسوريا “، بخلاف التواجد العسكري الأمريكي أو عمليات القصف الإسرائيلية، رد لم يعجب الجانب الإسرائيلي و معه الأمريكي فبادر إلى التصعيد العسكري عبر قصف بعض المواقع داخل سوريا أواخر الشهر الماضي . 
    و يرى بعض الخبراء و المحللين أنه لو قبلت إيران و اعترفت رسميا بحق إسرائيل في الوجود، و أقامت معها علاقات تجارية و طبعت معها ديبلوماسيا و ….. لما كنا سمعنا بملف نووي و لا صواريخ باليستية و لا حصار و لا عقوبات إقتصادية …….، إذ أن السر كله يكمن في هذا و لا شيء سواه، بل العكس الذي قد يحصل، علاقات إقتصادية و سياسية متميزة مع أمريكا و الغرب عموما .
    أما حفيد الفرس فأهدافه الإستراتيجية، دق إسفين بين مختلف مكونات الحلف المضاد و تفكيك أسسه و هدم أعمدته و دك ركائزه … فتارة عبر طرق مباشرة و أخرى من خلال وكلاء و حلفاء، ضمن إطار تنسيقي تشاوري غير خاضع للتسرع أو ردود الأفعال، مستغلا معرفته التامة بجغرافيا المنطقة ” سياسيا/ إقتصاديا/ مكونات إجتماعية …… ” و مكامن الضعف، مستفيدا في الوقت نفسه من الإنجازات الكبيرة التي حققها ” العراق/ سوريا/ اليمن/ جنوب لبنان/ قطاع غزة ” . 
  • طرق مباشرة : 
        – من بينها نذكر على سبيل المثال، مباغثة أمريكا بما لم تتوقعه على الإطلاق، إسقاط طائرة الإستطلاع و الحرب الإلكترونية الأمريكية فوق مياه الخليج بتكنولوجيا عسكرية إيرانية دقيقة، رسالة تحد واضحة تقول بأن إيران على أتم الإستعداد لكافة الإحتمالات و الخيارات، تلتها مباشرة رسالة تحذير للجانب الإماراتي الذي انطلقت منه الطائرة المستهدفة ” مطار الظفرة العسكري “، رسائل أفزعت و شلت الأول و لم يقو على الرد، و أخافت الثاني فسارع إلى ربط قنوات اتصال و القيام بزيارات مكوكية غير معلنة  لإيران، من نتائجها الأولى إعلان انسحابه من حرب اليمن بعدما هدد أيضا من طرف الحوثيين بتوسعة بنك الأهداف ” تصفح مقالات سابقة على الجديدة نيوز ” .
        – إستدراج أوروبا إلى سلك درب الوفاء بتعهداتها طبقا لما تم الإتفاق عليه في الملف النووي عبر إعطائها مهلة الستين يوما، بانتهائها قلصت إيران من تعهداتها من خلال الرفع من وثيرة تخصيب اليورانيوم مع إعطاء مهلة ثانية، و كلما زاد التخصيب زادت معه المهل و هكذا دواليك ….، ما يشكل في حد ذاته إطالة أمد الصراع و استنزاف مقدرات الخصم، فبقدر ما يطول الأمد بقدر ما يتراجع خيار الحرب و الإنتخابات الأمريكية على الأبواب .
  • عبر وكلاء : 
        الحوثيون باليمن و تهديدهم لموانئ و مطارات الإمارات العربية المتحدة، خلق رجة، زوبعة، تذمر و سخط عم أوساط الأسرة الحاكمة، حيث برز تشقق و تصدع بين حكام الإمارات السبع بفعل السياسات الرعناء المتبعة من طرف ولي عهد الإمارات و حاكم إمارة أبو ظبي. تهديد حوثي يمني ينضاف لتحذير إيراني، و كلاهما ساهما في رسم صورة واضحة المعالم لما قد يحصل في الإمارات إن هي تمادت في سياساتها الإصطفافية الحالية، فضلا عن هول صدمة إسقاط الطائرة الأمريكية، عوامل اجتمعت اضطرت الإمارات بفعلها الإعلان الغير الرسمي لتفكك التحالف العربي و الإنسحاب من مستنقع اليمن، رغم ما قيل عن إعادة انتشار و …….. 
        استهداف اليمنيين شريان الإقتصاد السعودي، سواء من خلال قصف أنابيب النفط قرب العصمة الرياض ” حوالي 3 ملايين برميل يوميا ” ، أو من خلال المحاولات المتكررة لاستهداف ناقلاتها النفطية بمياه البحر الأحمر و باب المندب، إضافة إلى استهداف عمقها الجغرافي و التوغلات المستمرة بجنوبها، بعث إشارة واضحة لأسواق النفط العالمية مفادها ترقب لخبطة في سلاسة انسياب المنتوج، و تأثيراته السلبية على اقتصادات الغرب عموما، فضلا عن ارتفاع بوليصات التأمين و الأسعار التي قد تلامس سقفا لا قبل لهم به . 
        أما الدروس و العبر المستخلصة، و هنا بيت القصيد، الذي قل من انتبهوا إليه، سقوط أسطورة الباتريوت و فشلها الذريع في اعتراض صواريخ و طائرات الحوثيين، و انهيار مفخرة صناعات الطائرات الحربية الأمريكية أمام تقنية و دقة صواريخ خرداد 3 الإيرانية الصنع، حيث يذكرنا هذا بسقوط الأسطورة الدبابة الإسرائيلية ” ميركافا ” و المدمرة” ساعر ” إبان حرب تموز 2006 . و هنا أستذكر بيتا شعريا معبرا يقول صاحبه : 
و لي فرس بالشر و للشر ملجم                 و لي فرس بالخير و للخير مسرج
 
        ترقب اندلاع حرب الناقلات أمر شبه مؤكد اليوم على ضوء ما قامت به بريطانيا من قرصنة بالمياه الدولية ” حسب آخر تصريح للرئيس الروسي فلاديمير بوتين “، تصريح رسمي شد عضد إيران و آزرها ينضاف لتصريح مماثل إسباني محتشم. أمامه لم تجد أمريكا بدا من مطالبة المجتمع الدولي بتأمين الحماية للملاحة الدولية بمياه الخليج، طلب ينم عن وهن و ترهل و ضعف من جهة، و دعوة صريحة عن غير قصد لكل من الصين و روسيا بتقوية تواجدهم بالمنطقة من جهة ثانية . 
        دعوة الأمريكي قابلتها دعوة مضادة إيرانية تقول بأن أمن الخليج و استقراره شأن تشاركي بين دوله، و أن إيران على استعداد لإبرام اتفاقية حسن الجوار و عدم الإعتداء أو التدخل في الشؤون الداخلية  لمختلف مكونات المنطقة الخليجية دون استثناء، دعوة اعتبرها المراقبون رسالة إلى السعودية مفادها ضرورة تغيير سياساتها و مقارباتها في أزمات المنطقة، مذكرة إياها أنها هي من كانت سببا في انذلاع الأزمة السورية/ العراقية/ الليبية، و هي من حرضت إسرائيل على شن الحرب جنوب لبنان ضد حزب الله سنة 2006 من خلال وزير خارجيتها آنذاك الأمير سعود الفيصل، و هي من أوعزت بالحصار على قطاع غزة، و أنها هي بالذات من لها أطماع توسعية ” البحرين/ الأزمة مع قطر/ الإحتكاك بسلطنة عمان و الكويت …… ” .
        و بالعودة إلى أوروبا فعدا بريطانيا و علاقاتها التجارية و الديبلوماسية مع إيران، تم رصد انعطافة أوروبية في اتجاه إيران بغض النظر عن التغاضي أو التراضي الأمريكي، إذ أن هناك اتفاقيات بين الجانبين وقعت بعد رفع العقوبات، تشمل مواضيع مختلفة من قبيل الهجرة و المخدرات و مكافحة الإرهاب، أي بمعنى كل ما يؤرق الأوروبيين، من خلالها تتعهد إيران بمحاربة الهجرة الغير شرعية للأفغان و تدفق المخدرات على طول حدودها المشتركة مع أفغانستان و تركيا في اتجاه أوروبا، مقابل علاقات تجارية متميزة تلكأت فيها أوروبا .
        اليوم، الأخيرة تسابق الزمن و تسارع الخطى لتفعيل تعهداتها و الوفاء بالتزاماتها. انتهاجها لسياسة تقاربية محتشمة و مترددة مع الجمهورية الإسلامية بمعزل عن الرؤية الأمريكية، قد يعطي ثماره رغم التباطؤ و التلكؤ الواضحين و لو بعد حين، تدرج المقاربة الأوربية يصب بالأساس في مصلحة إيران على المدى المتوسط و يتوافق مع منظورها الإستراتيجي، لقد استطاعت أحداث تفكك في منظومة خليجية، و عدم مجاراة أوربية لنظرة أمريكية، ليكون مسك الختام تمدد نفوذ و تقوية أدرع و إطلالة حلفاء ” روسيا/ الصين ” على المياه الدافئة للخليج و الأبيض المتوسط . 
         مقبل الأيام حافل بالمفاجآت، يقول أحدهم، حرب ناقلات نفط أكثر من مرتقبة بالخليج و البحر الأحمر إذا لم تفرج بريطانيا عن الناقلة المحتجزة، ستتلوها عمليات متباعدة عسكرية شبه مؤكدة بشمال سوريا و قصف إسرائيلي لبعض المواقع، مع احتمال اشتعال مواجهة مع قطاع غزة و عمليات إرهابية بالعراق و لبنان، جسا لنبض حلف مقاوم و انتقاما بالوكالة لكبرياء مخدوش .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بوادر انفراج هل هي بداية سنة ممطرة؟

    استبشر الناس خيرا بزخات مطرية اليوم، كما انخفضت الحرارة في العديد من مناطق ...