الرهان الخاسر

بقلم أبو أيوب

إصطفاف المغرب إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية خلال الأزمة الفنزويلية، سوف لن يزيد هذه الأخيرة إلا تعنتا و تشددا في موقفها من قضية الصحراء، و هذا بالضبط ما جاء على لسان سفيرها لدى الجارة الشرقية في تصريح لأحد المواقع الاخبارية، كما أنه لن يكون له تأثير يذكر من شأنه أن يلين الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية من نزاع الصحراء، لطالما بقي السيد جون بولتون مستشار الأمن القومي مهندسا للسياسة الخارجية .

رهان المغرب على رئيس البرلمان السيد غوايدو ضمن كتلة دول أوروبية و لاتينو – أمريكية يعتبر رهانا متسرعا و خاسرا بحسب بعض المحللين الدوليين، لعدة أسباب، منها ما هو جيوسياسي و ما هو اقتصادي و ما هو قانوني بحسب الأعراف و المواثيق الدولية .

* داخليا الدستور الفنزويلي لا يسمح لرئيس البرلمان بتولي الرئاسة إلا في حالات منصوص عليها ك : شغور المنصب، و هذا غير متوفر في ظل وجود رئيس منتخب، أو في حالة عدم القدرة على تسيير شؤون البلد، بسبب العجز أو المرض، من بين ما ينص عليه الدستور كذلك، عدم وجوب السماح بالتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية و كل ما يعرض السيادة الوطنية للخطر ” و هذا هو الحاصل الآن “، أو في ظل وجود أزمة داخلية، من مسؤولية الرئيس المنتخب الدعوة إلى تنظيم انتخابات سابقة لأوانها في أجل لا يتعدى 30 يوما، و هو الشيء الذي لم يحصل لحد الآن قبيل انقضاء المهلة المحددة لغاية يوم 27 من الشهر الجاري، بل فضل الرئيس الدعوة إلى الحوار و التفاوض، مستمدا  مشروعيته من صناديق الإقتراع و من تمترس القوات المسلحة وراءها دعما و مساندة، حماية من نشوب حرب أهلية قد تطال المحيط الجغرافي ” كولومبيا كمثال “. 

* ببزوغ عالم متعدد الأقطاب ” الصين/ روسيا/ الهند/ البرازيل/ إيران….. ” لم يعد مسموحا بالإنقلابات العسكرية و لا بمحاولات تغيير و إسقاط الأنظمة بفعل التدخلات الخارجية ” ليبيا و العراق كمثال “و هي الحالة اليوم التي توجد عليها فنزويلا، بنظام سياسي شرعي منبثق عن صناديق الإقتراع مطعون في شرعيته من طرف مكون خارجي، لذا انبرت دول عديدة و تداعت إلى وجوب التصدي  لهكذا محاولات، سواء في مجلس الأمن داعية إلى الحفاظ على السلم و الأمن العالميين ، او من خلال ابدائ الدعم و المساندة و التأييد لاحترام سيادة الدول، منددة محذرة في الوقت نفسه من العواقب الوخيمة لقانون الغاب الذي تنتهجه أمريكا . 

* كثرة الحروب التي أشعلت فتيلها أمريكا عبر العالم، و تراكم الديون عليها مع الخسائر البشرية و الإقتصادية، أضعف دورها و استنزف خزينتها العامة، إلى أن أصبحت تحترف الإبتزاز و الإسترزاق مقابل الخدمات و الحماية ” دول الخليج كمثال “، تصادف هذا مع الأزمة العالمية و انكماش الإقتصاد الأمريكي، و هي عوامل اجتمعت و فرضت على أمريكا بداية الإنسحاب من منطقة الشرق الأوسط ” سوريا/ العراق/ اليمن ” و من أواسط آسيا ” أفغانستان ” ، فاسحة المجال للتمدد الصيني و  الإندفاع الروسي نحو المياه الدافئة للمتوسط و قارة إفريقيا، أولى بوادر الضعف الأمريكي يتجلى في عدم قدرتها على الحيلولة دون التواجد العسكري الروسي اللافت بحديقتها الخلفية ” فنزويلا “، سواء عبر التسامح مع ارسال القاذفتين النوويتين الروسيتين ” البجعة ” أو من خلال مشروع بناء قاعدة عسكرية جوية بالبلد، خلافا لما كان عليه الموقف إبان أزمة خليج الخنازير و حكاية الصواريخ الباليستية للإتحاد السوفياتي بكوبا، تواجد عسكري روسي دائم من المحتمل أن يسقط مبدأ مونرو الذي ارتكز منذ 1830 على عدم السماح لأية دولة بالتواجد القوي بأمريكا الجنوبية، بحيث تعتبر المنطقة حديقة خلفية للعم سام .

* تختزن فنزويلا أكبر احتياطي عالمي من البترول و أول منتج  للذهب، ربطت إقتصادها بشكل كبير مع اقتصاد روسيا و الصين، إذ تستحوذ الأولى على 100/48 من الإستثمارات في ميدان الطاقة ” حوالي 150 مليار دولار “، بينما تستثمر الصين في الذهب، هذا بالضبط ما أجج الخلاف مع أمريكا منذ وصول الرئيس السابق هوغو شافيز، حين بادرت أمريكا إلى تنظيم انقلاب عليه لم يدم طويلا، بفضل تدخل الجيش و المسيرات الجماهيرية و الهبة الشعبية المطالبة بإرجاعه للسلطة .

بعد فشل المحاولة الأولى و مجيء خلفه الرئيس نيكولاس مادورو،  و بعدما تيقنت أمريكا أنه سائر على نفس نهج سلفه، ها هي اليوم تعيد الكرة في محاولة لإيقاف المد الإشتراكي بالمنطقة، بعدما تسنى لها ذلك بالبرازيل ” الرئيس داسيلفا او الرئيسة روسيف كمثال ” أو كولومبيا ” نزع سلاح جبهة فارك اليسارية “، بحسب رأي نفس المحللين، المشروع الأمريكي إذن سيفشل كما فشل في كوبا و نيكاراغوا و بوليفيا و الأوروغواي و العراق و سوريا، حيث لم يعد بمقدور أمريكا الإنفراد بزعامة العالم، كما ليس مقبولا و لا مستساغا و لا مطروحا في المستقبل المنظور، إن تتخلت روسيا أو الصين على حد سواء عن  نفوذهما في أمريكا اللاتينية و الجنوبية، بعد أن خبرتا مكامن الضعف و الترهل لدى أمريكا كما يرى آخرون أنه بإمكان الصين لوحدها أن تركع أمريكا و تشل اقتصادها، إذ تستحوذ على ما يناهز 100/85 من سندات الخزينة، أي ما يعادل ثمانية تريليون دولار، علاوة على إغراقها بكل أنواع السلع و البضائع المصنعة و الرخيصة الثمن .

لقد كشفت لنا التجارب السابقة، سرعة تخلي أمريكا عن حلفائها، من ماركوس الفلبين إلى بهلوي إيران و سوموزا نيكاراغوا و مبارك مصر،  كلهم أطاعوها و خدموها بإخلاص،  فماذا كانت النتيجة ؟ التنكر و النسيان، أمريكا لا تقوى على مجابهة الأنظمة المسنودة جماهيريا ” فنزويلا حاليا أو كوبا و فيتنام سابقا “، بعد حصار دام زهاء 50 سنة أذعنت في آخر المطاف و أعادت العلاقات الديبلوماسية مع كوبا ، كما لا تقوى على مقارعة الأحزاب ذات السند الشعبي الطويل النفس” حزب الله و حرب تموز 2006  أو أنصار الله الحوثيون باليمن كمثال ” .

أمريكا خبيرة في قلب الزاوية بدرجة 180، لا تستقر على حال، يستهويها توريط الحلفاء و الأصدقاء خدمة لمصالحها لا أقل و لا أكثر، حتى إذا ما وهنوا و ضعفوا تخلصت منهم دون أن يرف لها جفن، هذا ما ينطبق على التسرع في الموقف المغربي المعلن عنه بخصوص الأزمة الفنزويلية، بحيث غاب أو غيب عن أنظار من اتخد القرار، ردة الفعل الروسية و الصينية دفاعا عن حليفهما الإستراتيجي و مصالحهما الإقتصادية، بحيث سجل في الآونة الأخيرة تقارب روسي – صيني مع الوهم، و هما الدولتان الوحيدتان صاحبتا حق النقض بمجلس الأمن، اللتان في استطاعتهما كبح جماح و غرور أمريكا، و بالتالي كان على المغرب أن يتريث قليلا، أقله إلى أن تتوضح الرؤية ، تجسيدا للمثل الفرنسي ” لا يمكن بيع فرو الدب إلا بعد اصطياده ” … كما وجب الحد من الإندفاع الحماسي مما قد يكلفه كثيرا، في إشارة إلى القضية الوطنية الأولى، و نحن على مشارف جولة جديدة للمنطقة من طرف المبعوث الشخصي السيد هورست كوهلر، قبيل أيام معدودة على انعقاد طاولة أخرى مستديرة و جلسة مجلس الأمن لشهر أبريل، لنتسائل عمن وسوس في أذن متخذ القرار و زين له معاكسة مصالح الصين ” أكبر مستثمر على الصعيد العالمي ” و روسيا دون أن يضمن موقف أمريكا المنحاز للخصوم ؟ و حتى لو كانت من قبيل العين بالعين و البادي أظلم، أي فنزويلا تعترف بالوهم و قد حان وقت القصاص، إذ وجب في هذه الحالة التأني و الإحتراس، فالإنتقام كطبق يفضل أن يؤكل باردا كما جاء به المثل الفرنسي، و لم يحن بعد وقت أكله،  و بالتالي ما الموقف الذي سيجد المغرب نفسه فيه إذا ما تراجعت أمريكا و فشل الإنقلاب ؟ و هذا هو المرجح في ظل اختلال موازين القوى العالمية ” أوروبا الضعيفة المتصدعة بأزماتها الداخلية، فرنسا/ اليونان/ خروج انجلترا “، يقابله تعاظم النفوذ الروسي و الصيني، بحيث أصبحت أمريكا كنمر من ورق، أو كأسد هرم بدأت أسنانه بالتساقط، قانون الطبيعة هكذا، لكل شيء إذا ما تم نقصان، كما أنها جد متخوفة و متوجسة من فيتنام جديدة قريبة من حدودها، رغم نشرها لحوالي 5000 جندي أمريكي على حدودها مع كولومبيا/ فنزويلا، و هذا ما صرح به الرئيس الفنزويلي متوعدا بحرب ضروس، كون فنزويلا 2019 ليست فنزويلا 1989، لها جيش متماسك ذو تسليح معتبر و حديث، مدعوم و مسنود بميليشيات رديفة قوامها حوالي 450 ألف فرد مدرب على حرب العصابات، عدا دعم و مساندة الحلفاء ” روسيا/ الصين/ الهند/ جنوب إفريقيا/ إيران/ الجزائر…. “، هنا وجب طرح السؤال عن المقابل المراد تحصيله من الإندفاع المغربي ؟ إن كان ما تم تسريبه  من قبيل سحب الإعتراف بالوهم، فالأمر لم يستتب بعد لغوايدو رئيس البرلمان، و كتحصيل حاصل ربما يكون المغرب قد تسرع و راهن على الحصان الخاسر فيما يتعلق بالرمال المتحركة بالصحراء، كرهانه على المقاربة الأمنية في حراك الريف التي أسفرت عن تدويل القضية ” البرلمان الأوروبي/ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة / تأليب الرأي العام الأوروبي بفعل تناسل المسيرات و الوقفات الإحتجاجية المناصرة للحراك كان آخرها يوم أول أمس ببلجيكا “، أو إكراهه على إسكات الأقلام الحرة ” المهداوي/ بوعشرين… ” فإذا بالأمم المتحدة تطالب بإطلاق السراح و التعويض .

كثيرة هي الإخفاقات و قصص الفشل التي قد تؤدي بالمغرب إلى السقوط في التخبط و الإرتباك و عدم التركيز إتقانا لرقصة الديك المذبوح، في حين أن المطلوب هو الإنفراج و الإفراج، تنفيسا لجبهة داخلية متصدعة و تأسيسا لأخرى متصالحة متماسكة بدون خدوش و لا رتوش .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدروش: يا تجار الدين لقد بعتم الوهم للمغاربة وحرمتموهم حتى من شراء كيلو من السردين الخانز!!!

بقلم عزيز الدروش القيادي بحزب التقدم والاشتراكية ومرشح الأمانة العامة للحزب تعتبر المملكة المغربية من ...