العزلة

بقلم أبو أيوب

كثر الأعداء و توارى و اختفى الأصدقاء ، في وقت ما أحوجنا فيه إلى تجسيد تصريحاتهم الرنانة على أرض الواقع، و تنزيل كلماتهم الطنانة إلى حيز الوجود .

فإبان انعقاد القمم العربية و الملتقيات و الندوات العربية و الدولية، تسابق رؤساء الحكومات و الوزراء و السفراء و الناطقون باسمهم و من ينوب عنهم، إلى الإشادة بالعلاقات المتميزة بين بلدانهم و المغرب، و الآفاق الواعدة للتكامل و التكافل على أكثر من صعيد، حتى خيل للمتتبع الراصد المندهش المتعطش المتيم الولهان بأن جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بظلالها الوارفة و حليب وديانها الجارفة، سوف تعم بخيراتها و نعمها جغرافية الوطن من شوشة شماله إلى أخمص جنوبه، من قائل بجلب ملايير الدولارات من الرساميل الخليجية استثمارا في السكن و التشغيل و البنى التحتية، و آخر زاعما الريادة في الطاقة الشمسية و الغاز و البترول كاشفا عن كميات مهولة سوف تولجنا نادي الكبار للدول المصدرة، و لم لا التربع على عرش منظمة الأوبيك، بينما آخر انبرئ للحديث عن المؤهلات الفلاحية و الريادة في القطاعات البنكية و قطاع المواصلات السلكية و اللاسلكية و غزو الفضاء و القارة السمراء، عومونا في الأوهام و سوقوا لنا الاحلام و عندما استفقنا و انتبهنا، وجدنا أن جل الإخوان و الخلان قد انتفضوا من حوالينا مولين الأدبار إلى من حيث هلوا و أتوا، إخلاصا لدأبهم و ديدنهم و ما تعودوا عليه منذ قبل نشأتهم و انشطارهم مللا و نحلا عن الرجل المريض “الدولة العثمانية”، انشطروا كدول فاقدة لاستقلالية القرار حتى في عقر الدار، يؤتمرون و يتآمرون بواسطة الروموت كونترول ثم يتفوهون بالسيادة و العفة و الأنفة، لكن مع هذا كله، لا يمكننا تحميلهم وحدهم المسؤولية فيما ألت إليه الأوضاع، و إلا سنكون مجحفين جاحدين إسقاطيين، أوضاع أجمل بلد في العالم نعث جزءا من شعبه بالرعاع فتكالبت عليه الضباع، و لما وصفهم بالأوباش تطاولت عليه الأحباش “إثيوبيا و تصريحات رئيس حكومتها”، و اليوم استيقظنا من اضغات أحلامنا لنصطدم بواقع جديد غير ما ألفنا :

*  الأزمة الإقتصادية العالمية ساهمت بقسط وفير في إفشال رهاناتنا و شراكتنا الإقتصادية مع الإتحاد الأروروبي، علاقات كانت متميزة مع مختلف الفاعلين الإقتصاديين، ازدهرت لفترة طويلة  إلى أن اعترضت طريقها بعض المطبات، سواء على صعيد حقوق الإنسان “حراكات المغرب” أو بفعل ملف الصحراء و حكاية الثروات لما لها من تداعيات، عوامل اجتمعت و أثرت نسبيا و سلبيا في مجمل العلاقات المغربية الأوروبية “تسجيل عجز في الميزان التجاري المغربي كمثال” .

*  لتعويض النقص الحاصل، توجهت الأنظار المغربية نحو القارة السمراء الواعدة، لما لها من آفاق و ثروات، و قد ركز الجانب المغربي في مقاربته هذه، على الجانب الإقتصادي حيث أولاه عناية كبيرة، رغم خيبات الأمل بالجانب السياسي، حيث راهن المغرب منذ البداية على اجثتات من ينازعونه السيادة على الصحراء، و لما لم يتمكن، بادر إلى الإنتشار الإقتصادي مستثمرا في قطاعات حيوية “إعمار/ بنوك/…..” و ما إلى ذلك، كما أولى عناية معتبرة لتصدير المنتجات الفلاحية و الزراعية إلى كل من موريتانيا/ السينغال/ ساحل العاج محاولا ربط مجاله الحيوي بعمقه الإفريقي، لكن تفجير معبر الكركرات و ما خلقه من أزمة مع الأمم المتحدة و الخصوم على حد سواء، حال دونه و مبتغاه ليبقى التخوف و التوجس و الإحباط سيدا الموقف، علاوة على غياب أي موقف رسمي صريح لطلب المغرب الإنضمام للمجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا . 

* على صعيد التكتل و الأحلاف و بعد ربيع لم يعمر طويلا مع نادي الملكيات بالخليج العربي زائد الأردن، حيث انخرط المغرب كجزء من المقاربة الخليجية في مشكل سوريا و اليمن، بإرساله جيشه و طياريه للمشاركة في عاصفة الحزم و إعادة الشرعية، حرب قاربت الأربع سنوات و ما يزيد دون أن تلوح في الأفق نهاية لها، فلا هي أرجعت الشرعية و لا هي أعادت الإستقرار لليمن السعيد، كل ما أنجزته دمار و خراب و أزمة إنسانية استدعت ضغوطا أممية و دولية، مطالبة بوقف الحرب تحت طائلة اعتبارها جرائم ضد الإنسانية و بوجوب محاكمة مرتكبيها، حرب ساهمت إلى حد كبير في انفراط عقد تحالف الملكيات في الوطن العربي، من تداعياتها :

   –  الأزمة القطرية و محاولة الحصار و ما رافقه من اصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك .

   – تفجر صراع خفي بين الكويت  من جهة و السعودية و الإمارات من جهة ثانية، إثر المحاولتين الأخيرتين لإفشال الوساطة الكويتية و وضع العراقيل أمامها . 

   –  حلم السعودية بزعامة المنطقة مع تجاهل أدوار باقي الفرقاء، أي انتهاج أسلوب التعالي و الإستكبار، ما حدا بسلطنة عمان نهج سياسة الحياد و عدم التجاوب مع المطالب السعودية، في حين لجأت كل من قطر و الكويت إلى تعزيز علاقاتهما مع إيران .

   –  الحملة الإعلامية الأخيرة لكل من قناة العربية و ما نشرته من روبورتاج مسيئ لمف الصحراء، و صنوتها قناة أبو ظبي التي نشرت خريطة المغرب مبثورة من الصحراء، أحداث ساهمت إلى حد كبير في تدهور العلاقات الثنائية بين المغرب و شريكيه .

   – الإزمة الإقتصادية الخانقة التي يعيش تحت وطأتها الأردن، علاوة على مشكل النازحين السوريين التي أثرت سلبا على اقتصاد هش، فاقم من الوضع الداخلي للأردن، و أثقل كاهل المواطن في ظل غياب المساعدات الموعودة من دول الجوار العربي، للعلم إن البلد فقير و بدون موارد طبيعية تعتبر .

بانفراط عقد التحالف الإستراتيجي للملكيات العربية، يكون المغرب قد خسر رافدا من روافده الإقتصادية و السياسية، و ممولا رئيسيا لانطلاقته الإستثمارية بعموم إفريقيا، حيث اعتبرت الدولتان منذ أمد بعيد من حلفائه الموثوقين، شاركا بزخم كبير في المسيرة الخضراء كما مولا و ساعدا في بناء الجدار الدفاعي المغربي في الصحراء. بحسب بعض المراقبين و المتتبعين لمجريات الأمور، و الملاحظين الدوليين، 2019 سنة القلاقل و الزلات و الهفوات و الإنتكاسات بالنسبة للمغرب، رغم المجهودات الجبارة التي تبذل، فهي تظل غير كافية لتقويم الوضع، تبعا لعدم نهج سياسة ردعية محاربة للفساد و الريع “تقارير مجلس الحسابات للسيد جطو و ما أكثرها بقيت مجرد فقاعات تخذيرية إعلامية حبيسة الرفوف” ، في حين كان الأولى المحاسبة و المحاكمة بذل العزل و السماح بالمغادرة للجمل بما حمل نحو الإيلدورادو، و في ظل غياب نموذج تنموي شامل، ضمن مقاربة علمية و دراسة متأنية مستشرفة للمستقبل . 

غياب الأصدقاء و تواريهم عن الأنظار في هذا الوقت العصيب، و تكاثر الأعداء و المتربصين المشاكسين المعاندين، و تقاعس المسؤولين و تهورهم “محاكمات من أشاروا و فضحوا الفساد من حراك الريف و جرادة و.. ” ، و استعلائهم “التخوين و الاتهام بالانفصال” بنما الحقيقة، هم المنفصلون عن مشاكل و مشاغل شعب المداويخ المجاويع حسب وصفهم، و عدم إنصاتهم لصوت العقل و الحكمة، ثم إفراطهم في القوة و غلوهم في العظمة متناسين كم نملة قتلت فيلا، زخم الجمع بين ما سرد يلقي بغيوم قاتمة على مجمل علاقات المغرب الخارجية مع مختلف الشركاء الدوليين، غيوم تزداد سوداويتها جراء ما يقوم به الخصوم بأوروبا و أمام مقر البرلمان الأوروبي، و ما تحضره القمة المرتقبة الإفريقية نهاية الأسبوع الحالي بأديس أبيبا، و ما تخطط له كل من الإدارة الأمريكية و الأمم المتحدة و مبعوثها الشخصي للخاصرة الرخوة للمغرب .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرينبلات و”صفقة القرن” للكاتب الفلسطيني “منير شفيق”

    المقابلة التي جرت بين جودي وودورف وجيسون غرينبلات، ونشرت على المواقع في 17 ...