الثلاثاء 17 يناير 2017 - 07:50إتصل بنا |
المغرب وتدبير الأزمة الليبية
المغرب وتدبير الأزمة  الليبية

ليبيا من ديكتاتورية القدافي إلى ديكتاتورية الميليشيات، هكذا يمكن اختصار الوضع القائم في ليبيا، فالتشرذم والاقتتال بين الإخوة الأعداء على الحكم والثروة، أدخل البلاد في النفق مسدود، والارتماء في متاهة من الصراعات الإيديولوجية التي ساهمت فيها عوامل التدخل الخارجي، الذي ترأسته فرنسا مع تحالف يتشكل من زمرة أصدقائها الأوروبيين، ظنا منهم أن كعكة مصادر الطاقة من البترول والغاز الطبيعي ستكون في المتناول ، لكن مجريات الأحداث كشفت أن الأمر خرج عن السيطرة، وأعيد إنتاج سيناريو العراق، فكان ما كان، وأضحت البلاد عنوانا للتقسيم ،ومازال المستقبل غامضا، حيث تبدو تجلياته وآفاقه جد ملتبسة.

ليبيا هي جزء من دول المغرب العربي، وهو اتحاد لم يكتب له النجاح على الرغم من أهميته الاستراتيجية، وأغلب أجهزته مجمدة بالنظر للخلافات السياسية بين مكوناته خصوصا بين المغرب والجزائر، لكن ذلك لا يمنع من التساؤل عن سبب الصمت المريب لأغلب مكوناته عما يجري في ليبيا، هل للحسابات السياسية دور في ذلك؟ أم أن هناك غياب للقادة السياسيين القادرين على القيام بالمبادرة، وجمع شمل هذه الدول لتوحيد استراتيجية موحدة تضمن تسوية ذلك النزاع؟ أم أن هناك سوء التقدير في تقييم للمخاطر التي يمكن أن تذهب إليها الأمور في ليبيا، علما أن بوادر تقسيم البلاد تلوح في الأفق، فضلا عن تسرب نوع من الفوضى وتناسل ميليشيات مسلحة عصية على السيطرة، يمكن أن تصل إلى حد وصول تنظيم داعش لإرساء قواعدها بالمنطقة.

يبدو أن المغرب، تنفس الصعداء بنهاية نظام معمر القدافي، بالنظر للدور الذي كان يلعبه في دعم خصوم الوحدة الترابية للمملكة، لكن الأمر سيأخذ أبعادا أخرى من خلال ما يجري على الأرض من اقتتال بين تيار محسوب على توجه الإسلام السياسي وتيار آخر مضاد موال للواء حفتر.

في حين أن دول الجوار لليبيا، كالجزائر ومصر تعلن تدخلهما صراحة في ذلك الصراع، فالجزائر تكرس جهدها الحثيث للوساطة لحل الصراع، خوفا من خطورة استمرار الحرب بين الميليشيات المسلحة التي يمكن أن تسلل إلى التراب الجزائري هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فالجزائر على الرغم مما تبديه من تقارب بخصوص هذا الصراع مع فرنسا، فإنها في نفس الوقت تريد أن تسد الطريق على المستعمر السابق ومنافسته للحيلولة دون تكرار تجربة مالي التي تعتبرها الجزائر بمثابة استعمار فرنسي جديد، حيث تريد هذه الأخيرة شحذ دعم بعض الدول الإفريقية للتدخل في ليبيا من قبيل موريتانيا و السنغال.

لن نحتاج إلى جهد كبير لندرك أن مصر والجزائر تشتركان في معاناتهما مع مشاكلهما الداخلية التي أرهقت كاهليهما، فمصر ترزح تحت أزمة سياسية عميقة نتيجة صراع الجيش مع جماعة الإخوان المسلمين، والجزائر تعيش فراغا سياسيا مقلقا، نظرا للوضع الصحي لرئيسها والصراع الخفي على من سيخلفه، فضلا عن أزمة اقتصادية خانقة نتيجة لتراجع عائدات البترول بعد انخفاض أثمنته في السوق الدولية.

على ضوء ذلك، فمصر والجزائر اختارت تحويل أنظار شعبيهما عن مشاكلهما الداخلية عن طريق التدخل في الأزمة الليبية، أولا لكسب التأييد لسياستها، وكذا للاعتراف بشرعيتها السياسية، وثانيا لإعطاء الانطباع بأن مصدر الشرور ومآسي العالم العربي يأتي من الجماعات الإسلامية والفكر الديني المتشدد.

المغرب نظرا لموقعه الإقليمي كفاعل أساسي في منطقة المغرب العربي، فهو مطالب بتدبير سياسته وموقفه من الأزمة الليبية، حيث يمكن الحديث عن عدة قراءات في هذا المستوى، فالديبلوماسية المغربية اعتادت نهج سياسة متوازنة تعتمد على الواقعية السياسية، من مميزاتها عدم المغامرة والانتظار حتى يحسم الصراع وتميل الكفة لجهة معينة للاصطفاف بجانبها، أو الالتحاق بالتحالفات الدولية لمواجهة بؤر التوتر تحت رعاية الأمم المتحدة والقانون الدولي.

نعتقد  أن المغرب من بين خياراته، إما التدخل المباشر في الأزمة الليبية لتبني الحوار بين أطراف الصراع ، أو دعم أحد الطرفين عسكريا كما هو الشأن لمصر، أو التدخل غير المباشر من خلال دعم طرف محدد سياسيا، كما قد يفهم مع زيارة بعض الشخصيات السياسية الليبية للمغرب، كشخصية محمود جبريل الرجل الثاني في المجلس الانتقالي الليبي.

فيما يخص عدم التدخل في تلك الأزمة، قد تجد المبررات في كون الصراع قد يطول ولن يحسم بسهولة ما بين الأطراف، وبالتالي فدعم أحد الأطراف هو بمثابة مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب، علما أن المغرب بدوره يعاني من صراعه مع جبهة البوليساريو وقد تدخل أحد الأطراف على الخط لدعمها بالسلاح وبأموال البترول والغاز الطبيعي.

من جهة أخرى، فابتعاد المغرب عن الأزمة الليبية قد يحمل أخطاء استراتيجية، من جهة قد يُضَيّعُ حليفا اقتصاديا مهما يملك مصادر الطاقة، ومستوردا مهما لأيدي العاملة المغربية، لصالح البلد المجاور الجزائر، ومن جهة أخرى فقدان حليف سياسي يمكن أن يساند المغرب في قضية وحدته الترابية.

إن اختيار أطراف الصراع للجلوس على طاولة الحوار بالمغرب برعاية الأمم المتحدة، يحمل أكثر من دلالة، فهو مؤشر على احترام الجانبين المتصارعين للمغرب كبلد محايد، وثقتهما في قدرته على لعب دور إيجابي في هذه الأزمة، لكن الأمور تتوقف على مآل المفاوضات، حيث في حالة ما إذا توصلت الأطراف إلى حل للصراع، فإن ذلك سيكون في صالح المغرب كبلد على أرضه تم صنع السلام وإرساء الاستقرار داخل ليبيا، أما في حالة ما إذا استمر الصراع الذي تبدو مؤشراته راجحة على الميدان، حيث سيعقد الوضع أكثر فأكثر، خصوصا مع بدأ الحديث على ضرورة تدخل تحالف عربي عسكري لإنهاء الأزمة، كما يحدث في هذه الأثناء في اليمن لمواجهة الحوثيين، حينذاك سيجد المغرب نفسه مضطرا إلى تحديد موقفه الذي قد يخرج على الحياد للمشاركة في أي نوع من التحالف خصوصا إن تزعمته العربية السعودية.

كلها قراءات لسيناريوهات محتملة للأزمة الليبية، التي تداعياتها تمس منطقة المغرب العربي، ومسألة وضع تصورات واضحة لهذا الصراع تصبح ضرورة ملحة.

بقلم محسن زردان

كاتب و باحث

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات