باريس المحاصرة

بقلم أبو أيوب

ما أشبه الأمس باليوم … باريس عاصمة الأنوار و الأزياء و برج إيفل و الشانزلزيه محاصرة, كما بالأمس إبان الحرب العالمية الثانية, لما طوقت بمختلف الوحدات النازية, وصلت حد قلب المدينة ثم استسلمت لقدرها المحتوم, فأصبحت بحكومتين و رأسين, لا هي بمحررة و لا هي تنعم بالإستقلال, إلى أن دخلها الحلفاء بعد الإنزال العسكري الضخم بالنورماندي, و اليوم ها هي كذلك محاصرة و مطوقة بأزيد من 90 ألف عنصر من مختلف التشكيلات العسكرية و الأمنية من بوليس و درك, مع اختلاف بسيط, أن لا حرب و لا غزو  و لا معارك عسكرية, فقط ما يطلق عليم اليوم yellowvet, القمصان الصفراء, إحتجاجات و تذمر و غليان شعبي على أثر الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات و الضرائب المفروضة على مختلف شرائح المجتمع الفرنسي, بدل الإنصات لصوت الجماهير الصادحة و معالجة الأمور بالتي هي أحسن, فضلت الحكومة نهج سياسة النعامة, و كأنها تقتبس المقاربة من حكومتنا الموقرة, من خلال حلول ترقيعية لم تشف غليل المحتجين, ربحا للوقت في سبيل النيل من عزائم القمصان الصفراء, لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفن الحكومة الفرنسية, بدل  التنفيس و التبريد, أثر المحتجون التوسيع و التمديد للمظاهرات التي تخللتها أعمال شغب و سرقة محلات و فوضى عارمة, إلى أن أمست شوارع المدينة كساحة حرب شبيهة بمخلفات الحرب العالمية الثانية و ما خلفته من دمار و خراب, أحداث أليمة فتحت شهية اليمين المتطرف, الذي بدأ الإشارة بالبنان للمهاجرين عامة, و خاصة للمنحدرين من أصول مغاربية بتهمة الضلوع في عمليات النهب و السطو, بعدما تناقلت بعض المواقع و المنابر الإعلامية لقصعات الكسكس و رقصة الركادة و هي تؤثت ساحات الإحتجاج, سلوك من شأنه أن يرفع من حدة كراهية الأجانب .

لقد عقدت الندوات الرسمية و كثرت الإجتماعات الحكومية و البرلمانية, من أجل إطفاء غضب المحتجين, بلغت حد التنازل و إلغاء قرارات الزيادة, لكن الحالة لم تزدد إلا سوءا ما ينذر بمزيد من تفاقم الأوضاع, حالة تبشر بقرب نهاية الحياة السياسية للرئيس الفرنسي ماكرون, و هو الذي كان يبحث عن كاريزما سياسية, و يحلم بالريادة على الصعيد الأوروبي, منشدا لعب دور القاطرة لعموم القارة العجوز, في رمشة عين, تبخرت الأحلام و اندثرت الأوهام, فاستفاق سيادة الرئيس على واقع مر مرير, رفض جماعي لسياساته الإجتماعية التي لطالما اتحفتنا ببلد الديموقراطية و العدالة و المساواة, هكذا هم السياسيون في جل بقاع العالم, و هنا أستذكر قصة واقعية للملك الفرنسي لويس الخامس عشر, لما دخل عليه مستشاره السيد كولبير فأخبره بنفاذ “الكرمومة” من خزائن الدولة و أن الأزمة قد استفحلت و ما عادت تطاق, فما كان من الملك إلا أن أشار عليه بالزيادة في الضرائب على الفقراء, فهم كثر و لا يستطيعون قول “لا” و ما عليهم سوى الإنصياع, حيث كان ذلك بمثابة المؤشرات الأولى على بداية العد العكسي لسقوط النظام  الملكي بفرنسا, و بوادر تأسيس النظام الجمهوري بالبلد.

ترى هل سيرضخ السيد ماكرون لمطالب المحتجين , قبل مغادرته حلبة المعترك السياسي, لمشيئة المحتجين بعد أن توسعت الرقعة ؟ أم أن كبرياءه و شمطاءه لن يسمحا له بذلك ؟ بعد أن شرب عنادا و ارتوى تعنتا من ثدي بعض النظم السياسية في مستعمراته السابقة, امتحان عسير تقول به الشوافة, لننتظر انتهاء “الويكاند” كي تنجلي الحقيقة, حقيقة مسار سياسي لمن كان ليبراليا فأصبح بقدرة قادر اشتراكيا, هذا ما نسميه في علم السياسة ب”قليب الفيستة”, و ما نظنه بباق في الرئاسة, بهذا تنبأت …., لقد وأدت أحلامه في الريادة, و لن تبقى له من ذكرى سوى فيديوهات و صور الذكرى المئوية للحرب العالمية الأولى.

هكذا قالت الشوافة و ما أظنها إلا صادقة, هي بداية انكسار “الاقتصادي” و انحصار “السياسي” و اندثار الدور “في المحيط الجغرافي” لماما فرنسا, و لكم في حالة كارلوس صقر “رئيس شركة رونو-نيسان” المتابع حاليا باليابان بتهم ثقيلة, لكم فيها خير مثال و أصدق عبرة …

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلا.. توقيف شخصين للاشتباه في تورطهما في حيازة والاتجار في المخدرات

تمكنت عناصر الشرطة القضائية بمدينة سلا بناءً على معلومات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة ...