تصفير أرزاق و تسخير أعناق

بقلم أبو أيوب

   في مقال سابق بعنوان ” حافة الهاوية ” تناول مستجدات الصراع الأمريكي الإيراني،  على خلفية مختلف المشاكل التي تزخر بها منطقة الشرق الأوسط،  من قبيل الصراع العربي الفلسطيني أو الأزمة السورية و التواجد الأمريكي بها و بالعراق، مرورا إلى مشكلة اليمن و لبنان، ارتأيت في مقال اليوم أن أتطرق إلى بعض السيناريوهات المحتملة، و الممكن حدوثها ابتداءا من مطلع الشهر المقبل، تاريخ بدء سريان حزمة أخطر عقوبات اقتصادية أمريكية على إيران يوم 3 ماي، يوم قد يشد العالم أنفاسه ترقبا و تحسبا، لما سوف قد يقع، حيث ترمي الإدارة الأمريكية الحالية إلى تسفير صادرات إيران النفطية، تجسيدا لمقولة قطع الأرزاق من قطع الأعناق، في محاولة منها للدفع بالشعب الإيراني إلى الثورة على قيادته . 
      فصادرات إيران من النفط تقارب مليوني برميل يوميا، و معبرها الوحيد هو مضيق هرمز في اتجاه الصين ” 600 الف برميل يوميا “، كوريا الجنوبية بحوالي 350 ألف برميل، الهند ب800 ألف برميل في اليوم، و ما تبقى منها لدول مختلفة كسانغفورة …..، حيث يتم الشحن عبر مرفأ بندر عباس على الخليج العربي/ الفارسي، على متن سفن عملاقة تحمل أعلام الدول المستوردة، فهل تجرؤ أمريكا مثلا على إغراقها أو مهاجمتها أو حتى مصادرتها في المياه الدولية ؟ خاصة و أن القانون الدولي للبحار و مواثيق الأمم المتحدة تعتبر هكذا إجراء بمثابة قرصنة دولية. و حسب بعض المحللين، ليس بوسع أمريكا المغامرة بعلاقاتها مع هذه الدول، لذا قد توكل المهمة لأحد فروعها الإستراتيجيين ” كإسرائيل مثلا ” ، على اعتبار أنها دولة مارقة تعودت على خرق كل العهود و المواثيق الدولية، لكن هذه المقاربة قد تكون لها تبعات خطيرة على الأمن و السلم العالميين، و من شأنها إشعال فتيل حرب لا قبل لهما بها ” أمريكا و صنوتها “. 
     ففرض حصار و طوق على الموانئ الإيرانية في غياب قرارات مجلس الأمن الدولي، أو مصادرة الشحنات النفطية يبقى إذن أمرا مستبعدا، و إن تم بالفعل، سيسمح لإيران باعتراض كل حاملات النفط الإماراتي / السعودي/ الكويتي و منعها من عبور مضيق هرمز، مما سيلهب لا محالة الأسعار في الأسواق العالمية قد يقارب ما بين 250/200 دولار للبرميل، ثمن لا قبل للدول الصناعية به ” أوروبا/ اليابان/ الصين/ الهند….. “، لكن هناك دول رفضت لحد الساعة مسايرة الإرادة الأمريكية و نعثتها بالسياسة الخرقاء و اللامسؤولة في تدبير شؤون العالم، في إشارة واضحة إلى قرب ميلاد عالم متعدد الأقطاب و نهاية القطبية الأحادية. 
     أما بعض المراقبين فيشيرون إلى احتمال لجوء دول الخليج الثلاثة إلى رفع العلم الأمريكي على مثن ناقلات النفط، تفاديا للمصادرة أو الهجومات الإيرانية، في إشارة إلى سابقة الناقلات الكويتية إبان الحرب العراقية الإيرانية، فيما يقول البعض الآخر بانتهاء ذاك الزمان، بحجة إعلان القيادة الإيرانية على لسان مرشدها الأعلى، من جهة لأن التواجد الأمريكي و قواعده العسكرية بدول الخليج هو تواجد إرهابي وجب اجتثاته و محاربته بكل الوسائل المتاحة،  من جهة أخرى أن إيران تسعينيات القرن الماضي ليست إيران الآن ” تكنولوجيا عسكرية متطورة/ إكتفاء ذاتي من السلاح بمختلف أنواعه، بر/ بحر/ جو/ صواريخ بعيدة المدى على شعاع أكثر من 2000 كلم “، من شأن هذا الكم و التنوع أن يعصف بإسرائيل نفسها، علاوة على الأذرع الإيرانية بكل من سوريا/ العراق/ لبنان”، أخطرهم التواجد الحوثي على مشارف باب المندب و مداخل البحر الأحمر ” ميناء الحديدة “، ممر استراتيجي في اتجاه قناة السويس و الأبيض المتوسط على طول سواحل أوروبا، ليصبح الطوق و المنع طوقان ” مضيق هرمز و باب المندب “. 
      تعالي أصوات كل من روسيا و الصين و بعض الدول الأوروبية و عبر العالم، أصوات صادحة بعدم المسايرة و لا الرضوخ للضغوط ” العقوبات الأمريكية في حق كل ممتنع عن المجاورة، و بضرورة وضع حد للرعونة و الإستخفاف الأمريكي بالقانون الدولي، و بوجوب الإحتكام للعهود و المواثيق الدولية و لقرارات الأمم المتحدة، من شأنه أن يفرمل الإندفاعة المتهورة الأمريكية، هذا ما شهدناه من خلال الأزمة الفنيزويلية/ الكوبية الأخيرة أو من خلال الأزمة الليبية، إذ أجمع الكل على وضع حد لجبروت و سطوة العم سام، من أجل عالم أمن و سلام، هذا بالضبط ما كان نبه إليه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر على إثر لقائه الأخير بالبيت الأبيض مع دونالد ترامب، إذ صرح عقب اللقاء حول سؤال وجهه له الرئيس الحالي عن مدى تقدم و ازدهار الصين و تعاظم نفوذها الإقتصادي، فأجاب كون أمريكا على مر تاريخها استثمرت في الحروب و صناعة السلاح و محاولة فرض الهيمنة بالقوة العسكرية ” حرب فيتنام و الكوريتين كمثال “، فيما الصين اتجهت نحو البناء و الإعمار و البنى – التحتية ” قناطر/ موانئ/ طرق مواصلات من سكك حديدية و قطارات فائقة السرعة/ طريق الحرير و….. “، ثم أضاف بأن الولايات المتحدة لا تملك لحد الساعة و لو قطار واحد فائق السرعة، و طرقها في البوادي و الأرياف لا ترقى لمثيلاتها في الصين أو التي شيدتها الأخيرة، سواء في اتجاه روسيا و الهند و باكستان، علاوة على كون الصين لم تتورط في أي حرب في تاريخها الحديث، رغم الطفرة النوعية التي حققتها في مجال التسلح و غزو الفضاء .
     بعض المراقبين يعزون كون الخرجات الترامبية الأخيرة، الموجهة للحلفاء و الأصدقاء على حد سواء، هي نتاج لتدهور شعبيته و فقدان مصداقيته أمام الرأي العام الأمريكي، كما أنه يبحث بكل الوسائل لترجيح الكفة لصالحه من أجل الظفر بولاية ثانية، متشبها ببوش الإبن و حكاية أسلحة الدمار العراقية و الحرب على صدام، لهذا هو الآن يصوب كل مدافعه على إيران بذريعة خرقها للإتفاق النووي ” إدعاء فندته الأمم المتحدة و دحضته الوكالة الدولية للطاقة الذرية و باقي الموقعين 5+1″، و على فنزويلا، بلدان مصدرة للنفط و باحتياطيات كبيرة ، لتتوضح الصورة أكثر فأكثر، صراع على النفط و محاولة الإستحواذ على منابع الطاقة من غاز و بترول، في سبيل إركاع العالم كله على رأسه الإقتصاديات الصاعدة، فلا هي بقصة إرهاب و دعمه، و لا هي بحكاية قدرة نووية مهددة للسلم العالمي و لا صواريخ عابرة للقارات، و لا هي حدوثة نشر الديموقراطية و أنظمة مارقة خارجة عن القانون، في حين يرى آخرون أن الأجدر به التوجه صوب الترسانة النووية الإسرائيلية التي تهدد بها المحيط و الجيران، تفاديا لحرب عالمية ثالثة. 
    كل السيناريوهات المطروحة فوق أو تحت الطاولة مآلها الفشل، فلا الحصار سينفع و لا الضغوط العسكرية ستقنع ” كوريا الشمالية مثال “، فقط طريق الحوار وحده سيدفع في اتجاه عالم أمن و سلام، عداه فأبواب جهنم ستفتح في وجه الجميع لن يسلم منها أحد، نشوب الحرب بالخليج و الشرق الأوسط سوف تأذن بنهاية الإمبراطورية الأمريكية و سيف داموقليس المسلط على رقاب الإنسانية جمعاء،  فهل تجرؤ أمريكا على خطوة تسفير صادرات إيران النفطية ؟ و هل بمقدورها تحمل تكاليف حرب استنزافية طويلة الأمد ؟ تعرف مسبقا تداعياتها و إرهاصاتها، و هي التي خبرت حرب فيتنام و العراق و سوريا و اليمن،  فشلت في كلها رغم الخراب و الدمار .
    الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت الغير سارة للعم سام، قد يكون أولها بداية للإنسحاب الأمريكي من الخليج و عموم الشرق الأوسط، فاتحة المجال لتوسع روسي/ صيني اقتصادي على حساب أمريكا، لقد عودنا التاريخ أن الطير كلما ارتفع وقع ” إشارة للنسر الأمريكي” ، و أن القردة مهما تسلقت الأشجار انكشفت عوراتها .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...