تغاضي أم تراضي

بقلم أبو أيوب

    الأحداث المتسارعة بمنطقة الشرق الأوسط و الخليج تعتبر نذر تصعيد و تصعيد مضاد، ترقى لعملية عض أصابع و وخز بالأبر عبر وكلاء. صفعات محرجة تلقاها الجانب الأمريكي لم يجد بدا في التعامل معها، منتهجا أسلوب العقوبات الإقتصادية بدل الرد العسكري على عمليات عسكرية، المنطق يقول هكذا و هو عين الصواب .
    تخريب أربع حاملات نفط قرب ميناء الفجيرة فاجأت الغرب عموما، قبل أن يستفيقوا من وقع الصدمة تلتها عمليات قصف العمق الإقتصادي لأول مصدر للبترول من داخل منظومة أوبيك ” السعودية ” … عمليات نوعية ساهمت في نقل الحرب إلى عمق دول التحالف ضد اليمن، بما مجموعه 22 عملية قصف بواسطة الطائرات المسيرة طالت أربع مطارات سعودية، مطار أبها و جيزان و نجران و خميس مشيط حيث تتواجد قاعدة الملك خالد الجوية، و من بينها واحدة في اتجاه مطار أبو ظبي بالإمارات، دون احتساب القصف بصواريخ باليستية مختلفة الأنواع .
    على أثر ذلك وقف اليانكي مشدوها و مربكا مشلول الإرادة، إرباك أفقده المبادرة حول نوعية ردة الفعل و على من و في أي اتجاه، في غياب الإعلان عمن يتحمل وزر المسؤولية . من جهة، فالحوثيون و بخصوص حقهم الطبيعي، الذي تكفله لهم كل المواثيق و العهود الدولية في الرد على العدوان حق غير قابل للمساومة، و بالتالي لا يمكن تحميلهم المسؤولية بحكم أنهم في وضعية دفاع شرعي و مشروع، أما من جهة ثانية، فلا يمكن تحميل الجمهورية الإسلامية أية مسؤولية أو تبعات في غياب أدلة و براهين .
    لكن ما زاد الطين بلة و خلط الأوراق، عمليتا تفجير ناقلتين بخليج عمان، على إثرهما سارعت الإدارة الأمريكية إلى اتهام إيران و تحميلها المسؤولية، لتنطلق بعدها الترتيبات لأجرأة المزيد من العقوبات و محاولة تحشيد إجماع دولي للوقوف في وجه إيران. تحركات قابلتها جرأة هذه الأخيرة في استهداف و إسقاط طائرة للتجسس و الإستطلاع و الحرب الإلكترونية الأمريكية، في عملية مزدوجة ذكية و نوعية بكل المقاييس، تنم عن دراية و حنكة عقل عسكري إستراتيجي بعيد المدى، الهدف منها بعث رسالة ذات مدلول جامع، بحيث تم استهداف هدف غير مأهول ” فخر الصناعة الحربية الأمريكية ” و استثناء آخر مرافق و مأهول أكثر أهمية” طائرة عسكرية للحرب الإلكترونية كان على مثنها أكثر من ثلاثين خبير عسكري و تقني مختص ” .
    و أمام الورطة، لم يجد الأرعن الأشقر من دريعة لتبرير العجز و الشلل اللهم بضعة تغريدات تويترية متناقضة و متباينة، تغريدات أجمع الكل على أنها، بقدر ما كشفت المستور و كشفت العورات بقدر ما أبانت عن الوهن و الضعف و الإرباك الذي تتخبط فيه أمريكا … كل حروبها الحالية فشلت انطلاقا من فينزويلا/ الصين/ روسيا/ أفغانستان/ سوريا/ العراق، و ليس لها من مخرج سوى التغاضي عن استفزازات متصاعدة لقوس النار ” إيران و أدرعها في المنطقة “، و الإيحاء لربيبتها إسرائيل بوجوب القيام برد نوعي بالنيابة في سوريا، من خلال استهداف حوالي عشرة مواقع عسكرية قيل أنها تابعة لحزب الله اللبناني و للحرس الثوري الإيراني .
    يوما بعد يوم ترتفع وتيرة الضغوط الإقتصادية و العقوبات إلى أن طالت وزير الخارجية السيد جواد ظريف و المرشد علي خامينائي دون جدوى، كون المسؤولين الإيرانيين إجماعا لا أرصدة لهم و لا عقارات خارج إيران، و بارتفاع الوتيرة تتسارع الخطوات التصعيدية الإيرانية في اتجاه خاصرة الغرب الرخوة ” أوروبا “، تصعيد بمطلب واحد يقول بأن على أوروبا تحمل المسؤولية بما اتفق بشأنه بخصوص الملف النووي، مع آمهالهم مدة ستين يوما قبل الشروع في خطوات قد تكون مؤلمة .
    أما بعض المحللين فيرون فيها فرصة للدول الأوروبية لإثبات الذات و تحقيق نوع ما من استقلالية القرار السياسي، فيما يرى آخرون على أنها فرصة أمام إيران للتنصل من التزاماتها الدولية بشأن الملف النووي، و إطلاق يدها  بالحدو نحو امتلاك أولى قنابلها النووية ” تجربة باكستان و الهند مثال رغم العقوبات و الضغوط دخلتا نادي الدول النووية “، هذا ما يخشاه الغرب و لا يستطيع التعايش معه … كما أن هناك أخبار موثوقة تروج حاليا داخل إيران، مفادها أن مطالب بعض القيادات الدينية و العسكرية و السياسية باتت تدعو لإسقاط فتوى الإمام الخميني ” الفتوى التي تحرم امتلاك أسلحة الدمار الشامل “، و تعويضها بأخرى تمكن البلاد من سلاح رادع .
    إنقلاب السحر على الساحر سمة مستجدات الأزمة الحالية، و لا مناص من إيجاد منفذ للخروج من عنق الزجاجة. لذا بادرت أوروبا، بتراض غير مصرح به مع أمريكا ، في تشكيل آلية مالية جديدة إلتفافية على العقوبات، الغرض منها تسهيل المبادلات التجارية مع إيران شبيهة بمقاربة ” النفط مقابل الغداء التي طبقت في حق العراق أيام الحصار “، حيث تتمكن إيران من تصدير جزء من حصتها نحو الأسواق الأوروبية بعيدا عن العين الأمريكية المتغاضية، مقابل استيراد بعض من احتياجاتها و استثناء أخريات، فكان الرد الإيراني أن لا مكان للمساومات أو جس النبض، إما علاقات تجارية دون شروط و لا استثنائات أو لا شيء .
    و من منطلق قوة تخطط إيران و تبرمج لمستقبل شعبها، بعدما تيقنت أن الغرب لا يبغي ملفها النووي وحده بقدر ما يبتغي نزع أنيابها من خلال محاولة حرمانها من القدرات الصاروخية بشقيها المدني و العسكري، قدرات تتجلى في :
  •  الجانب العسكري : صواريخ باليستية مختلفة الأنواع و بمديات متنوعة تطال كل منطقة الشرق الأوسط و الخليج و تشمل جغرافية أوروبا نفسها .
        امكانية تصدير التقنية و المعرفة للأدرع سواء باليمن أو بلبنان و قطاع غزة و هذا ما أصبح تحصيل حاصل، إذ بفضلها تمكن حزب الله و الحوثيين و المقاومة الفلسطينية من تغيير قواعد الإشتباك و توازن الردع مع إسرائيل أو مع التحالف السعودي الإماراتي .
  • الجانب المدني : و هذا هو بيت القصيد، الصناعة الجوفضائية مكنت إيران من غزو الفضاء بإرسال أقمار صناعية ” مراقبة التحولات المناخية/ عمليات التجسس على إسرائيل…./ القنوات الفضائية الإعلامية/ الخرائطية و تحيين المواقع العسكرية ……. “، تقدم مكنها من الإستغناء عن خدمات الغرب و تحقيق استقلال ذاتي لا سيما في مجال الإعلام السمعي البصري، بحيث لم يعد بإمكان الغرب السيطرة عبر المنع أو الحظر لبعض القنوات ” قناة المنار التابعة لحزب الله مثال ” .
    فكل ما يخشاه الغرب، التطور العلمي الملفت في مختلف المجالات للجمهورية الإسلامية، لذا يحاول بكل ما أوتي من قوة، كبح الجماح و فرملة التقدم ممنيا النفس بالهدف المنشود، تارة بإظهار الجزرة و المغريات و أخرى بالتلويح بالعصا و سلاح العقوبات، لكنه غفل عن دراية أو جهل، أن إيران رتبت أمورها ضمن نطاق منظومة حلف صاعد ” اتفاقية شنغهاي التي تشمل كلا من الصين و روسيا و …. “، فضلا عن علاقات ما فتأت تتطور يوما بعد آخر مع دول آسيا الوسطى و البلقان و أمريكا الجنوبية و اللاتينية و بعض دول القارة السمراء ” الجزائر/ جنوب إفريقيا/ نيجيريا…. ” .
    رهط من المحللين يرون في إيران أخطبوطا، كلما حاولت قص دراع لها نبتت أدرع، صبرها الإستراتيجي و عبقرية أدمغتها ” نظرية الإقتصاد المقاوم ” و حنكة عقلها العسكري و السياسي، عوامل اجتمعت لتشكل تجربة فريدة من نوعها في التاريخ الحديث، تذكرنا بالثورة الثقافية للزعيم ماوتسي تونغ، فلولاه لما استطاعت الصين الحديثة تبوأ المرتبة التي هي عليه الآن .
    ببساطة، فصراع إرادة و عزيمة سوف يفضي لنهضة جامحة واعدة في عالمنا الإسلامي، حتمية تاريخية قد تشكل نبراسا لعالم عربي سئم الوعود و مواعيد عرقوب، كما ضاقت شعوبه درعا بتسلط الغرب و هيمنته و سرقته للثروات .
    لذا وجب التساؤل عن المتضرر الأول من الأزمة ؟ أكيد أن العربان هم من في المقام الاول، لكن المؤكد أنها أوروبا المتضررة أكثر، لنفترض جدلا انطلاق مفاوضات إيرانية أمريكية في ظل ترهل و ضعف الأخيرة ” رغم أنها القوة العسكرية الأولى في العالم فهي منخورة داخليا و تكاد تكون نمر من ورق، و إلا لماذا لم تبادر إلى توجيه ضربات عسكرية كما هددت و توعدت فنزويلا/ إيران مثال “، فماذا سيكون عليه وضع أوروبا ؟ لا شيء سوى الفتات، من منطلق أن حصة الأسد من أية مفاوضات ثنائية أو اتفاقيات تجارية بين إيران و أمريكا سوف تكون من نصيب الأخيرة .
    و يبقى المطلوب اليوم من العربان و أوروبا أن يتداركوا الأمر، فالمقامر الأشقر و هذه هي حرفته، لن يذخر جهدا و لن يترك سبيلا إلا و سلكه لنيل عهدة رئاسية ثانية، مع استثناء متوقع و مرجح يؤشر على أن لا حرب محدودة أو مفتوحة في الأفق، عدا حربا كلامية استعراضية تخويفية لمماليك الخليج، تتطور أحيانا لتأخذ أشكالا إبتزازية استنزافية لمداخيل دول العهر و الفجار .
    تغاضي الأشقر الأرعن عن أحداث الخليج و تراضيه مع بعض من دول أوروبا، بعدما تأكد له استحالة الغزوة أو الكبوة و انعدام أي فرص للنصر، معادلة سوف تنتج بالضرورة فائزين اثنين لا ثالث لهما، إيران و أمريكا، أما سواهما فقد يصبح أثرا بعد عين و لو بعد حين. هكذا علمنا التاريخ و أمريكا، سرعتها في قلب الطاولة على الجميع من أجل مصالحها و خذلان الحلفاء و الأصدقاء ، من سمات راعي البقر في الغرب المتوحش .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلسلة احتفالية برشيد (الحلقة الثانية)

مدخل :     المسرح : شكل من أشكال الفنون يؤدى أمام المشاهدين، يشمل كل ...