تفكك و صفقة ففرصة تلتها صفعة

بقلم أبو أيوب

    حال العرب اليوم يتطابق تماما مع ما عنون أعلاه، تشخيصا و تجسيدا و معاشرة. و حتى لا نعود إلى الماضي البعيد و نكتفي بالأمس القريب، فيوم فوجئنا ذات صباح من سنة 2015 بميلاد تحالف عربي سوق لنا كمولود شرعي يبتغي الشرعية، تحالف ثلاثيني من أجل إعادة الأمل و البسمة لأهل اليمن، أسلوبه في هذا شن حرب بلا هوادة أتت على الأخضر و اليابس، و كأن الحرب منبع حياة و منهل ترف و حرية و طمأنينة و استقرار. ماذا كانت النتيجة ؟. 
    دون الخوض في حرب الإبادة الجماعية أو فى خسائر البنى التحتية، أو الحصار و التجويع الذي أجمع الكل أنه قد يرقى لجريمة ضد الإنسانية ” الأمم المتحدة/ المنظمات الحقوقية….. “، أريد أن أشير إلى ما مرر من صفقة في وقت تحشيد العرب الحشود، بينما هم مطلوقة أياديهم في مستنقع اليمن قتلا و تدميرا، تمت الصفقة التي أراحت الغرب من صداع النووي الإيراني، توج الإتفاق “5+1” بقرار لمجلس الأمن يعترف فيه بأحقية إيران الإستخدام السلمي للطاقة النووية و رفع العقوبات . 
    خروج إيران قوية أرعب من شلت أياديهم في اليمن، لكن لا حيلة لهم بعدما استدرجوا لحرب استنزاف و مستنقع … إنعدام الإرادة و عدم تحقيق أهداف الحرب المعلنة، ثم طول المدة التي لم تكن في الحسبان و لا خطرت على البال، و انبعاث الفينق من الرماد غزوا لأراضيهم، ملقنا الدروس في النبل و الشهامة أثناء الحرب بعدم استهداف المدنيين، فبعدما خالوه منهكا متعبا خائر القوى، إذا به يصفعهم في عمقهم الأمني و الإقتصادي من خلال توجيه ضربات استراتيجية مؤلمة، ضربات أثبتت لهم أن ما يتوعد به قابل للتحقق . 
    إنسحبت دول و تلكأت أخرى بينما أحجم ما تبقى، فبدأ العقد ينفرط حد الوصف بالتحالف السعودي الإماراتي بعدما كان عربيا ثلاثينيا، فلا غرابة أن نشهد غدا إستهداف عمق الإمارات العربية المتحدة الخاصرة الرخوة لهذا التحالف، من خلال استخدام طائرات متفجرة مسيرة بتقنية اللايزر ضمن شعاع يفوق 2000 كلم، شعاع يغطي جغرافية البلدين معا مستهدفا محطات توليد الطاقة الكهربائية و تحلية المياه و مصافي البترول دون التعرض للمدنيين، أهداف مشروعة أثناء الحرب طبقا لقرارات الشرعية الدولية و الأديان السماوية . 
    إن حدث هذا المتوقع المحتمل، فمن المؤكد و الأكيد أن تنسحب الإمارات لتدق آخر مسمار في نعش أضحوكة التحالف، شبيهة بصنوتها أضحوكة القمم الثلاث بمكة المكرمة التي لم نعد نسمع عنها شيئا، ليتأكد بالملموس ما سبق و طرحناه عبر مقال بالجديدة نيوز تحت عنوان ” قمم الخزي و العار “، حيث قلنا أنها لن تساوي حتى الحبر الذي خطت به، كونها تفتقد لرؤيا استراتيجية بعيدة المدى و للإرادة و قوة العزيمة ” فاقد الشيء لا يعطيه “.
    اليوم و في ظل هذا الواقع المأساوي و المزري، واقع التشردم و التقهقر و … ليطل علينا الأشقر بصفقة القرن مستدعيا لها من استنزفوا و أنهكوا في حروب جانبية و هم الآن ضعاف، من خططوا و وثقوا لاتفاقية سلام عربية سوقت لنا كإجماع عربي بقمة بيروت، رغم المعارضات المعتبرة ” سوريا/ الجزائر/ العراق مثال “، من تشبثوا بها رغم دعوات السحب و الإستبدال، هنا يطرح السؤال حول ماذا تغير اليوم لتكون الإنعطافة المهزلة ؟ .
    مؤتمر المنامة يؤرخ لخرفان جرت جرا صاغرة راضية خانعة لمقصلة الصفقة، غير دارية بما يخططه لها إبليس الداهية، و ما يستهويه و يبتغيه من تبديل أسامي صفقة القرن إلى وصفة القرن ” شتان ما بين الصفقة و الوصفة ” بنكهة إقتصادية، ركيزتها الأساس إسرائيل ضمن رؤية قديمة جديدة تقول بالعبقرية اليهودية و المال العربي، تعويما للقضية الفلسطينية و إقبارا لحق العودة . 
    ما يثير الغرابة و الدهشة، و ما يؤشر على فشل الصفقة أو الوصفة، حضور العدول ” دول عربية بصفات دينية، الأردن بحكم وصايته على الضفة الغربية مثال ” و حضور العريس لحفل الزواج ” إسرائيل ” و امتناع العروس و أهلها و جيرانهم ” إجماع فلسطين بمختلف تلاوينها و منظماتها “، و لسان الحضور يقول بمزيد من الضغوط لإركاع العروس و إعادتها لبيت الطاعة . 
    الحديث عن الصفقة تزامن مع الصفعة التي وخز بها الممول و العريس و المضيف و رئيس الأوركسترا ” المستجدات المتسارعة بالخليج/ اسقاط درة التاج الامريكي/ تهديد الحوثيين بقصف الامارات و السعودية / التهديد باستهداف إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان بمناسبة يوم القدس العالمي / فتح جبهة العراق في وجه أمريكا/ إمكانية حدوث انتفاضة بالضفة الغربية و فتح جبهة غزة …. ” ، صفعة أفقدتهم الوعي فاستعاضوا عنها بالوصفة تخفيفا لهول الصدمة، ثم تدرجا نحو إقبار الصفقة بعدما تيقنوا من استحالة تطبيقها على أرض الواقع، إذ يستحيل بالمطلق الإستثمار في ظل عدم الإستقرار ”  من أبجديات الإقتصاد “.
    تنبؤ في محله و قد لا يجادل فيه اثنان، بعدما تعذر الأمر على الوكيل و الأصيل، من منطلق أن قطاع غزة لا يمكن بتاتا نزع سلاحه في ظل الإحتلال المتواصل، ما يسري على القطاع يسري على جنوب لبنان و سلاح حزب الله، كما يشمل اليمن و سلاح الحوثي، وضع كهذا يستحيل معه تنزيل مقتضيات الصفقة أو الوصفة اقتصاديا، فضلا عن تنامي الرفض الشعبي لها في مختلف البلدان العربية، رفض يؤازره من أركع أمريكا و خدش كبرياءها حد الوصف بالنمر الورقي، فهل ستقوى أمريكا و من معها من حلف متشردم ضعيف على المواجهة و الإنتخابات على الأبواب ؟  أم انها ستفضل الإنسحاب و التواري تجسيدا لعقيدتها الإنعزالية الحالية ؟  تاركة الأزلام يتمرغون في وحلهم بعدما استنزفتهم استنزافا و لا زالت . 
    لعلها تكون بداية نهاية التواجد الأمريكي بالمنطقة، بعض من ملامحها بدأت تظهر من خلال دعوات الأرعن الفظ، الداعية بوجوب تحمل الصين و اليابان و كوريا الجنوبية و الهند تأمين ناقلات إمداداتهم النفطية، بدل الحماية الأمريكية و لسان حاله يقول بالتخبط و الإحراج و الإرباك، متناسيا بأن للخليج من يحميه و محاولا دق إسفين بين المصدرين و المستهلكين في أكبر عملية التفافية خادعة ” توريط الحلفاء في أزمة مع إيران” . 
    دعوات أمريكا و مطالبها للدول بضرورة حماية ناقلاتها، يمكن تفسيره من جهة، كتهديد مبطن و خشية من تعرض الناقلات لهجمات لن يعلن عن مهندسيها و منفذيها إن وقعت، خلطا للأوراق و تأليبا ثم تأجيجا للأوضاع و انتقاما غير مباشر لمن لم يرد الإنصياع، ثم تنصلا من تحمل المسؤولية و التبعاث كقوة عظمى و إبعادا للشبهات من جهة ثانية .
    المحللون يرون في تفكك ما كان تحالفا عربيا في اليمن، و ما أصبحت تعيشه دوله المشاركة لا سيما الخليجية منها، يفضي بالضرورة إلى تحلل الصفقة و تحولها إلى وصفة ليصار إلى صفعة كتحصيل حاصل، يتبعها مباشرة و بتدرج إلى الإنكفائية الإنعزالية للنسر الأمريكي و صعود عالم متعدد الأقطاب. تغيرات متسارعة ستسفر عنها الأعوام القادمة لا محل فيها للعرب الضعفاء، فالغلبة للأقوى و ما القوي إلا المتمسك بسلاحه و إرادة شعبه، المحافظ على نبله و شهامته و عزيمته و الأيام بيننا . 
        الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت إذا تعذرت عودة أمريكا لجادة الصواب. فلا الصين و لا روسيا و معهم حتى أحرار العالم يقبلون بالتسيد و الإستئساد، و لا أوروبا و لا أمريكا الجنوبية و اللاثينية سيواصلون الركوع و الخضوع … قطعا مع استخفافها بالقانون الدولي و احترام الشرعية الكونية وحدهما كفيلان باسترجاعها هيبتها و نفوذها، و غير هذا هراء و مغالطات أطفال و كلام سذج .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إهانة الموتى بمطار محمد الخامس

بقلم رشيدة باب الزين     وصلت جثامين مواطنين، مغاربة توفوا بالخارج، على متن الطائرة ...