حافة الهاوية

بقلم أبو أيوب
      التصريح الأخير لمرشد إيران علي خامنائي وضع حدا لكل التكهنات، لا تفاوض و لا حرب، من الممكن الرجوع الى الاتفاق النووي بالرجوع إلى الإتفاق النووي أو تفضلوا بالفورست سترايك، معادلة جد محرجة للإدارة الأمريكية الحالية، كما وصف مقاربتها بالسم الزعاف. خطابه خلخل التجاذبات و كشف تضارب و تباين المواقف داخل هذه الإدارة، حيث أضحت الصورة واضحة بشأن انقسامات و حالة إرباك، صقر مجلس الأمن القومي السيد بولتون يدفع في اتجاه تصعيد الموقف بإرسال حوالي 120 ألف عسكري أمريكي لمنطقة الخليج، تعزيزا لما هو متواجد أصلا، كما جاء على صدر صحيفة نيويورك تايمز الذائعة الصيت، رأي لا يتقاسمه معه الرئيس ترامب و هذا ما صرح به و نفاه، بينما صقر الخارجية  السيد بومبييو يقول بأن أمريكا لا ترغب في الحرب مع إيران، و إنما التفاوض حول سلوكيات هذه الأخيرة بالمنطقة، في إشارة واضحة للمشكل السوري/ العراقي/ اليمني/ اللبناني، و ضمن السياق فبعض المحللين يرون بأنها مسرحية فيها تقاسم للأدوار لمزيد من الضغط، في حين يرى آخرون، على أنها حالة إرباك أصابت صناع القرار على كافة المستويات، سياسية و عسكرية، بحسب التسريبات، القيادة العسكرية لا ترغب في الحرب لعلمها التام بأن موازين القوى ليست في صالحها، و لا زالت بذاكرتها حرب إفغانستان و العراق جاثمتان شاهدتان، و من جهة أخرى، الرئيس ترامب على مشارف انتهاء ولايته الأولى و يتطلع لولاية ثانية سنة 2020، و بالتالي لا يرى ضرورة في هذه الفترة لاتخاد هكذا قرار لأنه من شأنه أن يعصف بطموحاته، و من المرتقب أن يضحي بمستشاره في الأمن القومي السيد بولتون، أسوة بمسؤولين بارزين سابقين خالفوه الرأي، و لعل ما يعزز هذه الفرضية عدم رضاه عن الأسلوب الذي اتبع في معالجة الأزمة الفنزويلية و الفشل الذي آلت إليه. 
       الأحداث الأخيرة التي جرت أطوارها داخل العمق الإقتصادي و الأمني للسعودية، من خلال قصف الحوثيين لمضخات النفط التي تتوسط الأنبوب الرابط بين شرق المملكة ” منطقة القطيف أغنى منطقة تتوفر على ثروة بترولية و بكثافة سكانية شيعية على مشارف مملكة البحرين التي بها هي أيضا تواجد شيعي معتبر، كما أنها تعيش حالة لا استقرار و قلاقل اجتماعية “، قلت بين شرقها في اتجاه ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، خط أنابيبها لتصدير النفط إلى أوروبا عبر قناة السويس، و من هنا تستمد الضربة استراتيجيتها التي أربكت حسابات أمريكا و قد تدفعها للتراجع التدريجي دون فقدان ماء الوجه، ضربة معلم كالقشة التي قصمت ظهر البعير، حيث أفقدتها من جهة ثلث صادراتها النفطية و أجبرتها على إيقاف الضخ و وضعتها في موقف الضعيف العاجز عن الرد، بعد أن استنزفت قواتها طيلة خمس سنوات في أقذر حرب عرفتها الإنسانية في تاريخها الحديث، و من جهة ثانية أعجزت أمريكا كذلك عن القيام بأي تحرك عسكري حماية و دفاعا عن السعودية ، بحكم أن الضربة أتت من الجانب اليمني، ما يدخلها ضمن إطار الرد المشروع على الحرب المعلنة من جانب قوات التحالف العربي، طالما أن السعودية تغير بسلاح الطيران فمن حق اليمن الدفاع عن نفسه طبقا لما تكفله مقتضيات القانون الدولي .
 
      صحيح إن إيران ليست ببعيدة و لا بمنآى عن المجريات، و إنها لا تتدخل مباشرة في الحرب التي تدور رحاها بين التحالف و اليمنيين، لكن انخراطها في حرب بالوكالة و انتمائها لحلف مناوئ لسياسات بعض دول الخليج، و التصدي عبرهم و بهم لسياسات الشيطان الأكبر بحسب وصفها، يسمح لها بتقديم العون و الدعم و المساندة لحلفائها بالمنطقة، و هذا حقها الغير قابل للصرف، أسوة بما تقوم به كافة دول المعمور ضمن إطار القرارات السيادية، فروسيا مثلا تدعم حليفتها فنزويلا، و الصين تساند كوريا الشمالية كما تدعم أمريكا إسرائيل أو كوريا الجنوبية و اليابان و قس على هذا المنوال ….. من هذا المنظور من حق إيران كذلك القيام بالمثل، بحكم أن القانون الدولي و الأمم المتحدة لا تعتبر الجيش اليمني أو حركة أنصار الله كيانات إرهابية، و إلا لما أشرفت على إشراكهم في المفاوضات الساعية إلى إيجاد حل للمعظلة اليمنية . 
       بحسب بعض الملاحظين الدوليين، الرئيس ترامب يمر بأحلك أزمة منذ توليه السلطة،  وضع لا يحسد عليه، كل حساباته أربكت، فلا تصريحاته بكون كل الخيارات مطروحة على الطاولة بما فيها الخيار العسكري نجحت، و لا إرساله لحاملات الطائرات و …. في استعراض فرجوي للقوة أثنت إيران عن مواقفها، و لا العقوبات الإقتصادية و الضغوط التي مورست على بعض الدول ساهمت في ردع إيران، العكس هو الذي حصل، مزيد من تعنث الإيرانيين و ثباتهم و عدم تراجعهم عن المواقف المعلنة، بل ازداد تصلبهم من خلال إمهال الأوروبيين 60 يوما من أجل الإلتزام بواجباتهم طبق نص و روح الإتفاق النووي، متوعدة بالتنصل من بعض بنوده من قبيل عدم بيعها لفائض اليورانيوم و استعادة قدراتها على التخصيب بمستويات عالية ” كمثال “، خطوات بدأت تؤت  أكلها من خلال الرفض الأوروبي الإنصياع للإملاءت الأمريكية، هذا ما صرحت به ممثلة الإتحاد الأوروبي للسياسات الخارجية السيدة فريديريكا موغيريني، أثناء زيارة كاتب الدولة الأمريكي في الخارجية السيد بومبيو، و هو نفس الموقف الذي لقيه في زيارته لروسيا و من خلال قمة سوتشي الأخيرة بينه و نظيره الروسي سيرغي لافروف، حيث عبر هذا الأخير عن دعمه و مساندته لموقف إيران، كما عبر عن انزعاجه من الرعونة و الصلف التي تطبع المواقف و السياسات التي تنتهجها أمريكا في إدارة شؤون العالم، و تدخلاتها السافرة في شوون دول ذات سيادة، و محاولاتها فرض إملاءاتها على دول أخرى أو محاولات تغيير أنظمة شرعية بالقوة ” فينيزويلا مثال ” . 
     بالرجوع إلى الخطاب الأخير لمرشد الجمهورية ” لا مفاوضات مع قوى الإستكبار العالمي و لا حرب ” يتضح أن كل حسابات أمريكا أربكت حيث أصبح التخبط و الإرتجال و الإرباك سيد الموقف، إن هي بادرت إلى الضربة الأولى ” الفورست سترايك ” فتلك حافة الهاوية و عليها تحمل المسؤولية أمام الرأي العام الدولي، بحيث أنها تستطيع إعلان الحرب لكن ليس بمقدورها التنبؤ بنهايتها و لا تحمل تبعاتها و إلى أي مدى يرتقب توسعها و انتشارها، كل الإحتمالات واردة ” احتمال دخول حزب الله اللبناني / سوريا / العراق/ فصائل المقاومة الفلسطينية/ على خط المعارك مع إمكانية تسليح المعارضة البحرينية ” لتنفجر كل المنطقة كبرميل بارود ، من تداعياته الأولي توقف ضخ نفط الخليج و ارتفاع الأسعار لتبلغ مستويات قياسية لا قبل للمستهلكين بها، مع ما يتبعها من زيادات في بوليصات التأمين و ……، و إن هي أدعنت و تراجعت تكون قد خسرت شيئا من هيبتها و هذا أخف الضررين، و لا سبيل لها للخروج من عنق الزجاجة في ظل اقتراب موعد الإنتخابات الرئاسية، إلا بإعفاء أو التخلص أو أقالة مسببها، قد يكون أحد الباءات الأربع أول مرشحيها ” أشارة إلى جون بولتون مستشار مجلس الأمن القومي “، هذا بالضبط ما رمز إليه مرشد إيران مشددا على عدم قابليته طرح إشكالية الصواريخ أو التخلي عن الحلفاء للنقاش، و أن أمريكا أعجز عن المبادرة بإعلان الحرب، ليرجع بذالك الناقة إلى مربطها من خلال الرجوع و الإلتزام بالإتفاقية النووية، اتفاقية أجمع الكل على أنها أحسن ما يمكن التوصل إليه ” تصريحات الوكالة الدولية للطاقة الذرية و الأمم المتحدة التي أشارت إلى التزام إيران بالنصوص و المواثيق ذات الصلة، فعن ماذا يبحث الأرعن الوقح  الفج، السيد ترامب ؟ سؤال ستجيب عليه الأيام المقبلة، من بين فرضياته احتمال إقالة الرئيس الأمريكي نفسه من طرف الكونغريس الأمريكي، أو إجباره على تقديم استقالته على ضوء تراجع شعبيته، احتمال وارد بحسب بعض المراقبين و المحللين السياسيين الدوليين ” سابقة نيكسون كمثال ” .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...