حكاية الكعكة السمراء

بقلم أبو أيوب

هل هي قصة إعادة الإستعمار أم مبادرات استثمار، الكل يتهافت على خطب ود إفريقيا، في الآونة الأخير، تسارعت وتيرة المنتديات و الملتقيات و القمم بمختلف أنواعها و أصنافها، اقتصادية و عسكرية في معظمها، في محاولات جادة لتقوية نفوذ الفاعلين و إعادة التموقع على طول جغرافية القارة الواعدة الصاعدة، إذ تعتبر سوقا استهلاكية لقرابة المليار نسمة بمؤهلات معتبرة، أراضي خصبة شاسعة بكر غير مستغلة بطرق حديثة عصرية، مؤهلات طاقية مهيبة “غاز/ بترول/ طاقة شمسية ريحية نظيفة”، سواحل على المتوسط و الأطلسي و الهندي تختزن ثروات سمكية متنوعة معتبرة، ثروات منجمية لا حصر لها تسيل اللعاب، عوامل اجتمعت على أرضها لتجعل من القارة السمراء مستقبل الإنسانية، منها انطلق الوجود و إليها يعود بحسب بعض المؤرخين و الأركيولوجيين.

اليوم يتدافع الجميع سعيا لحجز مكان تحت شمسها، تواجد اقتصادي استثماري بملايير الدولارات بتواز مع تواجد عسكري لحماية المصالح و بسط النفوذ مقولب بقالب مكافحة الإرهاب في ظاهره، باطنه محشو بصراع حول منابع و ينابيع الطاقة، و ليس حبا في سواد بشرة ساكنتها.

في هذا المقال، سنحاول قدر الإمكان تسليط الأضواء على بعض مما يجري على جغرافيتها :

* إنتباه الغرب إلى كون السياسة التي انتهجت إبان الفترة الإستعمارية و ما تلاها، لم تعد صالحة و أثبتت فشلها، استغلاله البشع للشعوب الإفريقية و سرقة ثرواتها أنتج سخطا و تذمرا و إفقارا جلب حروبا أهلية، استفاد الغرب منها لتحريك عجلة الإقتصاد “على راسها الصناعات الحربية”، لكن في المقابل، انطلقت الهجرات الجماعية نحو الشمال “الإلدورادو الموعود” هربا من الإقتتال، هجرة أرقت و استنفرت الدول الإستعمارية، حيث دقت نواقيص الخطر منبهة من الإجتياح “قوارب الموت المنطلقة من شواطئ شمال إفريقيا / ليبيا/ تونس/ الجزائر/ المغرب”، ما استدعى تغيير السياسات و المقاربات المنتهجة، على إثرها تم التأسيس في بادئ الأمر على شراكات ثنائية “الإتحاد الأوروبي و بعض الدول منفردة منعزلة، تونس/ المغرب كمثال”، سرعان ما تبين عدم صوابية النهج،  لينتقل من بعد، مرغم أخوك لا بطل، إلى شراكة ضمن إطار جماعي بين اتحادين قاريين، ندا للند تشاركيا في إطار مقاربة رابح رابح، بعدما استشعر الخطر القادم من التنين الأصفر ضمن نفس المقاربة، بدأت نتائجه واعدة رغم مخلفات حقبة الإستعمار “قمم الإتحاد الإفريقي/ الأوروبي” ، بنظرة مستقبلية تروم استثمارات ضخمة الهدف منها الحد من الهجرة ، بخلق مناصب شغل عن طريق الإستثمار في العنصر البشري “تعليم/ تكوين / تأهيل” .

*  الغزو الصيني باستثمار ملايير الدولارات “وعود ب 500 مليار دولار” إحياءا لطريق الحرير في اتجاه العمق الإفريقي، بعدما كبل  المارد الأصفر الإقتصاد الأمريكي “عمليات شراء واسعة لسندات الخزينة الأمريكية” و غزا عموم أوروبا و أغرق أسواقها بمختلف السلع و المنتجات الصناعية “قطاع النسيج كمثال”، ما دفعها إلى سن إجراءات حمائية، ولت الصين وجهها صوب إفريقيا مستثمرة الملايير في مختلف القطاعات، الطاقية منها و المنجمية دون إغفال البني التحتية “الجزائر/ نيجيريا/ إثيوبيا/ السودان/ جنوب إفريقيا ….” مشاريع عملاقة حفزت و شجعت الأفارقة على الإرتماء في الحضن الصيني، في ظل غياب أية خلفية استعمارية، إلى أن وصلت الشراكة الإستراتيجية مراحل متقدمة أملت بوجوب مأسستها ضمن إطار عام و شمولي تحت مسمى “القمة الإقتصادية الصين/ إفريقيا” .

* على هذا المنوال حدت تركيا نفس النهج، بأن بادرت إلى عقد عدة اتفاقيات تجارية بين بعض الإقتصادات الإفريقية النامية “تونس/ المغرب/ الجزائر/ موريتانيا” لا سيما بعد فترة انطلاق الربيع العربي و بروز تيارات إسلاموية و وصولها للحكم “حركة النهضة بتونس و حزب العدالة و التنمية بالمغرب”، من نتائجه توسع النفوذ الإقتصادي التركي في شمال إفريقيا،  و ارتفاع حجم الصادرات و التبادل التجاري “قطاع الصلب/ النسيج/ المنتجات الغذائية/ الآلات المنزلية ….” بأثمان رخيصة ساهم في عجز الميزان التجاري لهذه الدول، ما أثر سلبا على اقتصادها “غلق بعض معامل النسيج و أزمة ركود في قطاع الصلب / المغرب كمثال، ما اضطر هذا الأخير إلى نهج مقاربة القارة العجوز بسن إجرائات حمائية بالزيادة في الرسوم الجمركية. تهافت كل من الصين و الإتحاد الأوروبي، شجع تركيا على التمدد داخل القارة الإفريقية انطلاقا من الجزائر و إلى حد ما تونس،  بعدما ضيق المغرب الخناق على الواردات التركية، ناشدة التموقع و التموضع في السوق الإستهلاكية الإفريقية الواعدة، بنظرة شمولية ممأسسة ضمن إطار الإتحاد القاري “قمة الاتحاد الافريقي/ تركيا”، استثمارات معتبرة مع نقل التكنولوجيا و التأطير و التكوين للأطر و الكوادر الإفريقية.   

* لم تسلم اليابان من مغناطيس و جاذبية الكعكة السمراء، إذ سارعت هي الأخرى إلى ضخ ملايير الدولارات، مستثمرة في مختلف القطاعات، في تنافس محموم مع باقي الفاعلين الإقتصاديين على الساحة، ضمن إطار و نظرة تشاركية شمولية ممأسسة على غرار النماذج السالفة الذكر، إستثمار في مراحله الأولى قدر بأكثر من ثلاثين مليار دولار، من المرتقب أن يأخذ منحى تصاعديا قد يصل عتبة السبعين مليار دولار، من رحمه بعثت للوجود قمة تيكاد “الإتحاد الإفريقي/ اليابان” .

* المقاربة الإقتصادية الأمريكية لا زالت لحد الساعة حبيسة النظرة الإستعلائية، علاقة العبد بسيده، لا تخرج عن نطاق المساعدات الخارجية للدول الصديقة مع بعض الإستثمارات في المجال الطاقوي، مع تواجد عسكري ملفت ببعض البلدان الإفريقية “السينغال/ ليبيا/ النيجر/ جيبوتي ….” تواجد، لحماية مصالحها، مغلف بيافطة مكافحة الإرهاب في دول الساحل و الصحراء،  بينما الحقيقة عكس ذلك، هي من جلبت الإرهاب لتبرير تواجدها العسكري قرب منابع النفط “نيجيريا/ بوكو حرام مثال .

*  أكبر ديموقراطية في العالم، بهارات أو الهند حاليا، هي الأخرى انخرطت بخطى سلسلة ثابتة و بدون ضجيج،  مستثمرة انطلاقا من جنوب إفريقيا نظرا لما يجمع البلدين من علاقات تعود إلى حقبة الإستعمار، بها قضى الزعيم الهندي غاندي ردحا من الزمن، قطاع التعدين و المجوهرات و الصناعات الحربية و النسيج و الدباغة هو ما يستهويها، علاوة على القطاع الفلاحي و الصناعات المرتبطة به “آلات فلاحية/ مضخات استخراج المياه الجوفية …” إيمانا منها بقدرات إفريقيا لسد الحاجيات الغذائية لأمة المليار .

* ختاما القمة المرتقبة الأولى الروسية الإفريقية، حيث من المنتظر أن تعقد خلال السنة الجارية، حيث يتم التحضير لها ضمن الحقل الطاقي/ الفلاحي/ السياحي/ الصيد البحري على وجه الخصوص، باستثمارات لا تقل عن الأربعين مليار دولار قابلة للإرتفاع. الغريب في الأمر أن كل هذا ضمن مقاربة رابح رابح، منهجية و نهج اقتصادي لم تتعود عليه إفريقيا بالمطلق، حيث أن الأسلوب الذي كان متبعا خلال الفترة الإستعمارية، جشع و تفقير و استغلال،  هذا بالضبط ما جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من خلال تصريح صحافي موجها سهامه نحو فرنسا بالإسم. نافلة القول حسب بعض المحللين، تهافت التهافت على إفريقيا و بهذه الدرجة هو ما دفع المغرب إلى الرجوع لأسرته المؤسساتية الإتحاد الإفريقي، رغم تواصل تواجد الوهم بين ظهرانيها، محاولا مزاحمة استثمارات لا قبل له بها، على أي حال، عودة و استثمار محمود. للإشارة، حتى دويلة “إسرائيل” تسارع الخطى لإيجاد موطئ قدم على جغرافية إفريقيا، و ما الزيارة الأخيرة للنثن- ياهو للتشاد أو تلك المرتقبة في القادم من الأيام للرئيس المالي لتل ابيب، إلا خير مثال، أما العرب العربان العاربة فهم كعادتهم ساهون نيام، عدا السعودية التي انفردت عن القطيع، بأن برمجت استثمارات بما يفوق 10 ملايير بجنوب إفريقيا و 2 مليار بالجزائر مع بعض الفتات في دول أخرى. بكل تاكيد، إفريقيا اليوم واعدة صاعدة على كافة الصعد،  بعدما قطعت مع ماضيها الإستعماري و انقلاباتها العسكرية و حروبها الأهلية الدموية، هي اليوم ترسم طريقها نحو الديموقراطية، تشجيعا للإستثمار في ظل الإستقرار .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ساكنة دوار السرابتة بجماعة اولاد احسين إقليم الجديدة تطالب بالربط بالماء الصالح للشرب

بقلم جواد المصطفى     بدوار السرابتة التابع لجماعة اولاد احسين لازالت الساكنة تعاني من ...