حينما يصير الشعر وعظا ” الشاعران عبد الرحيم خصار وسعيد السوقايلي نموذجا “

بقلم ذ عثمان كضوار  

24/11/2018م

لم يكن  القرآن الكريم قديما ولاحديثا عدائيا من الشعر كما يزعم البعض ، بقدر ما كان عدائيا من  الشعراء الغاوين المفسدين للطبيعة البشرية المجبولة على فعل الخير ، وما دون ذلك فقد استثنى سبحانه كل من اتخذ  من الشعر رسالة نبيلة ، أو وسيلة حجاجية للدفاع عن القضايا التي تقتضي إحياءها والنهوض بها .

لقد دعا الإسلام إلى هذا اللون من الشعر بل ودافع عنه ، وإلا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعجب بشعر كعب بن زهير ، بل وكافأه بأن خلع بردته الشريفة ومنحها إياه ، إشعارا منه عليه الصلاة والسلام بجمالية شعره عندما أنصت إليه وهو يقول في مطلع قصيدة البردة :

بانَتْ سُعادُ فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ مُتَيَّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبولُ

وَمَا سُعَادُ غَداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا ِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَيْفاءُ مُقْبِلَةً عَجْزاءُ مُدْبِرَةً لا يُشْتَكى قِصَرٌ مِنها ولا طُولُ

كما دعا صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت ليدافع من خلال شعره عن العقيدة الإسلامية بهجاء المشركين ، حتى لقب بن ثابت  بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحسبنا في الشعر المحتوي للكلمة الهادفة والنبيلة ، مع الحضور القوي للصور الفنية المؤثرة قوله عليه الصلاة والسلام : ” إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة ” أخرجه البخاري رقم الحديث 5146 ، كما أخرجه أحمد رقم الحديث 4651.

فالشعر المتصل بالقيم والمثل الإسلامية يلعب دورا كبيرا في التأثير الإيجابي على مستمعيه وقارئيه ، وبهذا قد يمثل الشاعر – كما كان قديما – دور الواعظ في توجيه الناس وترشيدهم .

من خلال هذه المقالة أود أن أسلط الضوء على نموذجين من نماذج الشعر ذي النبرة الروحانية ، يتعلق الأمر بالشاعرين الشابين المغربيين ” عبد الرحيم الخصار” و ” سعيد السوقايلي “ حيث استقامتهما

و حسن أخلاقهما سبقتا شعرهما ، والشاعران الكبيران قد عايشتهما عن قرب لأجدني مولعا بشعرهما من الزاوية الدينية على وجه الخصوص ، فكان لزاما أن أقدم هذه الشهادة اعتبارا لما أسهما فيه بإعادة الاعتبار للشعر الحديث من منطلق قصيدة النثر ،  هذه الأخيرة وإن كانت جذورها تمتد إلى أصول غربية ، إلا أن الشاعرين بحكم تكوينهما الديني استطاعا وبأسلوب يمزج بين جمالية الكلمة من حيث الصور الفنية و رمزيتها في مناجاة الله والتضرع له ، استغلال هذا اللون الشعري لربطه برسالة الأنبياء من خلال استحضار أسلوب الترغيب تارة والترهيب تارة اخرى ،  وفي ذلك إشارة إلى أن الشعر يرتبط بالخطاب الديني ارتباطا وطيدا ، وما الشعر إلا إحدى ألوان اللغة العربية حيث تفرض وجودها بقوة داخل الخطاب الديني .

و من الأمانة العلمية أن أنقل بعضا من شعرهم ، لنسبح في معين كلام يبعث على الشعور بالإحساس الذي ينتاب الشاعرين  كإنسانين يحملان رسالة في هذا الوجود ، وهو إحساس يسعى كل منهما نقله بصورة إبداعية إلى الطرف الآخر ، ليستشعر بالمسؤولية الملقاة على كل واحد .

فدعوني أسيح في بستانهما ، لأقطف بعضا من ورود ما يزخر به هذا البستان الشعري ، حيث الكلمات الرنانة تتقافز فرحة بمن يستوعبها إبداعيا .

  • عبد الرحيم الخصار :

يذكر في القصيدة  ” دع عصافيرك تغرد على أغصاني  ” من ديوانه ” أنظر وأكتفي بالنظر ” :

ليس من عادتي الصيد

في المياه العكرة

ليس من عادتي أضع أقدامي في الوحل

أو أمد يدي إلى شجرة خارج ضيعتي

أعرف أن ملاكين يسيران معي

ويسهران حين أنام

لذلك أخجل كلما أخطأت

وتتنمل أطرافي

حين تترب فكرة الموت إلى حجرتي

وأرني بمفردي وسط الظلام

لقد استعصت علي الفكرة

كيف سأبقى وحيدا في ذلك الأخدود الضيق ؟

لن يكون معي الأصدقاء الذين ألفتهم

لن أغير ملابسي أو أصفف شعري أمام المرآة

لن أشرب أقداح الشاي

وأنا أرنو إلى السماء من نافذتي

لن تكون أمامي طاولة وحزمة أوراق

أوه لن أكتب أشعارا كالعادة

سأنام على يميني وعلى يساري سأستلقي على الظهر وربما أجلس القرفصاء

سأواري عيني تحت الساعدين

وأجهش بالندم

غير أن صوتي لن يصل مسامع الرفاق القدامى

والخطايا التي لطخت ملابسي لن يغسلها البكاء

أنا لم أجلس يوما في حانة لم أكتب قصائد عارية

ولم أكن وقحا

في حضرة من أسدى إلي هاته الكلمات

من عادتي أن أسهر مع الشعراء الميتين

لذلك لا أستيقظ لصلاة الفجر

لكن أدبر أمري مع ما تبقى من صلاة

أحببت الفقراء و تصدقت بأحاسيسي الطيبة

كنت أوقف شرائط الموسيقى حين أسمع الآذان

وألهج باسمك في السفر والنوم والخلاء

غير أني تدحرجت على ربى النهارات و الليالي

بقلب خفت فيه موازين الإيمان

ورعي أهش من جناح فراشة

ونظري إلى كتابك أقصر من نظري إلى الروايات

كانت صلاتي خاملة

وخطواتي إلى بيوتك تتعثر بأقدام الشيطان لكني كنت أدرك أنك إلهي

وأني مجرد حصوة

تغرق في الأنهار التي تسيل من يديك

ماذا يفعل طفل وجد نفسه وحيدا

بين العرائس والدمى في ملهى الحياة ؟

ماذا يفعل طفل أطفأت الألوان ضوء عينيه

فلم يتبين ظلك العالي

جوقة الغافلين صمت مسامعي

والأصابع التي من حولي

تدلني دائما على طرق لا تفضي إليك

أعرف أن جنتك قد يدخلها أبسط الخلق

وأن نارك قد تجمع كبار الشعراء

لذلك أعيد النظر في كلماتي

أضع أيامي على الطاولة

أشذب أطرافها التي جفت

وأرعاها بما في جوارحي من حنان

إلهي

لقد غرد الفقر طويلا في بيتي

تعفن الفرح تحت السرير

وترعرع البؤس بجانبي كفرد من العائلة

لكني لم أقايض بكلماتي

لم أمد يدي إلى عطف يد أخرى

نبتت أخطائي على الجدران

شب القلق في حزانة الملابس

ودب اليأس على زجاج النوافذ والمرايا

لكن الأفكار التي أشرقت في رأسي لم تغرب

ولم يغرب اليقين الضحل

الذي يبيد شعاعه ظلام جسدي

أعرف أن رحمتك ستأتي بعد لأي

لتسري كعطر الليلك في زوايا الحجرة

إلهي

ها أنذا أسجد في جنائك واضعا جبهتي في التراب

أنزل المطر…أنزل المطر

لقد يبست أشجاري

فدع عصافيرك تغرد على أغصانها الميتة

ربما تعود إليها الحياة.

وبنبرة أشد علوا ورمزية يقول الشاعر عبد الرحيم الخصار  في ديوانه ” عودة آدم ” ، وهو آخر ماصدر عن الشاعر ، حيث حضي الديوان  باهتمام كبير من لدن المختصين ، وقد حضرت حفل توزيع الكتاب  ، حيث نال الشاعر من المدح ما هو أهل له من طرف زمرة من الشعراء الكبار ، وحسبي في أن ترجم الديوان كسابقيه إلى لغات عدة ، ناهيك عن الدراسات الأكاديمية  النقدية التي حضي بها الكتاب.

سننتهي سننتهي

كما لو أننا لم نكن

كما لو أن القرونَ سُعال

كما لو أن هذا الكوكبَ

ضربةُ فرشاةٍ

سيمحوها المطر.

حين تتسع الثقوب

في هذا المركب الذي يقلّنا

لن ينفع مجداف ولا صارٍ ولا شراع

ولا يدٌ تمتد ليد.

سنحدّق في الموج قليلا

وننادي الشمس فلا تسمعنا

حينها سنغمض عيوننا

في الهدأة الأخيرة

ثم نختفي.

لا شك وأن  القارئ وهو يتابع القصيدتين سيرصد بكل إمعان الخطاب الوعظي بأسلوب غاية في الإبداع للشاعر عبد الرحيم الخصار ، من خلال توظيفه عبارات تبعث على الشعور بالتقصير في حقه سبحانه ، وفي الوقت ذاته رغبته الأكيدة في تحسين حاله ، من خلال مواقف سبق و أن أشار إليها سلفا ، وهي التفاتة رائعة تبعث على الدعوة إلى المساءلة في علاقتنا بخالقنا.

  • سعيد السوقايلي :

أما الشاعر سعيد السوقايلي فلا يقل شعره من حيث الرمزية وعمق الدلالة وجمالية الصور الفنية والإبداعية عن صديقه ، ورفيق دربه  عبد الرحيم الخصار ، فكلما أمعنت القراءة في شعره أكتشف شيئا غير الذي أحسسته من قبل ، خاصة في ما يتطلعق بالجانب الروحاني ، وهذا يضفي على شعره طابع الخصوصية ، يقول  ” سعيد السوقايلي” في ديوانه “مثل وقع قدميك” من خلال قصيدته ” أطرق أبوابكَ العالية ” :

إلهي

أعرف أن سماواتك أعلى

بيد أن سمائي أصغر

من أطويها في كتيب أشعار

أقلب نواظري في ملكوتك

ذرة ذرة

وأقدس لك براعم لا تخطئ تويجاتها

وأشجارا تسمق بثنائك

وجبالا تعظم بجلالك.

إلهي

أعرف أني لا أسبح بحمدك كثيرا

لكني ما ادعيت رجما بغيبك

غيبك العجيب الأطمع فيه

فأنا مجرد شاعر

أتعبه التيه في دروب كونك البديع

ها كتاب أشعاري بيميني

أكتب ما أتهجاه في ملكوتك البليغ

أتهجد فيه بجمال خلقك

باهرة أبجدياتك أيها المصور الباري

تنفد عدستي ولا تنفد صورك

وتجفل كلماتي

أمام كتابك المفتوح على مصراعيه

أجدفتُ

إن آنست قمرا

أو داعبت وردة

أو غبطت شجرة

أو همت بوداعة عصفورة

أو استعظمت بقوة بحر من بحارك؟

فأنى يممت عيني

ثمة محرابي

أبتهل فيه دهشة وابتهاجا

حاملا  قلمي سبحة

وورقتي سجادة

أسطر عن كثب ما يرضيني بك إلها

متمرغا في حكمتك

مستضيئا بسُبُحات وجهك العظيم،

تلك هي قصيدتي

وهذا الملكوت يهجع في عينيها جمالا.

إلهي

ما طمعت في شيء

أكثر من أن أظل

أطرق أبوابك العالية دون كلل.

ويذكر في مقام آخر بلون شعري  يمزج فيه بين جمالية الكلمة وتأثيرها الروحي على القارئ ، بحلة تعكس موقف الشاعر من  استصغاره الكون ، طالما أنه بيد الله يقلبه كيف يشاء ، ومتمسكا بحبل الله تحت شعار التفاؤل وهي إحدى صفات المؤمنين حقا ،  يقول الشاعر سعيد السوقايلي ، من خلال ديوانه ” ” لم تلدني أمي بجناحين”

مثل وقع قدميك

دقات على الباب

الباب على منزل مهجور

المنزل في غابة بعيدة

الغابة في كوكب ناء

الكوكب في مجرة بعيدة

المجرة في ركن سحيق من الكون

الكون في يد الله.

لقد مثل الشاعران الكبيران من خلال إبداعهما وكفاءتهما  الأدبية الشعر العفيف أحسن تمثيل ، بحيث استطاعا نقل الكلام من صورة اعتاد القراء اختزالها في وصف محاسن المرأة بلغة مبتدلة ، إلى كلام يحدث في النفس وقعا ، لتوضع في موقف المساءلة الذاتية ، وإن شئنا قلنا محاسبة النفس الأمارة بالسوء بلغة أدبية راقية، وهي اللغة نفسها التي وظفت في النصوص الشرعية ، حيث تدعو الإنسان إلى ضرورة التنبه والعودة إلى الذات  من منطلق التوبة ، وهذا ما لمسته في شعر الرجلين حيث الندم والحسرة كانتا عنوانا بارزا في أكثر من قصيدة .

عن eljadidanews

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قاضي التحقيق بفاس يتابع حامي الدين “جنائيا” وقيادة حزب “المصباح” تناقش الأمر في اجتماع استثنائي

من المنتظر أن تعقد الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، اليوم الإثنين، اجتماعا استثنائيا للنظر في ...