خاف من الحفرة طاح فبير

 بقلم أبو أيوب

أخطر الحروب على الإطلاق، الإعلامية و النفسية، فإذا استغلت بكفاءة حققت الإنتصار على الخصم دون إطلاق رصاصة واحدة، إذ تعتبر ردعية و أسهل طريق لنيل المراد، هذا ما تفطنت له بعض دول الخليج بعد الطفرة البترولية، و على رأسها المملكة العربية السعودية و إمارة قطر أقلهما الإمارات العربية المتحدة، فكأن بداية رأس الرمح قناة إم بي سي و العربية، تربعتا على عرش قنوات الإعلام الغير حكومي ظاهريا، تأتمر بأوامر الأجهزة الرسمية و تحت وصايتها و مراقبتها باطنيا، خطها التحريري ما تمليه الزعامة الساسية للبلد خدمة لمصالحها و ليس خدمة لقطاع الصحافة و الإعلام، تقاريرها و تحليلات ضيوفها غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن الموضوعية و الحياد، أهم دعامتين أساسيتين لبناء إعلام حر و نزيه.

فبعد نجاح التجربة الإعلامية السعودية، انتبه الإخوة القطريون لما له مفعول السحر و التلاعب بالعقول، فدشنوا قناة الجزيرة بعد مفاوضات عسيرة مع  بعض الأقلام المرموقة و الإعلاميين خاصة بدول المهجر، من بين العاملين أساسا في القسم العربي لهيأة الإذاعة البريطانية، كما أغدقوا بسخاء على كتاب الرأي و بعض الأساتذة الجامعيين و المحللين السياسيين و الخبراء الإقتصاديين، سرعان ما ولجت الجزيرة بيوت العالم كما تنتشر النار في الهشيم، لا يخلو منها أي بيت على طول خريطة الوطن العربي، تتبعها بلغ حد الإدمان، نجاحها على نطاق واسع حد من صيت صنوتيها إم بي سي و العربية، لا سيما أثناء تغطية حرب افغانستان و حوارات بن لادن و الظواهري و الحرب العراقية و حصار البلد ما بعد غزوة الكويت. إنتباه الأشقاء الخليجيين لما بات يشكله الإعلام المرئي من تأثير على  المشاهدين و المتتبعين و صناع الرأي، شجعهم على استخدامه ضد كل المناوئين لأطروحاتهم، أو المناوشين لمصالحهم، لم يسلم منها حتى الأصدقاء و الحلفاء، متى استدعت الضرورة  و كان لزاما استعمال هذا السلاح للحد من الأضرار، و إن اقتضى الحال، بعث رسائل مبطنة من تحت الحزام، فأصبح الإعلام بحق و حقيقي من أسلحة الدمار الشامل، و بهذا السلاح دمرت العراق و أبيدت اليمن و دكت سوريا و تلاشت ليبيا، بهذا السلاح زحف الخريف العربي ناشرا القلاقل و عدم الإستقرار، به  أبيدت أمم و شعوب و عبره فككت دول .

علاقة المقال بالموضوع ما جرى بالأمس القريب، من تبادل لرسائل سياسية مبطنة تهم المغرب و علاقاته الخليجية، استفردت بها كل من قناة الجزيرة القطرية و قناة العربية، رسائل تلقفتها باقي المحافل الإعلامية الدولية “بي بي سي/ فرانس 24 ….. كمثال” :

* في حوار خاص للسيد بوريطة الوزير المغربي في الشؤون الخارجية و التعاون الدولي، خص به قناة الجزيرة، بالمناسبة هذا البرنامج كان يقدمه الصحفي المصري أحمد منصور، المتابع حاليا من طرف القضاء المغربي في قضية الزواج العرفي الذي توسط فيه أعضاء من حزب العدالة و التنمية المغربي، تفاديا للإحراج تم تعويض المقدم، برنامج حواري تطرق من خلاله وزيرنا في الخارجية لمختلف جوانب السياسة الخارجية للمملكة، إلى علاقاته المتميزة مع أشقائه العرب و ما يتعرض له المغرب من مناوشات و استفزازات، مسترسلا في الإشادة بنوعية العلاقة التي تجمع بين قطر و المغرب، مشيرا في الوقت ذاته، إلى أسباب وضع حد لمشاركة المغرب في حرب اليمن و خروجه من التحالف العربي الذي تقوده السعودية و الإمارات، مثمنا في نفس الوقت جودة العلاقات الإقتصادية و الروابط الأخوية التي تجمع العاهل المغربي و أمير قطر، مذكرا بالزيارة الملكية الأخيرة و وقوفه بجانب قطر إبان أزمتها مع محيطها الخليجي، متطرقا إلى الإمدادات الغذائية المغربية و عدم مجاراته أو محاباته للمقاربة السعودية الداعية لحصار قطر و تجويعها من أجل تطويعها و احتوائها. في المقابل تناسى السيد الوزير أن، لكل فعل ردة فعل، و أن السعودية لن تهضم و لن تتساهل مع هذه الخرجة الإعلامية، إذ سرعان ما حركت ذراعها الإعلامي “العربية” للرد و بالثقيل هذه المرة، حيث تناولت ما يدمي الجراح .

* سمحت قناة العربية أول أمس، بتمرير برنامج تحليلي وثائقي تاريخي يتناول مشكلة الصحراء، و كانت هذه المرة الثانية من نوعها، ضمنته خريطة المغرب مبثورة، مع الإشارة إلى المناطق الصحراوية بتسمية الصحراء الغربية، سواحل على الأطلسي بطول زهاء ألف كيلومتر و مساحة 266 الف كلم مربع و نيف، أي ما يعادل مساحة فرنسا ثم استفاضت، بإعطاء لمحة عن حدودها الشمالية مع المغرب و الجنوبية مع موريتانيا ثم الجزائر شرقا، و كأنها دولة معترف بها من طرف الأمم المتحدة، و لمزيد من تقطير الشمع و وخز الجرح، تضمن الوثائقي كون الصحراء بعاصمتها العيون آخر مستعمرة في إفريقيا، يسكنها عرب و أمازيغ احتلت أرضهم و دفع بهم إلى اللجوء إلى دول الجوار “الجزائر- موريتانيا”، كما أن أرضهم تزخر بثروات بترولية معتبرة و أخرى من “فوسفاط و ذهب و ثروات سمكية و ….”، وثائقي برسالة واضحة صريحة مبطنة، من بين ما تشي به و تبرمجه من فرضية و احتمال اعتراف المملكة السعودية بجمهورية الوهم و إن كان هذا مثبتا ضمنيا، فهي التي دأبت على إرسال المساعدات الإنسانية الغذائية لساكنة المخيمات، أو ليس سفيرها في الجارة الشرقية هو من أسس لأول عملية اختراق للديبلوماسية السعودية من طرف البوليزاريو ؟ لنتسائل أهي عملية عض الأصابع بين المملكتين؟ و من يكون الفائز فيها يا ترى و من الخاسر؟ لكن الأكيد المؤكد، الجزائر تفرك أصابعها نشوة و فرحا و ارتياحا، رغم نسبية مضمونه فله ما يتبعه، سباق الألف ميل يبتدئ من الخطوة الأولئ. بث برنامج مناوئ يثبت بما لا يدع مجالا للشك، عمق الخلافات بين البلدين رغم التصريحات الرسمية النافية المفنذة.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرينبلات و”صفقة القرن” للكاتب الفلسطيني “منير شفيق”

    المقابلة التي جرت بين جودي وودورف وجيسون غرينبلات، ونشرت على المواقع في 17 ...