دراسة : مظاهر تدين المغاربة وتجلياته من خلال العادات والتقاليد، ومنظومة القيم

دراسة عبد الرحيم مفكير

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تقديم:

لقد كان للمغرب وما زال اختيارات في التدين والتمذهب ، ارتكزت على : قراءة نافع للقرآن الكريم، ومذهب الإمام مالك في الفقه، ومذهب الإمام الأشعري في العقيدة، وطريقة الجنيد في التصوف. وعانى فقهاء المذهب المالكي من التضييق والاضطهاد السلطاني بمختلف المناطق المغربية، لاسيما على أيدي العبيدين، في كل شمال إفريقيا، وعلى يد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، وتم تمزيق كتب المالكية، وسموها كتب الرأي، ونكلوا بجملة من الفضلاء بسبب أخذهم في الشريعة بمذهب مالك، وصمد المذهب أمام كل الضربات..

وتؤكد أهم الدراسات أن التدين المغربي يتسم بالاعتدال والوسيطة ، ويرفض الغلو والتطرف، ويسمح بالتعايش والتسامح بين الديانات، وهذا يتضح جليا من خلال تواجد مغاربة مسلمين يشكلون فسيفساء وتنوعا ثقافيا ولغويا، إلى جانب يهود مغاربة ومسيحيين، في مغرب متعدد الثقافات، ومنفتح على الحضارات الإنسانية.

واستمر إلى اليوم موحدا للمغرب والمغاربة، بالرغم من الانفتاح وتداعياته، في ومن الرقمنة، والتحولات التي عرفتها المجتمعات الحديثة. لقد عرف المغاربة الحرث الجماعي وهو ما يسمى عندهم ب”التويزة” والحصاد الجماعي، والعرس، والختان الجماعي، وعملوا على جمع المال لأضحية من لا أضحية له، والذهاب للطبيب بمن لا يملك أجرته، ويقيمون حفل العزاء بإعداد الطعام ” الكسكس” للمعزين، والتضامن من أجل مواساة أهل الميت، وإعداد القصعة “قصاري الكسكس” يوم الجمعة وإرسالها لفقراء المساجد، وحرصوا على ” الشرط” وهو مبلغ من المال لفائدة محفظ أبنائهم كتاب الله، و” لاربعية” مبلغ من المال يسلم للفقيه كل أربعاء، وغيرها من الأشكال التضامنية التي تجد لها سندا في النص الشرعي. كما عرف المغاربة “الحيك” لباسا للمرأة يستر جسدها تلتحف به، و”النجاب” تضعه على وجهها بعد ارتداء جلابية مغربية لها ” قب” ، إلى أن حدثت تحولات بفعل الاستعمار والعصرنة والحداثة، فبدأ بعض مظاهر السفور والعري بالشواطئ منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وفشى في الناس شرب التدخين والخمر الذي كان عارا بالنسبة للمجتمع يستنكر فاعله، وطفى على السطح العلاقات غير الشرعية، وتواعد الشباب والشابات بأرصفة الشواطئ وشوارع المدن، وبرز مظهر العناق والعلاقات الحميمية جهارا، وأمام الملأ، وعرف المغرب تناول المخدرات بشكل مخيف بعد أن روجت  لوبيات الفساد وفعلت المسلسلات المدبلجة وقبلها المصرية فعلها في الأمة المغربية، وظهر العنف اللفظي والجسدي، وهو ما عرف ب” التشرميل” وبرز مظهر التهديد بالسلاح الأبيض والسيوف، واستغلال التلاميذ بمحيط المؤسسات، ونتج عنه الأمهات العازبات، وتشكلت جمعيات للمطالبة بعدم اعتماد النصوص الشرعية والدين الإسلامي باسم الحرية والحداثة، وكانت بدايات مسار من التدافع بين مكونات المجتمع حول القيم.

هذا وغيره يطرح السؤال عن طبيعة تدين المغاربة ومدى تمسكهم بدينهم؟ لقد أنجزت العديد من الدراسات في بحث عن تجليات التدين بالمغرب ومستوياته، وطبيعته، وخصوصيته، في عالم يعج بالمتناقضات وهجمة الماديات، وظهور الفكر الإلحادي، والإباحي، واللائكية، والتكفير، وسطوة إرهاب الدول والجماعات. وأغلب هذه الدراسات سواء التي قام بها باحثون أو مراكز غفلت جانب التراث الشعبي الشفاهي منه والمكتوب وعلاقته بتدين المغاربة، وهو ما تتوخى هذه الورقة مقاربته باستقراء لهذا التراث في بعض جوانبه، وكشف علاقته بالمتخيل والمقدس والمدنس، وقربه أو بعده من النص الشرعي واجتهادات العلماء، والوقوف على تمثلات المجتمع للدين وأركانه ومرتكزاته، ومدى تعلقهم بثوابته ومقدساته، وأشكال التلقي، وقد فرضت علي هذه الدواعي الانطلاق من طرح الأسئلة التالية : ما مدى تأثير التراث الشعبي في تدين المغاربة ؟ وأين يتداخل فيه الأسطوري بالحقيقي ، والواقعي بالمتخيل ؟ وهل حمولة هذا التراث الفكرية والثقافية دينية أم لا دينية ؟ وما جدوى المحافظة على العادات والتقاليد ؟ وهل استطاع التراث الشعبي أن يصمد أمام الثورة التكنولوجية ويتخلص من مقدسه ؟ وهل يستطيع هذا الجيل حفظ متونه وفهم معانيه وتفكيكه والتعرف على دلالاته ورموزه؟ وطبيعة تدين المغاربة المتمسكين بالعادات والتقاليد وتمجيدها لها أو تبخيسها واعتبارها من الخرافات والشعوذة؟ وما علاقة التراث بمنظومة القيم ؟ وما دور العلماء والزوايا في الحفاظ على التراث وتثبيت الهوية الحضارية للأمة ؟

   كلها أسئلة تحيل إلى سؤال مركزي  عن طبيعة تدين المغاربة من خلال قراءة في التراث الشعبي وعلاقته  بمنظومة القيم ومظاهر التدين وتجلياته ؟

 

التراث الشعبي بين المتخيل والمقدس :

من المؤكد أن حاضرة المغرب بباديته ومدنه وعلى اختلاف أحجامه وأصنافه حرص على الدفاع عن مقدساته وأضرحته وولاته وزواياه ومزاراته ،وعرف معركة بين الدين الإسلامي المستمد من الشرع المستند على النص القرآني والحديثي، واجتهاد العلماء، بين “المقدس ” و”المدنس “، بين الواقعي والمتخيل ، والشاهد الحاضر والغائب المنتظر.

نظرة للمقدس بالرغم من تحوله إلى مدنس ، لحظات فرجوية جماعية عاشتها البادية ونافحت عنها اتخذت أشكالا ونحتت لتنوع ثقافي وتعبيري ، مرة يركب صهوة “الزجل” ، ومرة “الحكي ” ، و “الأسطورة ” ، والأغنية ، والفلكلور ، وتاغنجا ، أو احتفالات بليلة القدر وانتظار ” سيدنا قدر” وترحيبا ” بشعبانة” وبركة الملوك السبعة ، واحتفال ب “بولبطاين” و ” بوجلود ”  و تنظيم طقوس ” بوهروس” واستدعاء ترانيم وإيقاعات ” كناوة ” وتقديم ذبائح لولي ، واستحضار للجن وغيرها.

إنه المتخيل الشعبي يحاول أن يجيب عن سؤال من نحن ؟ وفي أي مجال نحن ؟ وماذا نريد ونرغب فيه ؟ وما الذي نطمح إنجازه ؟ المتخيل يملأ المكان ويصاحب الزمان بمعان ودلالات قدسية أو عجائبية ، وهكذا تنتج الصور والرموز والحكايات والأساطير بكل مستلزماتها الشعائرية والطقوسية عادات تفوق العقل وتنبئ عن سعة في التمثل.

المتخيل دينامية خلاقة قد يتجاوز إدراكات العقل فيستدعي الوجدان ويرسم معالمه ويثبت خصائصه ويصبح ملكا جماعيا مقدسا . إنه التراث الشعبي بكل تجلياته وتمظهراته وتميزه وعنفوانه .

   ينتقل التراث الشعبي  من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون ونحوها من جيل إلى جيل، ونسمه ب ” التراث الإنساني ” التراث الأدبي ، التراث الشعبي ” ، وهو يشمل كل الفنون والمأثورات الشعبية من شعر وغناء وموسيقى ومعتقدات شّعبية وقصص وحكايات وأمثال تجري على ألسنة العامة من الناس ، وعادات الزواج والمناسبات المختلفة وما تتضمنه من طرق موروثة في الأداء والأشكال ومن ألوان الرقص والألعاب والمهارات.

الزوايا حراسة التراث الديني وتنميطه:

تفرض فضاءات الزوايا أنماطا من الحضرة الطقوسية جلبة وإيقاعات وتحايلا ، وادعاء بالنسب الشريف ووراثة البركة ، والقدرة على الشفاء ، وعلم ما فات والتحذير من الآت ، والتنبيه إلى الحاسدين والحاسدات ، وإزالة السحر وطمسه بعد اكتشافه ، وإخراج الجن من الذات ، وعند ” الجذبة ” يحق أكل اللحم الطري والتهام قطع الزجاج ، واللعب بالنار ووضعه على الرأس وباقي أعضاء الجسد.

       وفي المقابل يتم حراسة التراث الديني والدفاع عنه بالورع والتقوى وتعليم المتون ، وتحفيظ القرآن ، والاحتفال بمتعلميه بعد التمكن من استظهاره المتون والقدرة على إتمام ” السلكة ” أي حفظ القرآن كاملا ، وغرس قيم الصبر والتعاون والمحبة والتكافل والقدوة ، والإخلاص ، والتفاني في العمل ، والطاعة ، والالتزام ، وحب المعرفة.

بين الراغبين في إعادة الاعتبار للزوايا ووظائفها ومستغلي مجال ” الأولياء ” ومحيطهم ممن يستفيدون من جهل الناس ويقصدون الأضرحة قصد الاستشفاء يرسم التراث الشعبي لوحة تشكيلية مختلفة المنطلقات والنتائج ، تستعمل فيها ألوان داكنة وأخرى مضيئة .

وما على الباحث في التراث إلا أن يستوعب هذه الطقوس ويقف على مقاصدها ويتأكد من منطلقاتها ليميز فيها بين السليم والسقيم ، والمقدس والمدنس ، والواقعي والمتخيل ، والحقيقي والزائف.

سلطان الطلبة عرس التفوق وتاج للوالدين:

يتوج مشوار الطالب المجد بعرس الطلبة ، وفي جو بهيج يزف حافظ القرآن ، وينظم الحفل ، إنه “عرس الطلبة ” “بيضة بيضة لله..”، مطلع ابتهال محلّي لطالما صدحت به حناجر رُواد المساجد والكتاتيب القرآنية التي يسهر أئمتها وشيوخها على تحفيظ ما تيسّرَ من سُور القرآن الكريم لأبناء المنطقة، وهو بالمناسبة فُرصة سانحة لجمْع الهبات والتبرعات العينية والنقدية من طرف الساكنة التي تعتز أيَّمَا اعتزاز بالتعليم العتيق، والسهر على تعظيم الفقهاء ومشايخ العلم.

صفوة من تلاميذ المَسِيد (إمْحضارن)، يتقدمهم الطالب النجيب الذي يحمل معه لوحاً كبير مزخرفاً بآيات قرآنية كريمة، ونصوص من الحديث الشريف، تفنّن الفقيه/ الإمام في زخرفتها وحبْك كلماتها بعناية وإتقان.

إرسالهم من طرف “الفقيه” قصد جمع التبرعات، غالبا ما يتم زمانيا مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، أو كلما تخرّج على يديه طالب جديد؛ فمن كان وراء ذلك الطقس الاحتفالي الذي يختلف من منطقة جغرافية نحو أخرى؟ ومن أوحى إلى طلبة العلم بتلك الأشعار لترديدها وسط مجتمع يستوعب جيدا الحمولة الروحية لتلك الكلمات؟

لا أحد يستطيع أن يتحدّثَ عن البدايات الأولى لتلك العادة التي لم يُكتب لها الاختفاء إلا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، كما لا نعرف مُنشدَ تلك الأشعار التي تُوظَّف لاستمالة القلوب ، ودعوتهم لإكرام طلبة العلم ورموزه؛ بيد أننا نستطيع أن نضع رهن إشارة المطلع على هذه الأسطر المتواضعة النص الكامل “لمقامات توسلية” حفظها الأهالي عن ظهر قلب لكثرة ترديدها بصوت مسموع، ونغم خاص بين الأحياء والمداشر.

وتقول الكلمات: بيضة بيضة لله، باش نصلص لوحتي، لوحتي عند الطالب، والطالب في الجنة، والجنة محلولة، حالها مولانا، مولانا مولانا، يا سميع دعانا، لا تقطع رجانا، من حرمة نبينا، نبينا ..نبينا، محمد وأصحابه، في الجنة ينصابو، اليهود والنصارى، طاحو في خطارى، ضربتهم خسارة، وعلى زين الحالة، صلوا يا رجالا، لا إله إلا الله، محمد رسول الله..

التبرعات والهبات التي تُجمع، من خلال هذا الطقس، تُسَلَّم للفقيه مباشرة، مكافأة له على المجهود الجبّار الذي يبذله في سبيل تلقين القرآن الكريم والتربية الدينية الصالحة للناشئة؛ وبقدر ما تعكس تلك العادة التي اختفت في الوسط القروي بشكل تدريجي الطابع التضامني بين أفراد المجتمع المتضامن؛ بقدر ما يحق أن نتساءل اليوم عن سبل إحيائها والمحافظة عليها من الزوال.

طالب طالب يايو

يافرحات مو وبوه

بامولات الخيمة

اعطيني بايضة

باش نزوق لوحتي

لوحتي عند الطالب

والطالب في الجنة

والجنة محلولة

حلها مولانا

مولانا مولانا

لا تقطع رجانا

النبي وصحابو

في الجنة يتصابو

لا إله إلا الله

محمد رسول الله

يالنويقة كع كع

فين غادي بيا

لبلاد الشاوية

الطالب حالف عليا

يقطع ليا يديا ورجليا.

إن المتتبع لبعض الزوايا التي تهتم بتحفيظ القرآن وتسعى جاهدة لتعليم الدين وعلومه، وتنشد تربية الجيل على القيم والمبادئ السمحة للإسلام ، يقف على  القيم التالية:

قيمة العلم :فالحرص على التعلم وحفظ المتون بعض النص القرآني دأب الصالحين والأخيار ،به ترفع الدرجات وتتقدم الأمم . فأول ما نزل على الرسول عليه السلام ” اقرأ” يتحلق الطلبة في مجالس العلم رغبة منهم في تعلم المعارف وتحصين المكتسبات والاستزادة من بحر لا ينفذ . ولما لا وهم أعلم الناس بقيمة العلم والعلماء ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ﴾سورة آل عمران: 18.

قيمة الوقت : حيث يشرع المتعلم الفقيه في حفظ متنه منذ وقت مبكر قبل صلاة الصبح ، يشعل شمعته ، وفي القديم يستخدم الحطب، ويقوم لأداء صلاته ثم يرجع للحفظ إلى حدود العاشرة صباحا ، وهذا قبل البرنامج النظامي، ويعيد في المساء استظهار ما حفظه ، وبين الوقتين يمحي لوحته ب ” الصلصال” ويكتبه بمعية الفقيه. كما يحفظ المتون . ويحتاج هذا البرنامج احتراما للوقت وتقديسا له .

قيمتي الاحترام الانضباط: مفروض على طالب العلم السمع والطاعة والانضباط ، واتباع المدرس الفقيه الشيخ وعدم التكلم أمامه إلا بإذنه ، واحترامه .ويؤكد هذا أن الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع العيش بمفرده لذلك يبني شبكة من العلاقات تربطه بمن حوله تقوى وتتوسع باحترام هذا الإنسان لذاته وتقديره للآخرين المحيطين به فيحترمونه بدورهم ليساعدهم هذا الاحترام في اجتياز ما يعترض طريقهم وإتاحة الفرص أمامهم ليجربوا , ليكتشفوا وليتقدموا حتى يعيشوا حياة آمنة كريمة .

إن احترام الغير يؤكده قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ”. صدقَ الله العظيم (سورة الحجرات، آية 11).كما أن الزاوية فرضت احترام قدسيّة المكان: قال تعالى ” إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى“. صدقَ الله العظيم (سورة طه، آية 20).

قيمة التواضع: تلمس في الفقيه المدرس لينا وتواضعا لمن يقبلون عليه من الطلبة،يأخذهم بالرفق ويستمع إليهم ويبين لهم آي القرآن ويكرر المبهم ويفسر الصعب ويعيد مرات متعددة لا يمل ولا يكل . وبهذا تمثل قيمة التواضع وسيلة ناجعة لتقريب المفاهيم وتبسيطها ، وتحبيب المادة المدرسة للتلاميذ.

قيمتي القناعة والإيثار: وهذه قل نظيرها حتى حكي عن القوم مبالغة ” الطلبا أي الطلبة ، قسموا بيضة علا ربعين ” أي أنهم لا يقدمون على فعل إلا بحضور الجميع ، ويقومون باقتسام كل ما حضر للزاوية من طعام ومؤونة . وقد تعلم المتعلمون هذه القيمة من دين الإسلام .فالقناعة  هي الرضا بما قسم الله، ولو كان قليلا، وهي عدم التطلع إلى ما في أيدي الآخرين، وهي علامة على صدق الإيمان. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه) [مسلم].والإيثار هو من أرفع درجات الجود والكرم، ولا يتحلّى بهذه الصّفة إلا الذين بلغوا قمة السخاء، فجادوا بالعطاء وهم بأمس الحاجة إليه، وآثروا النوال وهم في ضنك العيش، لذا عدت من أهم صفات الأبرار وشيم الأخيار كما قال علي عليه السلام: “الإيثار سجيّة الأبرار وشيمة الأخيار. والإيثار هو أن يجود الإنسان بالمال أو النَّفس أو الراحة أو ما إلى ذلك من النّعم مع الحاجة إليها، وتفضيل الإنسان الآخرين على نفسه، وتقديم حاجتهم على حاجته. بخلاف السخاء الذي هو عبارة عن بذل الإنسان وجوده.

قيمة التعاون:  وهذه القيمة تتجلى في طريقة الطبخ الجماعي والتناوب على سقي الماء، وإعداد مستلزمات كتابة الألواح ،والذهاب للسوق لجلب واجبات التغذية وغيرها.

قيمة الكرم: رغم قلة اليد وضعف الموارد فإن أهل الزوايا يجتهدون في مساعدات الطلبة، والتفضل عليهم ببعض الطعام والإحسان إليهم ومشاركتهم أفراحهم.لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكرم الناس شرفًا ونسبًا، وأجود الناس وأكرمهم في العطاء والإنفاق، فقد أتاه رجل يطلب منه مالا، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم غنمًا بين جبلين، فأخذها كلها، ورجع إلى قومه، وقال لهم: أسلموا، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. [أحمد].

الأغاني والأهازيج في خدمة الدين:

احتلت الأغاني والأهازيج مكانة معتبرة في التراث الشعبي ، وصاحبت أفراحهم وأحزانهم . إنها الفرحة الجماعية تنطلق بدون قيود تحضر بقوة عند ميلاد مولود ذكر ، وتحتشم لما يبشر أحدهم بأنثى فيصبح وجهه مسودا وهو كظيم. ولا يريد بشارة وهو يتبع ديدنة أهل مكة في الجاهلية، ويبرز الوجه الحقيقي لقوم احتقروا المرأة ، واعتبروها سببا لكل المصائب. فلا يحق إطلاق الزغاريد عند مولودة أنثى لأنها نذير شؤم ، بل صاحب ذكرها قولهم ” مراتي حشاك”.

عند الميلاد تسرع النساء لزيارة الوافد الجديد ، وتصنع ” الرفيسة” ويجتمع الناس يوم سابعه بدون استدعاء، ويذبح الكبش تيمننا ، وتنطلق : الفرحة ” بالمدح والصلاة على نبي الرحمة عليه السلام,

للفرجة مساحة شاسعة موسم “شعبانة” أو مناسبة عاشوراء،وزمزم واستعراضات ” السبع و البطاين ” فضلا عن الأعراس والعقيقة والختان كلها مناسبات ٌلإظهار الفرح والانخراط الجماعي فيه.

يسمع صوت الطبال والغياط ” لهدية ألالة …. لهدية جاية .. لخدية ألالة ليك جاية …”

وعند الختان تتصاعد الزغاريد والأهازيج، وترتفع أصوات نسائية على وقع الضرب بالطعاريج وعلى البنادر تتوسل” الحجاك العار عليك … أوليدي بين يديك” أهازيج الفرح والخوف ، مخاطر النزيف الدموي ، ومخاطر التعفن في غياب للتطبيب الحديث. يتحول الفرح إلى عذاب نفسي على الأقل بالنسبة للمختون  وأمه . وفي العرس يحضر الدم مرة أخرى، حيث تربط طهارة المرأة بعذريتها ، ” أصباح صباح موليه.الملحة والسر عليه” إنها قمة احتقار المرأة وربط شرفها بالبكارة وفضها.” واهنا طاح اللويز واهنا نلعبوا عليه” هو المجتمع المحافظ الذي لا سبيل فيه لاستمرار القيم دون الحراسة الاجتماعية الصارمة.

تحضر الأغنية والأهازيج بالحلقة وعند زيارة ولي من الأولياء ، إنه كرنفال احتفال يتكرر مع كل عيد أضحى ، موسيقى وعزف وأهازيج وأناشيد ، يتبعون ” بوالبطاين ” رجل لبس جلود الأضحية يجوب الشوارع يتبعه الكبار والصغار في احتفال يستأنس به الجميع، ويدركون أنها لعبة جماعية تضفي بهاء إضافيا على بهاء العيد.

تصاحب الأهازيج والأغاني ” تاغنجا” وهي في دكالة تصنع من مغرفين خشبيين الواحد كبير والثاني صغير يحزمان على شكل صليب ويلبسونها ملابس ثم يضعونه لها منديلا فتصبح كالعروسة.

” تغنجة ياالله ياالله… أتجيب السحاب بلا كلا” (الكلأ). إنه طلب للغيث ، وانتظار للمطر ، يتقدم الطالبين الأطفال لأنهم لا ذنوب لهم ، ويعتقد  القوم أنهم أمطروا بتغانجة” ولم يصلهم دعاء ولا سنة الرسول عليه السلام.

يطل علينا ” الشريف ” هكذا يلح في المناداة عليه ، يحيط نفسه بهالة قدسية ، يدعي اكتسابها من “الولي ” فهو من حفدته ، وبصوته الذي يحدث طنينا غير مرغوب فيه تنطلق الجذبة ، ويتحلق حوله أبناء السيد وما أكثرهم، هم رواد المكان وصلحاؤه، أهل البركة ، ” سيدي مسعود يا بن حسين يارداد العقول الطابشين” أي أن الدفين له القدرة على شفاء المس من الجن ـ بل يطرد السلطان .

تقام فترات من تلاوة القرآن الكريم والذكر الحكيم.. كان هذا في الأمس القريب..أما اليوم فانمحى كل شيء وكأن شيئا لم يكن.

إن منظومة القيم هنا مرتبطة بمجال ديني ترفع من قيمته ، وتنحته في الذاكرة الجماعية للأمة. وفي بعض الحالات تطغى عليها الخرافة لاسيما ليلة القدر، حيث تتوجه النساء لطلب ” سيدنا قدر” كي يفك أسرهن ويتزوجن في أقرب الأوقات ، وهذا حال الأطفال عند طلبهم للشمس بعد سقوط سن من أفواههم ” اشميش هاكي سنة لحمار واعطيني سنة لغزال” فيصبح الإنسان بدون استيعاب حيوانا ، ويطلب سن حيوان ، الأول الحمار وما التصق به من تحقير وغباء رغم ذكائه، وغزال يرجى جمالها وحسنها.

مرة أخرى ينطلق ” الشريف ” بإنشاد قصيدة ” تذللت في البلدان حين سبيتني ”

تَذَلَّلْتُ فِي البُلْدَانِ حِينَ سَبَيْتَنِي  *  وَبِتُّ بِأَوْجَاعِ الهَوَى أَتَقَلَّبُ

فَلَوْ كَانَ لِي قَلْبَانِ عِشْتُ بِوَاحِدٍ  *  وَتَرَكْتُ قَلْباً فِي هَوَاكَ يُعَذَّبُ

وَلَكِنَّ لِي قَلْباً تَــمَلَّكَهُ الهَوَى *  فَلاَ العَيْشُ يَهْنَا لِي وَلاَ المَوْتُ أَقْــرَبُ

كَعُصْفُورَةٍ فِي كَفِّ طِفْلٍ يَضُمُّهَا  *  تَذُوقُ سِيَاقَ المَوْتِ وَالطِّفْلُ  يَلْعَبُ

فَلاَ الطِّفْلُ ذُو عَقْلٍ يَحِنُّ لِمَا بِهَا  *  وَلاَ الطَّيْرُ ذُو رِيشٍ يَطِـيـرُ فَيَذْهَبُ

تَسَمَّيْتُ بِالمَجْنُونِ مِنْ أَلَمِ الهَـوَى *  وَصَارَتْ بِيَ الأَمْثَالُ فِي الحَيِّ تُضْرَبُ

فَيَا مَعْشَــــرَ العُشَّاقِ مِتُ صَبَابَـةً  *  كَــمَا مَاتَ بِالهِجْرَانِ قَـيْسٌ مُعَذَّبُ

 

والقصيدة من إبداع الشاعر الأندلسي أبو مدين شعيب بن الحسين الأنصاري

 

الحكاية  

أغلب الحكايات والروايات تطرح أكثر من تساؤل؟ فهناك من يذهب إلى أن هذه القصص من إبداع الشيخ نفسه، وهو الرجل المهمل ، ليبين أن له كرامات، وقد تمكن من انتزاع البركة أو “الخبيزة” ـ كما يسمونها ـ من صناديد شرفاء زاوية معينة. ويمكن أن تكون هذه الحكايات من إبداع بعض المقربين أو المريدين الذين يعظمون شيخهم، أو ممن يريدون أن يجعلوا حظوة لأنفسهم عند الناس،  فيحكون القصص ليقولوا أن الشيخ يحكي لهم أسراره الخاصة. والناس لهم القابلية لتصديق ذلك .

الامثال الشعبية والعمق الديني للتراث الشفاهي

تشكل المرجعية الدينية ركنا أصيلا وأساسيا في تشكيل الهوية الثقافية للمجتمع المغربي، ليس فقط على صعيد الإنتاج الثقافي العام، بل أيضا وبشكل أقوى على مستوى البنية الثقافية التقليدية التي تؤطر قناعات وسلوكيات الناس في تجاربهم ويوميات معيشتهم وتأملاتهم في القضايا التي تشغلهم، مادية ملموسة، أو معنوية مجردة.
وبوصفها تكثيفا وإعادة إنتاج للتجربة الذاتية والجماعية، وحصيلة الاحتكاك بالزمن والناس والأمكنة، فإن ديوان الأمثال الشعبية التي يزخر بها التراث الشفاهي المغربي يصطبغ إلى حد كبير بالمعاني والتعاليم الدينية المشتقة من النص الديني مباشرة أو من الميراث الفقهي والاجتهادي.

هناك ظاهرة التعالق النصي وأنواع التفاعلات القائمة بين هذه الأمثال والنصين الإسلاميين التأسيسيين: القرآن الكريم والسنة.

ويأتي ذلك في أفق “حمل وترجمة القيم الإسلامية إلى سلوك معيش ومحايثة اجتماعية تجعل من تلك القيم موجهات يومية للسلوك والمواقف، ونقل تلك الأبعاد الدينية التي تحفل بها الخطب المنبرية والوعظية إلى نوع من التفاعل المباشر مع تناقضات الحياة ورهاناتها.

ونقدم  نماذج من الأمثال المغربية، مع إبراز مدى تمثلها للقيم والأخلاق الإسلامية.

ومنها على سبيل المثال “المكتوب ما منو هروب” (لا مفر من قضاء الله وقدره) و”اعمل يقينك فالله يعينك، واعمل يقينك فالعبد يخونك” و”الدنيا ضراعة، كل واحد يلبس ساعة” (الدنيا مثل الجلباب، كل امرئ يلبسه وقتا معلوما) في تمثل للآية الكريمة “وتلك الأيام نداولها بين الناس…”.

ومن النماذج أيضا “ما دامت شدة” (الشدة لا تدوم) في استحضار لقوله تعالى “فإن مع العسر يسرا” و”الصمت حكمة وكلام العيب نقمة” و”قالوا للجمل: كيف تاكل الشوك؟ قال باللسان الرطب” في احتفاء بالكلمة الطيبة، مصداقا لقوله تعالى: “إليه يصعد الكلم الطيب”

وواضح من هذه النماذج أن التراث المغربي من الأمثال الشعبية يتقاطع، بل يتطابق أحيانا، نصا ومعنى، في جزء كبير منه، مع نظيره في عدد من البلدان العربية الإسلامية، كنتيجة لتشابه وتلاقح خبراتها التاريخية والمجتمعية. كما يكون له مستند شرعي في الغالب.

المثل المجال القيم
المكتوب ما منو هروب ديني الإيمان بالقضاء والقدر
كلب البرمة على فمها تخرج البنت لمها

منين ذاك لغصين من ديك الشحرة

اجتماعي حسن التربية واقتداء الفتاة بأمها
وريه وريه ولا عما مشي وخليه ديتي النصح والإرشاد للخير وعدم الإلحاح
الفول يعطيه ربي غير لما عندو دراس ديني /اجتماعي ذم عدم شكر النعمة
فرش لولاد الناس تلقا من يفرش لولادك ديني فعل الخير وتعميمه
سوق النسا مطيار ياداخلو خطي راسك اجتماعي قيمة سلبية شيطنة المرأة
زواج ليلة تدبيرو عام

طاح الحك أو صاب غطاه

لعروسة فوق الكرسي ما عرفوها عندمن ترسي

اللا مشى الزين بقاو حروفو

للا زينة وزادها نور الحمام

ديني/ اجتماعي تحمل المسؤولية

توافق وحسن اختيار الزوج والزوجة

بساطة الزواج

تعدد الخطاب

نسبية الجمال وعدم دوامه

الاستهزاء بالمرأة التي تحاول إضفاء الجمال على وجهها فيقع العكس.

الضيف ما يتشرط ومول الدار ما يفرط

اللا طردك البخيل عند لكريم تبات

ديني الكرم وحسن الضيافة
الجار قبل الدار

دير ما دار جارك والا خوي دارك

ديني/ اجتماعي احترام الجار
ما يدومو فيها غير الصبارا

الصبر كيدبر

الصبر
أنا باللقمة لفمو وهو بالعود لعيني

ضربني وبكا وسبقني وشكت

العود اللي تحكريه يعميك

ديني/ اجتماعي الظلم والحسد
الزين في الدفلة وحار ======= الجمال والبهاء
لا تيق حتى تعرف لعدو من الصديق

لا ثيقة في عتيق

يقتل الميت ويمشي في جنازتو

دير النية وبات مع الحية

ديني/ اجتماعي الأمانة والثقة

الخطبة والعرس:

     تخضع حفلات الزواج بالمغرب لمزيج من العادات والتقاليد التي تتباين كلما انتقلنا عبر مناطق وأرجاء المملكة المغربية، فعادات الشرق تختلف عن عادات الشمال، وعادات المدن الأصيلة كفاس ومراكش والرباط تختلف عن عادات المدن حديثة النشأة مع استحضار الفارق بين عادات كل من الفاسيين والمراكشيين وهكذا.
وحضور العرس الدكالي له طقوسه . عندما يتم التراضي بين الطرفين دون موافقة العروس من عدمه ، ويحدد المهر ، وفي الغالب تكون الفتاة قاصر ، وهو الحال في الغالب إلى اليوم تزف الزوجة لبيت الزوجية بعد تزيينها بالحناء ، والقرتقل ، والورد ، ويظقر شعرها، وترتدي خلة بيضاء تسمى ” الشقة”

 تجهز الناقة لحمل المتاع و” البغلة ” تركبها العروس ، ويتبعها الحضور من أهل الدوار دون إن أو اسنضافة يرددوت الأغاني:

بنتنا زينة زينة بلا عكر بلا عركوس

وتقول لعروسة بعد أن تودع أباها وإخوتها: أنا غاذية برزقي أو خليت رزقي لخوتي”

وعند الوصول:

حتا جيتا لا تكولو ما جينا ::::: الهوا ما هي بجميل

فرشي يلالا الزربية ::::: العريس يكمش ويلوح بريال

وتردد أم العروس:

ياتهلا فيها

راني ما حاملة ما نتوحم بها

وتردد الجماعة: آراه ليها آره ليها

وتأحذ الزوجة نعالها ، ويأخذ الزوج تعاله ، ومن يضرب الأول فهو الغالب . وتجتمع النساء ترددن الأعاني” أهتا طاح الريال وهنا نلغبو عليه”

” أهيا لعريس ضوي بشمع لبلاد إلا جاك الزين ضوي بالترسينتي

عندوا لزين عندو لحمام في دارو

الخيبات لاش يصلحو يمشيوا لبحر يطيحو

الزين حيو مولانا واخا في دريالا

هادارو هادارو يالوليد هادارو

مذهبت السنان شاربة كاسو

تحكي الجدات أحيانًا بحسرة عن الأيام الخوالي حيث كانت الأعراس المغربية تدوم سبعة أيام بلياليها، فيتحدثن عن جيل أصابه مرض السرعة حتى في لحظات الفرح، فالبعض قلّصها إلى ثلاثة أيام والبعض الآخر اكتفى بيوم واحد.
وبالرغم من تنوع عادات وتقاليد الزواج بالمغرب واختلافها من منطقة إلى أخرى، فإنها تشترك على الأقل في خطواتها الأساسية.

اليوم الأول 

     يخصص لحمام العروس، حيث ترافقها صديقاتها وبنات العائلة. يتم حجز الحمام العمومي خصيصًا لذلك اليوم، فينظف قبل حضور العروس من قبل بعض نساء العائلة ويعطر بمختلف أنواع البخور، ويكون هذا اليوم يومًا مشهودًا؛ إذ تذهب فيه كل نساء العائلة برفقة العروس إلى الحمام. 

اليوم الثاني 

 يخصص لحناء العروس، إذ أن نقش الحناء من العادات الإسلامية الراسخة في المجتمع، حيث يعتبر التخلي عن هذه العادة في المعتقد الشعبي نذير شؤم بالنسبة للعروس فيما يخص حياتها الزوجية.

اليوم الثالث:

      من أهم أيام حفل الزفاف المغربي، إذ فيه تزف العروس إلى زوجها، ولكن قبل ذلك يتم إحضار سيدة تتكفل بلباس وزينة العروس تدعى في اللغة الدارجة المغربية “بالنكافة”، والتي لا يمكن لعرس مغربي أن يمر من دونها. إذ تحرص هذه السيدة في هذا اليوم أن تلبس العروس في كل ظهور لها أمام الحضور، لباسًا تقليديًا مختلفًا يمثل بعض مناطق المغرب؛ كاللباس: الفاسي والشمالي والأمازيغي وبعض أنواع القفاطين، يُضاف إلى ذلك بعض الأزياء الأخرى الدخيلة على حفل الزفاف المغربي، والتي شاع استعمالها مؤخرًا، مثل: الزي الهندي والخليجي.
وأخيرًا تكون “الطلة” الأخيرة للعروس بثوب الزفاف الأبيض الأوربي. وتُراعي “النكافة” مع كل تغير في نوع اللباس اختيار الإكسسوارات الملائمة لذلك، الشيء الذي يجعل هذا اليوم أشبه بحفل لعرض الأزياء،  يرافق عادة عرض الأزياء هذا بانوراما موسيقية تعزفها إحدى الأجواق التي تكيف موسيقاها وأغانيها حسب نوع لباس العروس، فتكون خليطًا من الأغاني الشرقية والمغربية بشقيها العصري والفولكلوري. 

وتختلف طريقة زفّ العروس إلى زوجها حسب المناطق المغربية، إلا أنه في الغالب تُزف على الطريقة الغربية، حيث تأخذ في سيارة فخمة تطلق أبواقها على طول الطريق الذي تقطعه. 

ولا زالت العروس في البوادي المغربية تُزف في هودج يحمل على الأكتاف أو على ظهر حصان ويُسمى باللغة الدارجة المغربية “العمارية”. وعادة “العمارية” هذه لا يزال يحتفظ بها في مدن شمال المغرب، حيث يُطاف بالعروس على الأكتاف في الأحياء المجاورة لتركب السيارة بعد ذلك نحو بيت زوجها. 

وفي اليوم المشؤوم الذي يسمى عند البعض ب” الدخلة” تنتظر الأسر خروج الزوج يحمل سروال زوجته ، فإن بدت عليه علامات الدم زفت البشرى ، وانطلق الاحتفال الذي بستمر إلى الصباج ” و::::::::::::::اسم العروس وا المرضيا سيد الرجال دتيه نتيا ” وهو طقس احتقاري لكينونة المرأة وعذريتها ، واتهام لها بعدم الطهر وفي اليوم السابع تحكي الجدة ، تخرج الغروس من بيتها حاملة  على ظهرها ” قالب سكر ” ويردد الحضور:

خرجناها بوتيد :::::: دحلناها بوليد

    إن الخطوات السالفة الذكر تجعل من الزفاف المغربي زفافًا مكلفًا للغاية، حفاظا على المظهر الاجتماعي للأسرتين، وذلك من خلال الحفاظ على التقاليد التي يجب احترامها بتفاصيلها في حفل الزفاف التقليدي.

عاشوراء بين الفرح والحزن:

كلما حلت ذكرى عاشوراء إلا تساءل الناس عن التناقض الحاصل في مظاهر الاحتفالية بهذه المناسبة بين الفرح والحزن، وتقدم الروايات المتضاربة والتفسيرات المتعددة، علها تجيب عن الإشكالات المرتبطة بهذه الذكرى. وتختلف مظاهر الاحتفاء عند المغاربة من مدينة إلى أخرى، بحسب العادات والتقاليد التي تتخذ أشكالا دينية وطقوسا متعددة في دلالاتها وأبعادها.

المغاربة وعاشوراء :

“حق بابا عيشور” هو نشاط للأطفال في فترة عيد عاشوراء حيث يجول الأطفال من منزل لآخر مرتدين الأقنعة والأزياء التنكرية يطلبون الحلوى والفواكه الجافة أو حتى النقود وذلك بإلقاء السؤال “حق بابا عيشور؟” على من يفتح الباب. يعتبر حق بابا عيشور من أهم التقاليد في عاشوراء. حيث يقوم كل من يسكن في حي فيه الكثير من الأولاد بشراء الحلوى والفواكه الجافة وتحضيرها لحين قدوم الأولاد في العيد. أصبح هذا التقليد مشهورا في الآونة الأخيرة حيث يعتبر بديلا للالعاب النارية التي تؤدي عادة إلى مجموعة من الحوادث

عادات المدن:

المغاربة يسمون يوم العاشر من محرم، بيوم زمزم. وفي هذا اليوم، يقومون برش الماء على بعضهم البعض. فيقوم أول من يستيقظ من النوم برش الباقين بالماء البارد، ويخرج عدد من الأطفال والشبان، خصوصا داخل الأحياء الشعبية، إلى الشوارع لرش كل من يمر بالماء. ومع مرور الساعات الأولى من الصباح يحمى وطيس “معارك المياه”، خصوصا بين الأصدقاء والجيران. ومن يرفض الاحتفال بماء “زمزم” من المارة، عبر رش القليل منه على ثيابه، قد يتعرض لتناوب عدد من المتطوعين لإغراق ثيابه بكل ما لديهم من مياه. ثم يتوج بوجبة اليوم بوجبة “الكسكس المغربي” الذين يستعملون به القديد الذي تم تخزينه من أضحية عيد الأضحى، خصوصا لهذا اليوم.

عادات البوادي:

أما في البوادي والأرياف المغربية فإن الماء في هذا اليوم يحتفظ بقدسية خاصة، حيث يلجأ الفلاحون وربات البيوت، مع إعلان الفجر، وقبل أن تطلع الشمس، إلى رش كل ممتلكاتهم بالماء البارد، حيث ترش قطعان الغنم والبقر، وغيرها، كما ترش الحبوب المخزنة، وجرار الزيت والسمن. وتقوم الأمهات برش وجوه الأبناء، الذين يتنافسون في الاستيقاظ المبكر، لأنهم يؤمنون، حسب ما يردده الأجداد، بأن من يكون هذا اليوم نشيطا يقضي كل عامه على نفس المنوال، ومن يتأخر في النوم إلى أن تشرق الشمس، يغرق في الكسل ما تبقى من العام. كما أن الكبار في الأرياف المغربية يؤمنون بأن كل ما مسه الماء هذا اليوم ينمو ويبارك الله فيه، وما لم يمسسه ماء قد يضيع خلال نفس العام.

عادات التجار:

فيما يتعلق بالتجار، يسعون في عاشوراء لرفع وتيرة البيع، خصوصا داخل الأسواق، التي تخصص لمناسبة عاشوراء، لأن أي حركة بيع أو شراء تكون مباركة، وتؤثر في تجارتهم، بقية العام، مما يضطرهم إلى تخفيض الأسعار، وبذل كل ما يستطيعون، من أجل تشجيع زبائنهم على الشراء. ولا يكاد يحل المساء حتى تفرغ أسواق عاشوراء من السلع، وتصبح في بعض المناطق، التي لا تزال تتمسك بالعادات القديمة فضاءات فارغة من محتوياتها، كأنها لم تكن نشطة قبل ساعات فقط، والسر في ذلك أن اليوم التالي للعاشر من محرم يسمى عند التجار بيوم “الهبا والربا”، أي إن أي ربح يجنونه منه لن يكون إلى ربا لا يلحقه إلا الهباء على تجارتهم، مما يجعلهم يغلقون محلاتهم، ولا يبيعون أو يشترون شيئا في اليوم الموالي.

أصل العادة:

وتعود عادة رش المياه، التي يحتفل بها أغلب المغاربة، ويعتقدون أنها جزء من العادات الإسلامية، إلى طقوس من الديانة اليهودية، كان يتمسك بها اليهود المغاربة منذ قرون، حيث أنهم يعتقدون أن الماء كان سببا لنجاة نبي الله موسى عليه السلام في هذا اليوم من بطش فرعون وجنوده، كما يؤكد ذلك القصص القرآني، وهو الأمر الذي استوعبه الإسلام والسنة وجعله جزء منه، بالتنصيص على صوم يوم عاشوراء، ابتهاجا بإنقاذ الله لنبيه موسى عليه السلام، مع زيادة صوم يوم التاسع من شهر محرم، لمخالفة اليهود والتميز عنهم. 

عند اليهود المغاربة:

ويعتقد اليهود المغاربة بأن الماء في هذا اليوم يتحول إلى رمز للنماء والخير والحياة، مما يجعلهم حسب ما راج في بعض الكتابات، التي تناولت تاريخ اليهود المغاربة، يحتفون بالماء، ويتراشق به أطفالهم طيلة اليوم، في حين يرش به الكبار أموالهم وممتلكاتهم، أملا في أن يبارك الله لهم فيها.ومن غير المستبعد أن تكون لهذه العادة في صفوف التجار جذور يهودية كذلك، بحكم أن اليهود المغاربة كانوا يمثلون، قبل عقود قليلة، أغلبية في بعض الأسواق المغربية، ورغم رحيل أغلبيتهم الساحقة إلى المشرق، فإن بعض عاداتهم وتقاليدهم لا تزال جزء من النسيج المغربي إلى اليوم.وما يميز عاشوراء المغرب، رغم أنها مزيج من الأديان والمذاهب، أن المغاربة لا يؤمنون إلا بأمر واحد، هو أن احتفالاتهم مغربية موروثة عن الآباء والأجداد فقط، ولا يرون أنها تخالف الإسلام، أو تأخذ من سواه، فالإسلام الراسخ بعمق في قلوبهم رسوخ جبال الأطلس، قد جب كل ما قبله، وجعل من ميراث الأنبياء من قبل جزء من الدين المحمدي، الذي ختم الرسالات السابقة من دون أن ينكر فضلها.

يوم الهبا والربا:

يعقب عاشوراء في المغرب يوم “الهبا والربا” في الأسواق، يعرفها كل المغاربة بليلة “الشعالة”، حيث يتم إشعال نيران ضخمة في الساحات، سواء في البوادي أو داخل بعض المدن، التي لا تزال تردد صدى عادات موغلة في التاريخ، ويحيط بها الأطفال والنساء، وهم يرددون أهازيج، بعضها يحكي قصة موت الحسن و الحسين وبعضها يحكي قصصا أخرى،

عاشوراء بين  فرح وحزن :

يعتبر الشيعة ، المغاربة، نواصب لأنهم يبدون الفرح في ذكرى مقتل الحسين سيد أهل الجنة، يتبادلون التهاني والتبريكات بحجّة بداية العام الهجريّ الجديد تارة، وتارةً بادّعائهم أنّ يوم عاشوراء يوماً مباركاً، ويردون كل الروايات والأحاديث المعتمدة عند أهل السنة،بل يذهبون إلى لعنهم ويؤكدون أن هؤلاء ( يقصدون السنة) ملعونون وقد ورد لعنهم حسب الشيعة في زيارة عاشوراء المباركة: «اللّهمّ إنّ هذا يومٌ تبرّكت به بنو أُميّة وابنُ آكِلة الأكباد، اللعين ابن اللعين، على لسانك ولسان نبيّك (صلّى الله عليه وآله “ويؤكدون أن بعض هذه الشعوب الّتي تكنّ النصب والعداء لآل البيت (عليهم السلام) أيضاً لهم طقوس معينة، طقوسٌ ما أنزل الله بها من سلطان ولا سنّها نبيّه الكريم، وهي أقرب ما تكون إلى البدع المبتدعة، لا يُراد منها سوى استبطان الفرح والسرور بمقتل الحسين (صلوات الله عليه)، لكنّا لا نسمع بمهرّجي الوهابيّة يذكرونهم يوماً أو يشنّعون عليهم بإدخال ما ليس من الدين فيه، كما نراهم يشنّعون دوماً على أبناء الطائفة الحقّة لإظهار حزنهم على ريحانة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) وبهجة قلبه! ويذهب النشاط الشيعي المغربي عصام حميدان الحسني إلى القول  بأن عاشوراء تقليدي شيعي يعني بالضرورة وجود سند تاريخي محلي وجذور ثقافية واجتماعية ولو في مستوى الذاكرة الجماعية للمغاربة والثقافة الشعبية الجامعة للرموز والأمثال والعادات والتقاليد”. وقد سبق لعباس الجيراري أن ألف منذ التسعينيات كتابا حمل اسم (عاشوراء عند المغاربة) واستدل فيه من خلال الرموز والعادات والتقاليد على وجود عادات شيعية وأخرى أموية من خلال تباين الأنماط الاحتفالية بعاشوراء حزنا وفرحا بحسب المناطق ..وهذا الأمر مرتبط بتعدد روافد الثقافة الإسلامية المغربية منذ الدولة الإدريسية فالفاطمية وصولا لدولة بني حمود بالأندلس. وأن هناك مخطوطات بالمغرب نشرت في العقد الأخير لا تثبت فقط أن المغاربة احيوا عاشوراء بالحزن على سيد الشهداء وشباب أهل الجنة الحسين بن علي عليه السلام بل إن هذه المخطوطات أثبتت أن مصطلح الحسينية لم يكن له وجود إلا في إطار الدولة الحمودية بمالقا وذكرت إن المكان الذي كانوا يجتمعون فيه اسمه (الحسينية) وان القارئ لقصائد رثاء الحسين ع كان يسمى ب (المحسن) وأنهم كانوا لا يصومون عن الأكل والشرب طيلة تسعة أيام من بداية محرم.وفي مناطق جنوب المغرب نجد الناس تحرم الكنس والطبخ بالعاشر من محرم، وتلبس السواد وبعضهم يشعل النار وبعضهم يرمي بالماء، لان الحسين عليه السلام قتل عطشانا، هو وأهل بيته وحرموا من قبل عدوهم من شرب ماء الفرات ولم يكن يجري بعيدا عنهم لذلك. فالحديث عن عاشوراء هو حديث عن واقعة أليمة، خلدها المغاربة بأشكال تعبيرية مختلفة وهي جزء أساسي من ثقافتنا الشعبية التي تسعى الوهابية لتدميرها وإحلال ثقافة الفرح بالعاشر محلها، ووضع أكاذيب من كون اليوم هو يوم بركة وتلفيق وقائع لكل نبي في هذا اليوم بما يبعد الناس عن الوقوف على الحقيقة المرة والانحراف الخطير التي عرفته الأمة الإسلامية في وقت مبكر بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه واله عن الدنيا”.

في حين يرى العلامة بنحمزة أن قضية الاهتمام بالسنة الهجرية الجديدة هو كان أسبق من ظهور التشيع، والتشيع جاء متأخرا بعد ما وقع بين علي ومعاوية”.وأن النبي (ص) لما دخل المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسأل عن ذلك فقالوا له “هذا يوم أنقد فيه الله موسى من الغرق فقال نحن أولى بموسى منهم، فإن عشت إلى قابل لأصومن التاسع، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أسس مبدأ الاحتفال بعاشوراء”.وأوضح بنحمزة أن صيام تاسع وعاشر محرم من السنة قبل أن يظهر التشيع، وأبرز أن اهتمام المسلمين بالأيام الأولى من شهر محرم يعود أيضا إلى “عمل آخر هو اهتمام عمر بن الخطاب بحدث الهجرة، فلما كان الناس أمام تأريخ لأي حدث من الأحداث، لم يؤرخوا بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالبعثة، وإنما اختار عمر أن يؤرخ بالهجرة فاعتبر بداية التاريخ الإسلامي هو تاريخ الهجرة”.وأن ما أحدثه الشيعة سياق حدث تاريخي لاحق، فتعلق الشيعة بمقتل الحسين بكربلاء، فبقي هذا خاصا بهم، وتصادف مقتل الحسين مع بداية السنة الهجرية، فالشيعة لم يهتموا بالهجرة أو بما وقع لنبي الله موسى، وإنما اهتموا بمقتل الحسين”.

وعن نسب بعض مظاهر احتفال المغاربة بعاشوراء للشيعة قال بنحمزة إن المغاربة “إما أنهم يتأثرون ببعض الوقائع ولكنها ليست بالضرورة شيعية، لأنه كانت هناك وقائع سابقة على الاسلام في المغرب، ربما تستحضر في هذا اليوم وتستعاد في مثل هذه المناسبات…، ولكن ليس من الضروري أن نقول إن الشيعة هم من أحدثوا هذا، لأنه هذا قول لا دليل عليه، إذا كنا نستغل فقط التشابه بين المناسبات فهذا ليس فعلا علميا…طبعا التشيع مر بالمغرب ولكن لمغاربة أنهوه”.

عاشوراء طقس ثقافي:

تتميـّز خصوصيّة احتفالات عاشوراء في المغرب بالتنوّع، حسب اختلاف وتنوّع مناطقه وجهاته من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، والحقّ أن هذا التنوّع في طبيعة الاحتفال بعاشوراء قد امتزجت مكوّناته لتصبح سمة تقاليده وعاداته مشتركة بين كلّ المغاربة، فتجسّد بذلك انصهار مختلف الهويّات الثقافيّة: عربيّة، إسلاميّة، أمازيغيّة، أندلسيّة، وأفريقيّة.. غير أنّ كلّ منطقةٍ مغربيّة تنفرد ببعضٍ من تميّز وتفرد عاداتها وتقاليدها في الاحتفال بيوم عاشوراء، مشكّلةً بذلك فسيفساء ثقافي متنوّع كأحد مظاهر الثقافة المغربيّة، إن تكن أهمّ خصوصيّة الاحتفالات بيوم عاشوراء متشابهة إلى حدٍّ بعيد.

وتختلف عادات وتقاليد الاحتفال بعاشوراء لدى المغاربة عن نظيراتها في الدول العربيّة، لذلك يقال عن احتفالاتنا أنّها عادات موغلة في الخصوصيّة المحلية، ولا تحيل على الأحداث التاريخية الإسلامية إلا لماماً، وعليه ـ بحسب هذا الرأي ـ فهي عادات غير مؤطّرة بوعي.وعلى العمـوم، يبقى يوم عاشوراء بالمغرب مناسبة دينيّـة يزور فيها المغاربة بعضهم البعض، ومناسبةً للفرح وإدخال السعادة إلى قلوب الصغار بشراء اللّعب والملابس الجديدة.وتسبق احتفالاته استعدادات مبكّرة تنطلق من عيد الأضحى، على مستوى تخزين أجزاء من لحم الكبش خصّيصاً ليوم عاشوراء، ثم تتوالى استعدادات أُخرى منذ فاتح محرّم، تهـمّ تنظيف المنازل وإعادة تبليط الجدران وتبيض واجهاتها الخارجيّة بالجير وغسل الثياب والاستحمام، مع إمكانية تجديد هذه العمليّة ليلة عاشوراء، ويُطلَق عليها بـ “العواشر”، ذلك أنّه تمنع خلال هذا اليوم ـ وكذا بعده أو أكثر عند البعض ـ تنظيف البيت وغسل الثياب والاستحمام.وهناك مَن يمنع التطبيل والتزمير وإيقاد النار واقتناء فحم أو مكنسة واستعمالها إن وُجدت، بل يصل الأمر عند بعض الأُسر إلى عدم ذكر اسم المكنسة صباح يوم عاشوراء، وفي ذلك يقول المثل المغربي: “الشطابا أعروسا والجفافا أنفيسة”، أي: إنّ المكنسة عروس والجفافة نفساء، للدلالة على تعطيل العمل بهما في هذا اليوم.

في جولةٍ عبر شوارع العتيقة لمدينة الرباط وسـلا وخاصّةً أسواقها الشعبيّة، رصدنا خلالها الاستعدادات الشعبيّة تأهّباً للاحتفال بيوم عاشوراء، وقد تجلت مظاهر الاستعداد في ظهور أنواع جديدة من التجارة، كظهور أسواق المناسبات (أسواق عاشور)، تعرض فيها الفواكه الجافّة الّتي تعدّ جزءً أساسيّاً من أساسيّات الاحتفال بعاشوراء، وأسواق اللّعب الّتي تشترى للأطفال خصوصاً في هذه الموسم، وانتشار بيع التعاريج والدفوف.ترتبـط احتفـالات يـوم عاشوراء بالمغـرب بعمليّـة رشّ المـاء، وهي عادة وتقليد عميق في الثقافة المغربية، يرتبط بعمليّـة الغمر والغطس في الصباح الباكر ليوم عاشوراء، يقوم به المغاربة لطرد النحـس والأرواح الشرّيرة، ويعتبرون أنّ عوم الصغار في صباح اليوم الباكر من عاشوراء ييسّر نموّهم بعيداً عن الأرواح الشريرة.وتُرجِع العديد من الدراسات الأنتربولوجية والتاريخيـة وجود عادات عاشوراء في الثقافة المغربيّة إلى فلول المذهب الشيعيّ المنتشر بالمغرب خلال القرن 11 ميلادي، حين كانوا يحتفلون بيوم عاشوراء أو ذكرى مقتل الحسين بن علي في كربلاء، وصارت مناسبة للألم والحزن وربما البكاء والتحسّر.ومن الناس مَن يحتفل بها تقليداً فحسب بلا وعي ولا إدراك، إلى أن امتزجت هذه الطقوس الشيعيّة بالطقوس الإسلاميّة واليهوديّة والأمازيغية، ولذلك تحـرص الأُسـر الأمازيغيـة علـى تسميـة بناتهـم باسـم عاشـوراء.

المغاربة و ذكرى المولد النبوي:

يرتبط المغاربة بسيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام ارتباطا نفسيا وروحيا، منذ دخول الإسلام إلى المغرب. ويعتبر المغرب إلى جانب مصر من الدول الإسلامية القليلة التي تولي اهتماما خاصا لعيد المولد النبوي وتحيطه بكل مظاهر الحفاوة والاحتفال. وقد سبقت مصر المغرب في الاحتفال بهذا العيد، نظر لأن الفاطميين بعدما استولوا على حكم البلاد عملوا على الاحتفال بعيد المولد النبوي لما يختزنه من رمزية دينية تكرس شرعيتهم السياسية من خلال انتمائهم إلى البيت النبوي. فقد “وجد الاحتفال بالمولد النبوي منذ عهد الفاطميين بمصر، حيث كانوا يحتفلون ضمن ستة مواليد: مولد الرسول، مولد آل البيت علي بن أبي طالب، والحسن والحسين وفاطمة الزهراء والسادس مولد الخليفة الحاضر”..كما تناولت كتب التاريخ ما كان يجري في هذه الأعياد من طقوس الاحتفال على المستوى الشعبي والرسمي، و استعرضت ما كان ينشد فيها من قصائد المديح النبوي المسماة عندهم بالمولديات، و ما كان يتلى في المجالس الخاصة و المساجد الجامعة من كتب السير، تعريفا بالمصطفى (ص) و بسيرته في قومه و أصحابه.

رأي الفقهاء المالكية في نازلة الاحتفال:

لابد من الإقرار بدءا بأن احتفالات المغاربة بالمولد النبوي و بيوم عاشوراء و برأس السنة الهجرية ليست من طقوس الدين و إن كانت تصطبغ بصبغة دينية. ولم يزعم أحد على مر التاريخ أن بها تستكمل العبادة.ولكنها من العادات الأصيلة التي توارثها الناس جيلا بعد جيل.

إن لبعض عادات الناس جذوره التاريخية وأسبابه الموضوعية, ولبعضها الآخر عند الناس مسوغات و معتقدات. وأهم عاداتهم التي هي مثار نقاشات حادة أحيانا، و غالبا ما تكون على شكل مواسم دينية أو تظاهرات اجتماعية. ولأنها تصطبغ بصبغة دينية في الغالب, فإنها تبتعد عما يمس المروءة أو يقدح في الدين. وقد يحدث أن نسمع من يتخذ منها مواقف رافضة استنادا إلى آراء  علماء مجتهدين، أو فقهاء مخالفين.

إن احتفالات الناس بالمولد النبوي و برأس السنة الهجرية و غيرهما لم تعرف في العهد الإسلامي الأول. ولكنها  كانت مما فرضته ظروف الأمة لاحقا نتيجة احتكاكها بغيرها من الأمم. و الراجح أن هذه الاحتفالات ظهرت على التخوم التي تجاور أمما أخرى لها من العادات ما يشبه عادات في الشام خاصة بجوار بيزنطة، وفي الغرب الإسلامي  بجوار دول غرب أوربا قبل أن تنتشر في عموم البلاد الإسلامية. وشهدها من أئمة الأمة و فقهائها وقادتها أقوام فأقروها أو سكتوا عنها. وفي ذلك إشارة إلى أنهم لا يرون بأسا في الأخذ بما اقتضته المصلحة أو أوجبته الظروف مما يدخل في باب الاجتهادات. وللفقهاء الأعلام آراء .

إن الاحتفال بالمولد النبوي و برأس السنة الهجرية و بعاشوراء و غيرها بالمغرب, من أعراف الناس في بلادنا منذ زمان, و مما جرى به عملهم على مرأى و مسمع من علمائهم و قادتهم على مر العصور دون أن نقرأ أو نسمع من اتخذ منها موقفا رافضا. والموقف منه اليوم هو الموقف من العادات والتقاليد الاجتماعية التي تحتل حيزا هاما في مجال التنظيمات البشرية, و تتخذ مع مرور الزمن مسحة العرف الاجتماعي الإلزامي، خاصة و نحن نعلم أنه لا تكاد تكون مناسبة دينية أو اجتماعية إلا للمغاربة فيها أعراف و تقاليد كالتي نتحدث عنها.

لابد من اعتبار آراء علماء وفقهاء المذهب المالكي في كل المسائل بدء بالعبادات و المعاملات الشرعية و وصولا إلى عادات الناس، حفاظا على الوحدة التي اتسم بها المغاربة طيلة تاريخهم.فهذا الإمام الشاطبي رحمه الله ـــــــــ و هو من أعمدة المذهب المالكي بدون منازع ــــــــــــ يقول:( العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعاً…. ). و هذا أبو سعيد فرج بن قاسم الثعالبي الأندلسي المالكي يقول :    (إن ما ارتكبه الناس و تقادم في عرفهم, و جرى به عملهم ينبغي أن يلتمس له وجه شرعي على خلاف أو وفاق). و من علمائنا المغاربة المحدثين نجد الشيخ المختار السوسي رحمه الله يقول: (لا مرية أن العوائد التي لا تصدم النص معتبرة). أما الشيخ المكي الناصري رحمه الله فيقول:(…..إن السلطان مولاي الحسن رحمه الله أخذ مجموعة أعراف القبائل في سوس. بعد أن وثق من أنها لا تحتوي على شيء يناقض مبادئ القرآن سمح بتطبيقها رسميا).

وقد اشترط الفقهاء في الأعراف  والتقاليد التي يجوز اعتبارها و العمل بمقتضاها ألا تتناقض مع نص صريح من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف, وأن تكون مطردة و مستمراً العمل بها. و قد جرى العمل باحتفالات المغاربة بعيد المولد النبوي طيلة تاريخهم الإسلامي، واحتفالات ملوكهم وعلمائهم بالمولد والمولديات مما هو مشهور في كتب التاريخ، دون أن نجد من بدع أو اعترض مما نقرأه و نسمعه اليوم. فالعوائد التي لا تصدم النص إذن مقبولة و معتبرة حتى من لدن الإمام الذي يرفع ترجيحه الخلاف كما هو معلوم. و إلا فللأعراف قوة تسري بها بين الناس,ويستعصي اقتلاعها إلا بالتدرج والإقناع

بديات الاحتفاء بالمولد النبوي:

يرجع إرساء تقليد الاحتفاء بالمولد النبوي بالمغرب إلى الأسرة العزفية بسبتة التي أكدت على أهمية إرساء تقليد تخليد ذكرى مولد الرسول ﷺ وذلك لعدة عوامل من أهمها:

– إبراز معالم الهوية الإسلامية في مجتمع كثير الاحتكاك بالثقافات المسيحية واليهودية المخالفة، والتي تهدد الثقافة والتقاليد الإسلامية بالذوبان والاضمحلال،

-إظهار ملامح الاختلاف والتميز عن الثقافات الأخرى السائدة في المحيط والتي تتمسك بطقوسها واحتفالاتها وأعيادها،

وهكذا بادر العزفيون بإرساء تقليد الاحتفال بالمولد النبوي، حيث دعا أبو العباس أحمد بن محمد عميد الأسرة العزفية بسبتة إلى تكريس عادة الاحتفال بالمولد النبوي في الغرب الإسلامي، وأبرز في مقدمة كتابه «الدر المنظم في مولد النبي المعظم» الأسباب التي حفزته على الدعوة إلى استحداث الاحتفال بالمولد النبوي، حيث وصف في حسرة وأسى مشاركة مسلمي سبتة والأندلس للمسيحيين في احتفالاتهم بعيد النيروز يوم فاتح يناير، والمهرجان أو العنصرة يوم 24 يونيو، وميلاد المسيح عليه السلام يوم 25 دجنبر.

وقد لقيت مبادرة العزفي تجاوبا لدى السلطة المرينية؛ فالسلطان المرتضى، الذي كان معاصرا لأبي العباس العزفي، أصبح «يقوم بليلة المولد خير قيام، ويفيض فيها الخير والإنعام»، وبالتالي أضحى السلاطين أنفسهم يرأسون احتفالات المولد النبوي، خاصة بعدما أصدر السلطان أبو يعقوب يوسف المريني أمره بوجوب إحياء ليلة المولد النبوي واعتبارها عيدا رسميا كعيدي الفطر والأضحى.

مظاهر الاحتفال الشعبي بعيد المولد النبوي:

أبدى المغاربة اهتماما كبيرا بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف؛ من خلال احتفال شيوخ الطرق والزوايا بهذه المناسبة عن طريق حفلات المديح أو الرقص، بالإضافة إلى إقامة موكب الشموع بسلا:

جلسات المديح والسماع:

بحلول هذه المناسبة، عادة ما تشهد الأضرحة والزوايا نشاطا دينيا ملحوظا ومتميزا؛ بحيث يمكن اعتبار هذا اليوم مثل عيد للزوايا والطوائف الصوفية بامتياز؛ يجتمع فيه رواد الطائفة بأعداد غفيرة جدا لإقامة حفلاتهم، وتبدأ الجلسات بالذكر المجرد، تتناوب خلالها الموسيقى والأغاني مع إلقاء القصائد في تمجيد الله عز وجل ورسوله. وقد اعتبر شيوخ التصوف السماع ركن أساسيا في هذا الاحتفال، حيث كان كثير منهم يعمل الحضرة وتعمل بمحضره. فلقد كانت الزاوية الدلائية على عهد محمد بن أبي بكر تحيي ليلة المولد النبوي بإنشاد القصائد والمقطعات والموشحات في مدح الرسول الكريم، وخاصة قصيدتي البردة والهمزية للإمام البوصيري. كما كان أرباب هذه الزوايا يتنافسون في خدمة فن السماع، فيحملون أتباعها على حفظ المستعملات الشعرية واستيعاب نغماتها عن طريق التلقين، بل لقد استطاع بعضهم القيام بإنجازات فنية أسهمت في ترقية الفن الموسيقي بالمغرب.

كما ساهمت الزوايا في تأسيس مجموعات غنائية رجالية ونسائية تنتمي إلى الزاوية وتنشط في أحضانها. فكثير من مقدمي الزوايا كانوا يتولون مهام تكوين أو إدارة المعاهد الموسيقية. وسهروا على تعليم وتلقين التربية الصوفية موازاة مع تعليم المريدين فن المديح، والسماع الصوفي، والميازين، والأطباع المستعملة داخل الزاوية. وباستثناء بعض الطرق الصوفية التي تعتمد كلية على الإنشاد الصوتي وفق الأنغام الموسيقية على طريقة المسمعين، كالكتانيين والتيجانيين والشرفاء الصقليين، دون استعمال الآلات مطلقا، فإن باقي الطوائف تعتمد في إنشادها على المصاحبة الآلية. فهي تعتمد في أدائها على الآلات النقرية التي تساهم بدورها في بلورة الخصائص الإيقاعية لأغانيهم. ويبدو ذلك جليا من وفرة هذه الآلات التي تصاحب الإنشاد وحركات الرقص، كالطبلة لدى القاسميين، والدف والطاسة عند التهاميين، والطارة عند العيساويين، والهواز لدى هداوة، والتعريجة وأكوال عند احمادشة، والبندير لدى الجيلاليين.

الرقص الصوفي (الحضرة)

تمسكت العديد من الطرق بالرقص والزوايا تمسكا عظيما بالحضرة أو الرقص، لأنها تعتبره أداة فعالة في تحقيق المقاصد الصوفية. وتسمى حصة الرقص الصوفي: الليلة؛ وتعد أهم طقوس الطوائف الصوفية على الإطلاق خلال حفل عيد المولد النبوي، وتأخذ الليلة طابعا يمزج بين التراتيل الدينية التي تمتدح الرسول وتتوسل إلى الله بأوليائه، وبين التعبير الجسدي: الحضرة؛ التحيار؛ الجدبة التي تنتهي بحالة الاسترخاء الكلي التي يشعر بها المشارك. وعادة ما تؤدى الأناشيد والألحان في الليلة العيساوية بالاعتماد على خاصا على المستمعين، الذين قد يحدث عند بعضهم انفعال خاص.

وتمر الليلة بمراحل: تبدأ في الطريقة العيساوية بقراءة الحزب، حيث يتحلق المريدون لتلاوة وردهم بقيادة المقدم، ثم الذكر، وهو قراءة قصائد المديح التي تشكل ما يسمى بالمولديات، ثم حصة الحرم، التي تعتبر مدخلا تمهيديا للحضرة، وتعقبها: أحد وهي رقصة فردية يؤديها مريد وسط حلقة من زملائه، الذين يرددون جماعة غناء دينيا يبرز وحدانية الله عز وجل. ثم الحضرة، التي تبتدئ بالربانية، التي لا تفتأ تصل إلى مرحلة المجرد بعد تصعيد حدة الرقص ثم عودة إلى الربانية، فنهاية الرقصة بالعودة لتلاوة الأذكار والتسبيح والدعاء.

بينما في طائفة حمادشة، تنطلق الحفلة بتلاوة الأوراد ثم حزب الشيخ، ثم الأذكار، فالحضرة التي تتميز عن الحصص السابقة لها باستعمال الآلات الموسيقية والرقص على نغماتها رقصا يتدرج في وتيرة تصاعدية حتى يصل الراقصون إلى درجة الانتشاء، ثم عودة تدريجية إلى مرحلة الهدوء.

إلى جانب حلقات الرقص الصوفي الدقات بواسطة آلات التعريجة، الطاسة، البندير، الطبلة، الدف، وأبواق النفير، وعبر أداء جماعي ولحن انفرادي. ويشتهر شعبيا عن هذا النسيج الموسيقي أن له وقعا

التي تنعقد بالزوايا بمناسبة ذكرى المولد النبوي، تشهد شوارع بعض المدن المغربية استعراضات فنية كبرى، يطوف خلالها المريدون بشوارع فاس وهم حاملون للمباخر النحاسية المتقنة الصنع التي تزيدها أشعة الشمس بريقا ورونقا، أو بشوارع سلا التي تشهد استعراضات موكب الشموع الذي لا نظير له في البلاد العربية والإسلامية.

موكب الشموع في ســــــــــلا:

تتميز مدينة سلا بتنظيم موكب للشموع مع حلول عيد المولد النبوي، ويشرف الأشراف الحسونيون على تلك الاحتفالات التي ترافق هذا الحدث الهام في تاريخ المغاربة والمسلمين عامة.ولعل أصل هذه العادة ما ذكره أحمد المقري في “روض الآس” بمناسبة حديثه عن المولد النبوي في عهد المنصور السعدي، حيث يقول عن حفلات الشموع وهي “أعظم من الأسطوانات يطاف بها في البلد ومعها آلات.. فإذا وصلوا بها إلى قصر الخلافة أدخلوها إلى المشور العلي، وقد اتخذت لها آلات عظيمة من النحاس المحكم الصنعة… فترى صُعُداً في السماء كالمنارة”.

فمن المعروف أن الملك السعدي أحمد المنصور الذهبي تأثر خلال زيارته إلى إسطنبول بالحفلات التي كانت تنظم بمناسبة المولد النبوي الشريف، فأعجب خاصة باستعراض الشموع. وعندما تربع على العرش بعد معركة وادي المخازن استدعى صناع فاس ومراكش وسلا، قصد صنع هذه الهياكل الشمعية. فتم الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف سنة 986هـ. وهكذا كان المنصور الذهبي يأمر الشماعين احتفالا بالمولد النبوي بتطريز الشموع فيتبارون في نسج أشكالها وصياغة أنواع منها يحملها ليلة المولد الصحافون المحترفون بحمل خدور العرائس عند الزفاف منذ جنوح الشمس إلى الغروب تتبعها الأطبال والأجواق والمعازف فتستوي على منصات بالإيوان الشريف وتوضع بعد صلاة الفجر أمام المنصور مختلفة الألوان من بيض وحمر وخضر مع الحسك والمباخر”. وكانت حفلات الشموع تقام بحضرة الملك في مراكش، ومنها انتقلت بعد ذلك إلى بعض الحواضر المغربية كفاس وسلا وغيرهما، لكن مدينة سلا هي المدينة الوحيدة التي احتفظت بهذه العادة.

وحاليا، يبادر كل سنة إلى إحياء هذه التظاهرة، التي تبلغ من العمر أربعة قرون، الشرفاء الحسونيون، بمناسبة عيد المولد النبوي. وهكذا يجسد موكب الشموع بسلا طقوسا احتفالية عريقة حافظ عليها السلاويون على مدى عقود فبات مكونا مهما من مكونات الذاكرة الثقافية المحلية. علاوة على كونه شكلا من أشكال التعبير عن البهجة بحلول ذكرى مولد النبي. وينطلق الموسم بإقامة الاحتفالات بالزاوية الحسونية طيلة أسبوع، يتم خلالها إخراج هياكل الشموع، التي احتفظ بها طوال السنة في ضريح مولاي عبد الله بن حسون، شهرا قبل حلول العيد لترسل إلى منزل صانع الشمع من أجل زخرفتها من جديد، حيث تتفنن يد الصناع التقليديين بهذه المدينة، خاصة عائلة بلكبير السلاوية التي اختصت بهذا الفن الذي توارثه جيلا عن جيل، عن عائلتي شقرون وحركات. وعادة ما ينطلق موكب الشموع بعد صلاة عصر اليوم الحادي عشر من ربيع الأول، حيث يجتمع بالسوق الكبير قرب دار صانع الشموع، قبل أن يتوجه عبر أهم شوارع المدينة إلى ساحة باب المريسة، فيتولى حمل الشموع رجال يسمون بالطبجية بزيهم التقليدي تصحبهم أجواق الموسيقى على إيقاع الطبول. وبساحة باب المريسة يؤدي الموكب، الذي يتقدمه الشرفاء وأتباع الزاوية الحسونية، رقصات الشموع، قبل أن يتوجه إلى دار الشرفاء حيث يقام حفل تقليدي تحضره النساء والأطفال بأزيائهم التقليدية، لينتقل بعد ذلك إلى ضريح سيدي عبد الله ابن حسون الذي تعلق به الشموع. وبعد هذا الطواف، يقام حفل عشاء بدار الشرفاء يحضره جميع المشاركين، ثم يلتحق الحضور بعد ذلك بزاوية مولاي عبد الله بن حسون لمتابعة رقصة الشمعة على نغمات الموسيقى الأندلسية والأمداح النبوية.

وتقام في الأيام الموالية للعيد حفلات خاصة بالذكر الصوفي، وفي اليوم السابع يتم بدار الشرفاء حفل إعذار اليتامى وأبناء المعوزين فيما تقام بالزاوية الحسونية حفلة تسمى «الصبوحي». يختتم بحفل «القصعة التقليدية»، ثم حفل خاص بالحضرة الحسونية، وحفل ديني للطوائف الدينية بدار الشرفاء.

احتفــــــــــــــال السلطة بذكرى المولد النبوي

على غرار مساهمة السلاطين الفاطميين في سن الاحتفال بهذا العيد بمصر، ساهمت الأسر الحاكمة التي تعاقبت على حكم المغرب منذ القرن الـ13 م على ترسيخ الاحتفال بعيد المولد النبوي بهذا البلد. وكان السلاطين المرينيون أول من سن هذه الاحتفالات بالمغرب؛ حيث “كان السلطان يعقوب بن عبد الحق أول من احتفل بعيد المولد النبوي بفاس ثم عممه ابنه يوسف على جهات المغرب”.

ويمكن تحديد العوامل التي كانت وراء اتخاذ الحكم المريني لهذا القرار في الدوافع التالية:

– افتقاد الحكم المريني لأية شرعية دينية بخلاف الحكم المرابطي أو الموحدي.

– تنامي نفوذ الشرفاء الأدارسة بفاس خاصة بعد اكتشاف قبر المولى إدريس.

– ظهور قوى سياسية منافسة للحكم المريني مرتكزة إلى المشروعية الشرفاوية كالزوايا، والأسرة السعدية، والأسرة العلوية فيما بعد.

لذا، فقد اهتم السلاطين المرينيون بتنظيم مراسيم خاصة للاحتفال بهذه الذكرى.

المغاربة وقدسية رمضان:

قلما تجد المجاهرين بالإفطار في شهر رمضان، وإن ظهرت بعض معالم فئة تثير الشفقة حاولت خلال السنوات الأخيرة تحدي إجماع الأمة على قدسية هذا الشهر، وحشدت بعضا من مناصريها لا يتجاوزون العشرين لإعلان الإفطار بساحة عامة، مما جلب عليهم الإنكار والاحتجاج من طرف أشخاص باللغة الدارجة” مشمكرين”  هجموا عليهم واستنكروا سلوكهم. قد تجد المغربي لا يصلي ولكنه لا يستطيع أن يجهر بالإفطار في رمضان ولو تطلب الأمر نوم نهاره كاملا. إنه المقدس وما عداه مدنس، كما لوحظ في الآونة الأخيرة اهتمام المغاربة بتحفيظ وحفظ القرآن لاسيما في صفوف النساء وأقيمت مسابقات وتحفيزات وأنشئت جمعيات، وامتلأت العديد من مساجد المملكة بالشباب بالرغم من لباسهم الإفرنجي وتسريحات شعرهم ، وطرق تواصلهم، إنها متناقضات غريبة، وعرف المغاربة إقبالا كبيرا على العمرة والحج، وبناء المساجد، وتأسيس جمعيات اجتماعية لمساعدة الفقراء والمحتاجين، وغيرها من مظاهر الرجوع للتدين عبر مسالك مختلفة، وبوتيرة سريعة ، وفي نفس الوقت برزت جرأة على محارم الله والمقدسات.

يكتسي شهر رمضان في المغرب خصوصية حضارية وسلوكية جديرة بالانتباه، تجسدها منظومة متكاملة من العادات والتقاليد، التي تعكس تقديس المغاربة لهذا الشهر، وتجندهم لتأثيثه بممارسات ذات طابع تعبدي وسلوكي واجتماعي واقتصادي أيضاً.وفي بلد يعرف بثقل موروثه الحضاري وتنوع روافده الثقافية، فإن رمضانيات المغرب تدفع إلى السطح بظواهر وطقوس خاصة تصل ماضي البلاد بحاضرها، كما لا تخلو من ممارسات دخيلة تجد مرجعها في تطور الأخلاقيات العامة.أياما قبل حلول الشهر الفضيل، تعلن حالة استنفار قصوى داخل البيوت المغربية استعدادا لأجواء الصيام، ويتهافت الناس على الأسواق خاصة الشعبية منها، والتي تعبق بروائح لا تخطئها الأنوف، إنه زمن ازدهار تجارة التوابل التي تصنع ملذة جل الأكلات المغربية الشهيرة التي تتسيد المائدة في شهر الصوم. كما تفتتح محلات موسمية تعرض الحلويات الخاصة برمضان.ومما يلفت الانتباه في السلوك الاقتصادي للمواطن المغربي في هذا الشهر، أن الإنفاق الزائد لا يقتصر على طبقة بعينها، ذلك لأن الشرائح الضعيفة والميسورة تبذل وسعها لتجهيز موائد الإفطار والعشاء والسحور، وتكون نتيجة هذا التهافت على شراء المواد الغذائية ندرة بعض هذه المواد وارتفاع الأسعار، برغم جهود المراقبة التي تقوم بها السلطات العمومية، من جهة، واستنزاف مدخرات البيوت المتواضعة من جهة أخرى. بل أدهى من ذلك، تتنافس مؤسسات القروض على إغراء صغار الموظفين وذوي الدخل المحدود بالاستفادة من فرص “ملغومة” للحصول على “سلفات” للتكفل بمصاريف شهر يفترض أنه للتعبد والتقرب إلى الله. 

رمضان المغربي يكتسي أيضاً حلة مظهرية متميزة تحاكي روحانياته. إنه موسم تتألق فيه الأزياء التقليدية التي باتت علامة هوية وأيقونة تحيل على البلد وأهله، إذ تتنوع أذواق الرجال والنساء في التحلي بالجلباب بألوانه وتصميماته المتنوعة التي واكبت العصر وانفتحت على العالم، جامعة بين الأصالة والاحتشام من جهة، وروح الموضة العصرية من جهة ثانية.

وتضطر محلات الخياطة التقليدية إلى تمديد أوقات العمل لتلبية طلبات الزبائن، وإن أصبحت تواجه منافسة بوجه الألبسة التقليدية الجاهزة التي تصنع بكميات كبيرة وبأسعار أقل في معامل النسيج. وبالطبع يرافق الجلباب نعل جلدي يسمى “البلغة” كان ينحصر سالفا في اللون الأصفر بالنسبة للرجال قبل أن تتنوع ألوانه ومواد صنعه. 

وكأي بلد إسلامي، تستقبل المساجد روادها في الأوقات الخمسة مع حرص الصائمين على صلاة الجماعة، خصوصا مع تساهل الإدارات العمومية مع موظفيها في التقيد بمواقيت العمل. وتسطع أنوار المساجد في صلاة العشاء والتراويح بحيث تضيق بالمصلين فأصبح من المعتاد أن تتراص صفوف طويلة خارج المساجد وعلى قارعة الطريق لأداء الشعيرة، ليتفرق الجمع بعدئذ بين من يعود إلى بيته ليعيش أجواء أسرية خاصة، ومن يقصد المقاهي التي تنتقل ذروة نشاطها الى الليل في سهر ممتد الى وقت ما قبل السحور، تتناسل حول طاولاتها نقاشات السياسة والرياضة وأحوال المجتمع أو تحتدم على رقعتها مباريات لعب الورق. 

وبقدر ما تتعزز مظاهر التدين في رمضان المغربي وتزدحم المساجد بزوارها وتزدهر مشاريع الخير والإنفاق على الفئات المحتاجة والإسراع الى صلة الرحم والإطعام من خلال موائد الرحمن، التي باتت تشرف عليها جمعيات أهلية، فإنه في المقابل يكشف عن تناقضات سلوكية غريبة لدى شرائح تعيش الصوم في النهار وحياة السهر والمجون أحيانا بعد مدفع الإفطار.

إذ يتضاعف نشاط مقاهي الشيشة وتهيئ بعض المقاهي فضاءها لسهرات غنائية مطولة يختلط فيها الشبان والشابات، أما داخل الأسواق والمجالات التي تعرف احتكاكا بشريا هائلا، فيشهد السائرون حلقات يومية من نوبات جنون الإمساك عن التدخين، شجارات دامية أحيانا وتبادل للسب والشتم لدواع تافهة تستدعي تدخلات مستعجلة لدوريات الأمن، التي تعزز حضورها في الشارع العام لضبط وتأمين حركة الناس والسيارات، خصوصا في فترة ما بعد الزوال وحتى اللحظات الأخيرة لما قبل الإفطار.

تغيرات بالجملة في السلوك الإنفاقي، الحالة المزاجية، العلاقات الاجتماعية، الجدول الزمني اليومي للصائمين وغيرها تطبع شهر رمضان في المغرب الذي يوفر عموما فرصة للوقوف على نموذج شعب يجمع بين التمسك بالشعائر المقدسة، والانفتاح على تيارات الراهن بمختلف تلاوينها.

خلاصة:

إن  لدراسة التراث الشعبي أهمية كبيرة في فهم تمثلات الأفراد للدين، كما تساهم في توطيد العلاقة بين ماضي الشعب وحاضره ، وربط هذا الحاضر بتطلعات الشعب المستقبلية ، ومن هنا تتعاظم أهمية مؤسسات البحث في التراث، وتشتد الحاجة إليها في الوطن العربي عموما والمغربي خصوصا.وتبين أن التمسك بالمورث الشعبي ظاهرة صحية ، وقد قيل : “من لا تراث له.. لا وطن له”.. وكثيراً ما استخدمت عناصر التراث لتدعيم قضية صراع وطنية ، وكسب حقوق ، ونحن اليوم في مواجهة سارقي حضارات ، وقد تكالبت علينا الأمم ، والصهيونية العالمية تسرق الأرض ، والزي ، والحكاية، والمأكولات الشعبية ، وتنسج منها ثقافة تدافع عنها. إننا اليوم أحوج الناس للدفاع عن هذا الموروث ، لا أن ننظر إليه نظرة استخفاف ، واستهزاء ، وتعال. إن تمسكنا بتراثنا سيكون أنجع، إذا أدركناه ، وتعلمناه  وتذوقناه ، وعلمنا كنهه ، ونقلناه للأبناء.

إن محاولة فهم تدين المغاربة ليس بالأمر السهل، وقد تبين من خلال الرصد أن المدنس اقتحم المقدس وأصبح الثاني سجينا له ، وتابعا لطقوسه وآلياته ، لا يعبأ به ، وانخرط في تسييجه إلى جانب مستفيدين منه ، لوبيات ، لما يجنيه هؤلاء من تبليذ الحس وسجن العقل وعدم تحرره من الخرافات والشعوذة. لقد استطاع الفكر الخرافي أن يقيد مثقفين وبعض أدعياء العلم من السحرة و” الفقهاء ” الذين يقومون ب ” السبوب ” مدعين علمهم بالرقية الشرعية ، ويتحايلون على ضحاياهم بأساليب شيطانية ومنها : ” البخور ، والحجاب ، وشرب الماء الساخن ، والمشي على الزجاج، ويلمس ذلك كل زائر  لأي ضريح ، وسيقف بلا شك على الحيل والأكاذيب ، والاستغلال للدين وفساد مدعي الولاية ، وتدليسهم ونصبهم ، مما لا يستطيع تحمله العقل ، ولا استيعابه لا سيما أن من بين ضحاياه أناس مثقفون .

لقد اختفت طقوس الزواج وأصبحت حديثة وتابعة للتمدن والمدنية والحداثة ، وبعض معالمها القديمة تجدتها في الدواوير البعيدة والتي تأثرت بدورها بال” البارابول” والأفلام المدبلجة التي تسجن النساء طيلة سنوات تتجاوز الأربع . لقد خضعت البادية للتحولات الاقتصادية والاجتماعية وانسلخت من هويتها ، وأصبح أهل البادية يتطاولون في البنيان وعرفت سطوحهم المئات من الصحون ، وتغيرت حياتهم ، وأثرت على بهائمهم وقطعانهم. واختفت ال ” الكيلة ” أي القيلولة وهو وقت استراحة القطيع من حرارة الشمس ، وأصبح الدجاج والدواجن لا يعرف ليله من نهاره. كما غابت متعة ” الدراس” و” الكاعة”  (مكان لدرس الحبوب) لفصل الحب عن سنبله ، كما انقرض ” النادر” مكان يوضع فيه التبن، والمطمورة” يطمر فيها الزرع ، و” الشكوة” و” بركوكش” والأهازيج المصاحبة لها. وبدأ يختفي ال” طعام بالتفاية” أي ب” الزبيب” العنب المجفف، و” الشريحة” التين، و” الخبيزة” و ” السمن ” البلدي، و” الرابوز” و” الكدرة” و” لعدال” وعادة ” تاغنجا” وغيرها.كما بدأ حفظ القرآن الكريم بالطريقة التقليدية يتوارى أمام الطرق الحديثة، وهذا لا ينفي رجوع العديد من المغاربة إلى كتاب الله والاهتمام بدراسته وحفظه، وكذا السنة النبوية، وفي نفس الوقت توارت الأهازيج الشعبية أمام ” الراي” والموسيقى الغربية، والزي التقليدي أمام ” المودا” و” السلهام” أمام ” دجاكيط”  و”السروال القندريسي” أمام ” الدجين”.

إن التراث الشعبي ، يحتاج إلى الاهتمام به ونفض الغبار عنه،لأنه يعكس تاريخنا ومتخيلنا الجماعي ، وما يزخر به من ثراء وخصوبة ، لا يمكنهما إلا أن يفعلا مفاعيلهما في تطوير علاقتنا بأنفسنا أي بلغتنا وثقافتنا وهويتنا وتاريخنا ، ونعزز بذلك انتماءنا إلى ثقافتنا وتاريخنا.وبذلك يمكن أن نسهم في إثراء التراث الإنساني بجزء غني من عطاءات أجيال تعاقبوا على أرض هذا الوطن وساهموا في تشكيله بكيفية دالة على عبقرية مذهلة في التفاعل مع جغرافيته وتاريخه.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرينبلات و”صفقة القرن” للكاتب الفلسطيني “منير شفيق”

    المقابلة التي جرت بين جودي وودورف وجيسون غرينبلات، ونشرت على المواقع في 17 ...