الثلاثاء 17 يناير 2017 - 07:51إتصل بنا |
دروس من شرق أفريقيا
دروس من شرق أفريقيا

لم يتوقع الكثير أن تبادر دولة إفريقية صغيرة وفقيرة عانت من ويلات الحرب الأهلية كرواندا بخطوات شجاعة من قبيل استبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية والعمل على تدريسها للأبناء في المدارس والجامعات ،لتحتل مكانة هامة وحيوية في عالم المال والتجارة والاقتصاد.

 أجل، إنها مبادرة جريئة لن يكون من وراءها إلا الرجل القوي على رأس السلطة في رواندا بول كاغامي الذي يحسب لسياسته أنها استطاعت فرض الأمن و النظام مع وضع لبنات أساسية لإعادة بناء الدولة وبنيتها التحتية، على الرغم من بعض المؤاخذات التي تتهمه بالقبضة الحديدية اتجاه معارضيه، إلا أن نجاحه في فرض الأمن وإبعاد شبح الحرب الأهلية يشفع له عند دول الغرب والمنتظم الدولي، الشيء الذي أدى بالكثيرين بتشبيهه بكمال أتاتورك وسياسته الإصلاحية الجذرية في عدة مجالات.

هذا الأمر يعيدنا إلى إشكالية المسألة اللغوية بالمغرب واستمرار هيمنة لغة المستعمر الفرنسي على مناحي التعليم، الاقتصاد ،الادارة والسياسة، مما أدى إلى تبعية ثقافية، أصبحت مكلفة جدا اليوم في سلم التنمية التي تجعل من اللغة الفرنسية لغة مهددة بالانحسار ومقبلة على خفوت مخيف، قد يوصلها إلى فقدان مكانتها كلغة علمية أمام اكتساح لغات أخرى تبقى من أهمها اللغة الإنجليزية.  

إذا كانت الدول تتسابق لتزويد ترسانتها من الأسلحة المتطورة ووضع القديمة المتهالكة منها في مخادع سوق الخردة، فإننا للأسف مازلنا متشبثين بسلاح لغوي متهالك وهي اللغة الفرنسية التي تعاني من تراجع ملحوظ، حيث تركت مكانها للغات أخرى بارزة بقوة كالإنجليزية المهيمنة على المعاملات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية والانتاج العلمي والثقافي .

إذن، مازلنا نعيش في كنف هيمنة اللغة الفرنسية في غيبة عن إدراك عمق التحولات الدولية وموقع ميزان القوى في العالم، حيث بات التعليم الفرنسي متجاوزا مقارنة مع التعليم الأنجلو اكسوني المتكئ على لغة إنجليزية متجددة تغزو عوالم الاقتصاد والمعرفة والأنترنت، وتحمل في نسيجها الثقافي سلوك البحث والابتكار والعمل والإنتاج.

في المقابل نجد أن الفكر الفرنكفوني أصبح لصيقا بسمة التحجر والتعصب الثقافي المتسم بثقافة النقد والاحتجاج المرضي من دون إعطاء بدائل واقعية، فضلا على أن اللغة الفرنسية غارقة في التعقيد  النحوي والبلاغي والتركيبي الذي يجعل من المرء يبذل مجهودا مضاعفا دون اكتساب لغة تواصلية عالمية.

الشيء الجدير ذكره، أن تداخل وتشابك مصالح النخب الحاكمة في المغرب مع المصالح الفرنسية، جعل الحسم في مسألة التبعية اللغوية شديد الصعوبة والاختراق، إذن هل الآن الأوان لأخذ العبر من دول كنا نعتقد إلى وقت قريب دولا مغمورة فأصبحت لها شخصية وحرية اتخاذ القرار وبالتالي التحرر  من نير العبودية والتبعية.

بقلم محسن زردان

كاتب وباحث

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات