دقة التحليل و صوابية التظير

بقلم أبو أيوب

آخر اسبوع من شهر يوليوز سنة 2014، و بالضبط يوم الخميس، نشرت صحيفة ما وراء الحدث لصاحبها ذ عبد الحميد العوني، من قلائل المحللين السياسيين ذوي البعد التحليلي و النظرة الثاقبة، مقالا تنبأ من خلاله بنشوب مواجهة بين المملكة المغربية و منظمة الأمم المتحدة فيما يتعلق بقضية الصحراء، هذا المقال التحليلي تسبب في إغلاق الصحيفة حديثة العهد و منعها من الصدور. توالت الأيام و الشهور لندرك من بعد، صوابية و دقة التحليل، بعدها :

*استفاق المغرب على  أخطر تصريح للأمين العام السابق للمنظمة الدولية السيد بان كي مون، إثر زيارته لمخيمات لحمادة بتندوف في إطار جولة للمنطقة، حيث رفع شارة النصر، متهما المغرب بالإحتلال، تصريح جلب عليه غضب المغرب و الإمتناع عن استقباله، مناسبة استغلها المغرب للدفع بمظاهرات صاخبة عمت شوارع المدن الرئيسية “الرباط/ البيضاء”، حيث تعالت الحناجر منددة شاجبة، اختلط فيها الحابل بالنابل، بين من يندد ببنكيران و من يشجب بان كي مون، و آخرون لم يعرفوا بتاتا لما تم الإتيان بهم، أجمع بعض المراقبين كون المسيرات كانت أضحوكة، إذ كيف تمت تعبئة جبهة داخلية من كل ألوان الطيف السياسي بينما الجماهير المشاركة غير دارية بسبب الغضبة إلا من رحم ربي ؟.

* بظهور السيد انطونيو غوتيريش مكان الكوري الجنوبي، تنفس المغرب الصعداء، ظنا منه أن البرتغالي الذي خلف بان كي مون سوف يصلح ما أفسده هذا الأخير، لكن التصريحات المتداولة لم تخرج عن نطاق المقاربة الأممية في التعاطي مع المشكلة الصحراوية، طبقا لتوصية اللجنة الرابعة للأمم المتحدة المكلفة بتصفية الإستعمار، و لقرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة التي تنص على وجوب إجراء مفاوضات مباشرة دون قيود أو شروط مسبقة، في سبيل إيجاد حل متوافق بشانه  لمشكل عمر طويلا، بحيث لم يعد في الإمكان مواصلة التغاضي، كل المبادرات دون استثناءً وجب طرحها على الطاولة، ليصار إلى تنظيم تقرير المصير، عندما أحس المغرب بما يحاك في الخفاء، سارع إلى الطعن في عدم حيادية المبعوث الشخصي للأمين العام الأمريكي كريستوفر روس، متهما إياه بمحاباة الطرف المنازع مطالبا في نفس الوقت بوجوب استبداله لانعدام نزاهته، في المقابل تمسكت الأمم المتحدة بمبعوثها و بضرورة الإمتثال و التجاوب معه، لينطلق فصل آخر من الأخذ و الرد و المعاندة و المشاكسة بين مختلف الأطراف، ما عجل بتقديم الإستقالة على أمل تعيين مبعوث أممي جديد يحظى بثقة الجميع. رسى الأمر أخيرا على شخص ذي تجربة و كاريزما مشهود له بها دوليا، رئيس سابق لألمانيا و مسؤول كبير سابق بالبنك الدولي، معروف عنه حنكته و خبرته و دهاءه و تكثمه و بعده عن و تواريه عن وسائل الإعلام، يعمل بروية و صمت وفق منطق  تدريجي إلى أن ينال المبتغى.

* بعد أن ضمن دعم و مساندة الأمم المتحدة، انتقل إلى خطب ود الإتحادين الأوروبي و الإفريقي، في مسعاه إيجاد حل للمعظلة، دون أن يثير حفيظة هذا الطرف أو ذاك، محتاطا من طريق محفوف بالألغام و المطبات، لم ينطلق من فراغ، بل من إطلاع و إلمام  بتجارب من سبقوه “الأمريكيان بيكر/ روس”، محافظا على نفس المسافة مع مختلف الفرقاء، و إن كان لا يخفي ميله لأطروحة الخصوم أسوة بما يضمره مستشار الأمن القومي الأمريكي السيد جون بولتون، كلا الرجلين لهما نفس الرؤيا و النظرة. الأول مهندس الطاولة المستديرة بجنيف و الثاني مبدع تقليص مدة انتداب المينورسو لستة أشهر بذل السنة، في محاولات ضغط متزايد.

* بمجرد تقديمه لإحاطته أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي يومي 29/28 من الشهر الجاري، تناقلت مختلف وسائل الإعلام الدولي، تصريحات الممثلين الدائمين حيث أجمع الكل على الإشادة  بالمقاربة الكوهلرية، بخاصة ممثل كل من ألمانيا و جنوب إفريقيا و روسيا و الصين …. كلهم نادوا بدعم و مساندة المجهود الذي يقوم به المبعوث الشخصي، هذا الأخير أخبرهم بنيته لقاء كل من المغرب و البوليزاريو و الجزائر و موريتانيا خلال الشهر القادم “فبراير”، تحضيرا لثاني طاولة مستديرة بمشاركة جميع الأطراف سوف يدعو لها شهر مارس المقبل، على بعد شهر من جلسة مجلس الأمن الدولي المقررة نهاية أبريل، موعد التطرق لتمديد انتداب البعثة الأممية من عدمه.

* على ضوء الأحداث الاخيرة : 

    – زيارة وزير خارجية فدرالية روسيا الإتحادية للمنطقة المغاربية و ما صاحبها من تصريحات أغلبها لا تطمئن. 

    – إلتئام الإجتماع الوزاري التحضيري لقمة الإتحادين الإفريقي/ الأوروبي بمشاركة وزير خارجية الوهم، المزمع عقدها سنة 2020 .

    –  على بعد أيام قليلة من انعقاد القمة الإفريقية المقرر عقدها أواخر الأسبوع الأول من شهر فبراير و ما ينتظر منها من قرا ات. 

    – شروع بعثة الأمم المتحدة المينورسو في استحداث موقع للرصد و المراقبة بمنطقة الكركرات “الموقع العاشر” و ما له من تداعيات على مجمل القضية، على ضوء هذه الأحداث، انبرئ الممثل الدائم للمغرب السفير السيد عمر هلال، بعد تقديم إحاطة المبعوث الشخصي، حيث أدلى بتصريح لوسائل الإعلام  مفاده أن المملكة المغربية ليست على استعداد لخوض غمار أية مفاوضات خارجة عن إطار المقترح المغربي، القاضي بمنح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية، و ما سواه عبث و مضيعة للوقت، تصريحه هذا نابع من إحساس عميق و شعور استشعاري لما يختمر داخل دهاليز و كواليس مجلس الأمن، و ما قد يتخده المجلس من قرارات لا تصب بالضرورة في صالح المغرب، بحكم تجربته الطويلة بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة “فيينا” أو من خلال تدخلاته أمام اللجنة الرابعة المكلفة بتصفية الإستعمار، حيث راكم خبرة و تجربة جد معتبرة مكنته من اكتساب نظرة استباقية لما يتم التخطيط له.

من هذا المنطلق، يمكننا الزعم بأن المغرب سيجد نفسه قريبا في مواجهة مفتوحة على كل الإحتمالات مع الأمم المتحدة، هذه الأخيرة تقول بوجوب عدم الإشتراط، بينما المغرب يشترط، أما الخصم فيدفع بعدم قابلية تقرير المصير لأي التفاف أو تخطي، لتجد الأمم المتحدة نفسها أمام عدة اختيارات، أولها سحب بعثة المينورسو، انسحاب يؤدي بالضرورة إلى اشتعال حرب إقليمية سوف تتمدد نحو الجوار “الجزائر/ موريتانيا” ، هذا ما لا يبتغيه مجلس الأمن، ثانيهما فرض حل على الأطراف تحت مقتضيات الفصل السابع من ميثاق المنتظم الدولي، مع الإشارة بالبنان  للطرف المعرقل، بناء عليه،  وجب تحمل التبعات، لذا وجب الإنصياع لأحكام الشرعية الدولية.

هذا بالضبط ما تنبأ به و جاء على لسان ذ عبد الحميد العوني في آخر طبعة بداية صيف 2014 لصحيفته الأسبوعية “ما وراء الحدث”، تقريبا خمس سنوات مرت على النبوءة أو التحليل المنطقي المتبصر، و عمق البصيرة النافذة  لصلب الحدث، فهل سيتحقق ما نخشاه و نجتنبه ؟ أم أن أهل مكة أدرى بشعابها ؟. لننتظر و نترقب و نرى ما تخبئه الأيام لوطن ضاق درعا بتواصل الإستفزازات و التطاولات، و لم يعد يتحمل المزيد.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كعكعة المناصب العليا…الحقاوي تقصي الحركة الشعبية في مقابلة التعيين لمنصب مدير التعاون الوطني

قبيل ساعات من الإعلان المرتقب عن تعيين مدير للتعاون الوطني، بالمجلس الحكومي ليوم الخميس ،تعيش ...