ربيع دمشق

بقلم أبو أيوب

 بانسحاب آخر جندي أمريكي من التراب السوري في خطوة فاجأت الجميع, و بدخول الجيش السوري مدينة منبج شمال البلاد,  يكون آخر مسمار قد دق في نعش التحالف الدولي المشكل من حوالي 84دولة, في انتظار أن تتم البهجة باسترجاع ما تبقى من جيوب, دول اجتمعت ثم راهنت, خدمة للمصالح الإسرائيلية, في إسقاط  واسطة عقد دول الممانعة و التصدي لكل المخططات الأمريكية “سوريا العراق لبنان إيران” التي شكلت حلفا موازيا مؤازرا من طرف الصين و روسيا, كدولتين تحظيان بحق الفيتو في مجلس الأمن . للإشارة فقد استخدمتاه في تناوب و تناسق و تناغم أكثر من مرة, ما أفسد الحلم الأمريكي في شرق أوسط جديد طبقا لنظرية صقور الإدارة الأمريكية و المحافظون الجدد على رأسهم, من كانت يوما تتقلد منصب كاتبة الدولة في الخارجية السيدة كوندوليزا رايس, بمعية كوكبة من المتشددين كجون بولتون الذي يتقلد اليوم منصب المستشار الأول في مجلس الأمن القومي الأمريكي, الكل راهن بما فيهم ممالك الخليج على سقوط عاصمة الأمويين في غضون أيام معدودات, و معهم كان ساسة اسرائيل يمنون النفس بتشردم العرب مللا و نحلا, ليتسنى لهم من بعد ضرب الجمهورية الإسلامية الإيرانية, و كسر شوكة حليفها الإستراتيجي و ذرعها العسكري بالمنطقة, حزب الله اللبناني الذي أذاق الأمرين لدويلة اسرائيل و جيشها الذي “لا يقهر” خلال حرب تموز 2006, الحرب التي امتدت ل 33 يوما لم يتمكن خلالها عساكر تل أبيب من التقدم و لو بمتر واحد داخل التراب اللبناني, بل خلالها تحطمت أسطورة الميركافا “دبابة إسرائيلية” و ساعر “سفينة حربية” مفخرة الصناعات الحربية الصهيونية, كما تحطمت و دكت عجرفة و شرف و كبرياء إسرائيل, التي تعودت على إلحاق الهزائم الشنعاء بجيوش أكثر من دولة عربية و في بضعة أيام “حرب 73/67/56”, حيث عدت هذه الهزيمة من بين الأسباب الرئيسية للتكالب على سوريا في محاولة لتمزيقها و خلق دويلات متصارعة متنافرة بينها من جهة  أولى, و من جهة ثانية, إيقاف التمدد الروسي نحو المياه الدافئة للأبيض المتوسط, لقد كانت سوريا بمثابة الداعم الأساسي و المزود الرئيسي لحزب الله إلى جانب إيران, حيث سارعت إلى إيواء النازحين و الفارين من القصف الهمجي و تمكينهم من متابعة الحياة و العيش في طمأنينة و إخاء, أما ثالثهما, محاولة خنق روسيا و كسر احتكارها لصادرات الغاز نحو أوروبا, إثر العرض السخي الذي قدمته كل من قطر و السعودية آنذاك لسوريا, عرض تجلى في مطالبتها بفك الإرتباط مع كل من إيران و حزب الله مع ترخيصها لمرور أنبوب الغاز القطري عبر ترابها في اتجاه تركيا و عموم أوروبا, شيك على بياض قدمه وزير خارجية قطر للرئيس الأسد, لكن الأخير فطن للعبة الفخ فامتنع عن المسايرة و تنفيذ المخطط, لتنطلق حكاية الشعب السوري المقهور و النظام الديكتاتوري و ترسيخ قيم الديموقراطية و حقوق الإنسان, و كان السعودية و قطر و الإمارات, نرويج أو سويسرا العرب, جنات و واحات الديمقراطية في الوطن العربي, لقد جلبوا غلاة المتشددين الهمجيين المرتزقة من كل بقاع العالم, ليس حبا في سواد عيون السوريين و لا نشرا لقيم الديموقراطية, بل تنفيذا لأوامر أسيادهم و أولياء نعمتهم و خدمة لأجندات الغرب الطامع فيما تبقى من خيرات أمة إقرأ, عاثوا في البلاد فسادا و دمارا و خرابا طيلة ثمان سنوات عجاف, لم يدخروا جهدا في سبيل تحطيم واسطة العقد, لو تأتى لهم المراد, لأصبحت دول المشرق العربي عبارة عن كانتونات, سنية شيعية كردية إيزيدية متناحرة فيما بينها, ليتأتى لدولة العام سام تثبيت الهوية اليهودية للدولة العبرية ضمن محيط عاجز ضعيف و مبلقن, ليتسنى لها الريادة و الزعامة و الهيمنة, تدمير سوريا من تدمير ليبيا و مصر و قبلهم العراق و اليوم اليمن, من سخريات القدر, بأموال عربية و بأسلحة تطلق للخلف, إذ حاربوا إخوانهم في الملة و الدين بالسلاح بينما حاربوا إسرائيل بالدعاء.

اما اليوم ,بعد أن تيقنوا, بعد الإنسحاب الأمريكي, أن الأسد باق و أنه استطاع في آخر المطاف,  استرداد ما ضاع من تراب “أكثر من 100/90 من الجغرافيا السورية رجعت لكنف الدولة” و لم يتبق إلا الجزء اليسير, بدأوا بالهرولة كعادتهم نحو دمشق, طلبا للصفح و المغفرة, فهذه السعودية ترى أن لا مانع لديها من استعادة سوريا لمقعدها بالجامعة العبرية, عفوا العربية, و تلك الأردن و الإمارات و البحرين تتسابق لفتح السفارات و إعادة العلاقات لسابق عهدها, و هذه السودان, رئيسها البشير يقوم  بزيارة رسمية لدمشق, أما أرض الكنانة فقد حافظت على شعرة معاوية حرصا و استباقا للآتي و المقبل من أحداث, أما جارتنا الشرقية, فمنذ البداية خرجت عن الصف العربي و أبقت على علاقاتها مع سوريا كما دأبت على استقبال رسمييها من وزراء و زعماء, بينما نحن, فقد بادرنا إلى طرد السفير “إعلانه شخصا غير مرغوب فيه مع بداية الأحداث” و قطعنا العلاقات الديبلوماسية, كما نظمنا الملتقيات باسم أصدقاء الشعب السوري “مراكش” و هاجمنا النظام السوري تحت قبة الأمم المتحدة و سفيره الدائم الدكتور  بشار الجعفري, جاء ذلك على لسان من يتقلد اليوم رئاسة الحكومة المغربية, حيث كال الإتهامات تلو الأخرى إثر مداخلته باسم المغرب, و قال ما لم يقله مالك في الخمر, لنتساءل اليوم عن كيفية عودة الدفئ للعلاقات الثنائية, وبماذا سنبرر الربط إن تم و الإعادة!؟

سوريا اليوم تتعافى و سوف تتغاضى عن كل من أساء و ساعد في التدمير و الخراب, كما أسلفت و أشرت في مقالات سابقة على موقع الجديدة نيوز, حيث قلت أن طائر الفينق سينبعث من تحت الرماد, مضمدا الجراح نحو غذ أفضل  واعد مشرق, تعميرا و إعادة بناء على أسس صلبة, و سوف تبقى سوريا عصية و شوكة في حلق بني صهيون و بني القينقاع و لو كره الكارهون, هنا بالضبط , استذكر مقالا تحت عنوان “الحرب الأهلية نعمة أم نقمة” حيث أعطيت أمثلة عديدة كرواندا و لبنان و إسبانيا و…. و ما وصلت إليه بمجرد إسكات صوت المدافع, حفظ الله وطننا الحبيب .

سنة 2019 ستكون لا محالة حبلى بالمفاجآت و الأحداث لمن غدر و خان, هكذا علمتنا التجارب, لا ثقة في بلد العم سام, إذ سرعان ما يتخلى عن الحلفاء, و الأمثلة كثيرة, من شاهنشاه إيران إلى فيرديناند ماركوس الفلبين و سوموزا نيكاراغوا مرورا بسادات و مبارك مصر و بن علي تونس و بينوشي الشيلي / أمريكا اللاتينية و ليس أخيرا “الأم  بي سي” العجل الضحوك صاحب المنشار و الخشقجة, أو كما لم يشفع لنا نحن المغاربة كوننا أول بلد يعترف باستقلال أمريكا,  في حين كانت الأولى لما بادرت و لا زالت إلى طعننا في الظهر, المنطق يقول كان الأولى أن نتجه صوب أول بلد اعترف باستقلالنا “الاتحاد السوفياتي سابقا”, إنعكاس المعادلة, فهل شهدتم يوما ما تخلي روسيا عن حلفائها ؟  أبدا قط, لقد أثبتت الأحداث الجارية في الأزمة السورية طوال 8 سنوات صوابية الرؤيا و المقاربة, لم تتخل روسيا عن سوريا, دعمت بالمال و السلاح, قاومت و أجهضت مخططات عدة, ناوروت و صدت هجمات متعددة, انطلاقا من إيمانها الراسخ, بكون مفاتيح قصر القيصر اليكسندر توجد بدمشق”مقولته الشهيرة” قبل انطلاق الثورة البولشيفية, استخدمت حق الفيتو و ما سمحت لأمريكا بالتسلط و التجبر و العجرفة, عجرفة بلغت حد تهديدها قرب حدودها بافتعال أزمة أوكرانيا و جزيرة القرم, أو بنشر الصواريخ بكل من بولونيا و دول الجوار, لا لشيئ سوى لترهيبها و دفعها عن إيقاف الدعم و المساندة لدمشق, استبسلت و دافعت لترد  الجميل و تقر بالعرفان لمن أبى الإنصياع و لم يسمح بمرور أنبوب غاز قطر, قاومت الإغراء السعودي “وعد بمليارات الدولارات في صفقات أسلحة”, كما ثبتت في وجه تركيا و تحلت بضبط النفس رغم حادثة إسقاط الطائرة الروسية, إذ استغلتها لصالحها و استمالت الأتراك,  لا سيما بعد الإنقلاب الفاشل ضد أردوغان, حيث سارعت إلى الدعم و المساندة, أي معادلة هذه, دولة من حلف الأطلسي تساند و تدعم من لدن روسيا, المفروض فيها العدو التقليدي للحلف, بعدما تخلى هذا الحلف عن أحد أهم  أعضائه, أمثلة نسوقها لمن يتهافت على صداقة و خدمة أمريكا,  و لمن يتشدق بالعلاقات المتميزة و الصلات الوطيدة, في تناس تام لكون أمريكا لا تؤمن إلا بلغة المال و المصالح, لا صداقات و لا عداوات دائمة, فقط المصالح ثم المصالح الدائمة, هذه هي عقلية الكاوبوي و المسدس, رعاة البقر و قطاع الطرق, من لا تاريخ لهم “américa has no history” لا ملة ولا دين لهم, بالتالي هم لا يؤتمنون, و تاريخهم كله دماء, بخلاف روسيا سواء القيصرية أو البوتينية, مع بعض المؤاخدات, عالم جديد متعدد الأقطاب ولد من زخم و رحم  الأزمة السورية, قطب الرحى و واسطة العقد, أما المنبطحون المستكرشون القابعون الخانعون الساجدون الركع لغير الله, عليهم أن يتعظوا و يأخذوا العبرة, طبقا لما جاء به الذكر الحكيم “و لن ترضى عنك اليهود و النصارى حتى تتبع ملتهم …..” صدق الله العظيم, قد يقول قائل , أن روسيا أيضا نصرانية و ليس في القنافد أملس, ليأتيه الجواب, ثابثة, وفية, مخلصة, صادقة صدوقة, تؤمن بالمبادئ تحترم جميع الديانات بما فيها الوضعية, و الأحلى, لا تتخلى عن الحلفاء ولا تطعن  الأصدقاء “كوبا و فنزويلا مثالا لا حصرا ” , سنتكم سعيدة و طاب يومكم .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من أفتى للحكم لمسلك بتقرير الضرب و الجرح؟

 من افتى للحكم عبد العزيز المسلك  تقديم تقرير عبارة عن شكوى في شان تعرضه الى ...