ضجيج بار-لمان بين المسرحية و القدسية

بقلم أبو أيوب
    “بار لمان”، هكذا يحلو لفئة عريضة من الشعب المغربي وصف القبة التشريعية، تنكيثا على نواب نكثوا ما عاهدوا عليه، منهم من اغتنى و ورث ابنه و صهره قبل أن يقضي نحبه، و منهم من لا يزال يزأر داخل القبة منذ عهود خلت، و كأنه دون كيشوت دي لامانشا و صراعه الأبدي مع طواحين الهواء … فعلا لا شيء تغير نفس الوجوه و نفس التكتيكات و الخرجات و التصريحات، جلهم إن لم نقل كلهم أجمعوا على التسويف ” سوف نفعل كذا ……. و سوف نحقق كذا ….. ” و ما بدلوا تبديلا أو لقانون في صالح الشعب حققوا تنزيلا. 
    بعض خفاف النفوس من ذوي النظرة المتبصرة، يرون أن المغرب قد أخلف موعده مع التاريخ، و ان لا حاجة للبلد بالبرلمان بغرفتيه، و أن الميزانيات الضخمة التي تصرف على التسيير و الإدارة و الرواتب، لو كانت صرفت على ساحة جامع الفنا المشهورة عالميا لكانت أفيد للمغرب في شتى المجالات، سياسيا/ إقتصادية/ إشعاعيا/تواصليا مع مختلف الأجناس، فيما يرى البعض الآخر، أن مجموع ما يصرف على بار- لمان، كفيل بإبعاد المغرب عن السكتة القلبية و إخراجه من دوامة المديونية الخارجية و الإرتهان لمشيئة صندوق النقد الدولي، التقرير الأخير للسيد ادريس جطو وضع الأصبع على الجرح النازف، مديونية المغرب تخطت الخطوط الحمراء حيث وصلت 100/91،2 من الناتج القومي، أي أن البلد يعيش و يسير شؤونه ب8،8 فقط من ناتجه القومي !!!؟؟ إنها بركة وطن و بركة الأولياء و الصالحين يا سادة قد يقول أحدهم، بينما عين الصواب و العقل تقول بانتهاء عهد البركات و المعجزات منذ عهود الرسل و الأنبياء ” و الله و ما قفلنا لا فورنا كما يقول المثل الشعبي ” . 
    من خلال هذا المنطق،  يتضح أن فرجة لحلايقية بقبة بار- الامان تستنزف الجهد الكثير و المال الوفير، مقابل مواعيد عرقوب، فمسرحية القبة لم تكن أبدا قط تسمن أو تغني من جوع إذ خلقت فقط للزينة و البهرجة،  بخلاف قدسيتها التي استنبطتها من خلال الأمواج البشرية التي تحج اليها، كلما اشتد عليهم الخناق و ضاقت بهم السبل، كحجيج بويا عمر أو مولاي ابراهيم طير الجبال، منذ ولادتها القيصرية الثانية ما بعد حالة الإستثناء و الطوارئ، لم يسبق لها أن حققت فرجا في قطاع الصحة، و لا نصرا في قطاع التعليم، قطاع لا زالت تلوكه الألسن لحد الساعة دون أن يرسو على بر الأمان، ملفه تتقاذفه مختلف التلوينات الحزبية، بين منشد للتعريب و آخر متغن بالتفرنيس، فيما لسان حالهم يقول بمزيد من تكليخ المداويخ و تضبيع القطيع … و دليلنا في ذلك هو سكيزوفرينية المجتمع المغربي، حيث لا يقوى المغربي على التواصل اليومي بلغة واحدة بل إثقانه ” العرنسية ” هو السائد، قس على هذا في خصوصياته داخل المنزل، إذ يستحيل بالمطلق عدم تواجد صالون بلدي و آخر رومي، طاجين فخار و طنجرة ضغط” كوكوت” ، مغرفة خشب و شوكة أو ملعقة معدنية ……، إنه فعلا إنفصام في الشخصية، فهم يلعنون فرنسا على نهبها للثروات و تفقيرها للشعوب و ماضيها الإستعماري، و في المقابل، يتغنون بالعلاقات المتميزة و الصداقات التاريخية و الأخوة و حسن الجوار و ……. 
    و علاقة بالموضوع، و بشكل مستفز للعقل الفرنكفوني المغربي، نشرت جريدة لوموند الفرنسية مقالا علميا بعنوان ” إعادة إدخال الفرنسية لن يكون كافيا لإخراج التعليم المغربي من دوامة الفشل “، مقال لكاتبه الأستاذ المبرز في اللغة العربية و الحضارة الإسلامية بمؤسسة ( science po) بباريس السيد rut gros richard، من خلاله يفضح المستور و يؤكد أن السياسة الإرتجالية للدولة،  هي التي أفسدت حقل التربية و التعليم بأن أفشلت خطة التعريب، لكن فرنسة التعليم لن تكون الحل السحري للخروج من دوامة الفشل. و حسب الكاتب، يجب التركيز على القيام باصلاحات عميقة في مجاليين أساسيين :
  • مجال تكوين الاساتذة ( الذي يتم تفكيكه حاليا عبر نظام التعاقد و غياب التكوين) .
  • مجال المناهج التعليمية ( التي يتم استيرادها جاهزة مثل السلع، و لا تتلائم مع البيئة التعليمية المغربية) . 
    قد نعدم المثقفين النزهاء في بيئتنا الثقافية الملوثة بالإيديولوجيا ” الصراع الحالي بقبة بار- الامان بين البيجيدي و … حول التعليم “، لكن هذا لا يعني أن النزاهة قد انعدمت في بيئات ثقافية/ إعلامية نقية أو أقل تلوثا كما جاء على لسان الدكتور إدريس جنداري. 
    و ختاما، و تعميما للفائدة، أود أن أحيلكم  معشر متتبعي/ ات  الجديدة نيوز على مقال سابق نشر بالموقع نفسه، تطرقنا فيه :
– إلى الكم الهائل من الندوات /المخططات/ المجالس العليا / المناظرات ….. الخاصة بإصلاح التعليم منذ السنوات الأولى “لاستقلال” المغرب و إلى يومنا هذا .
–  إلى عدد الوزراء الذين تناوبوا على حقيبة القطاع  من مختلف ألوان الطيف السياسي، لا فرق بين” ميزاني ” و ” حصاني” أو ” سنبلي” و ” نخلي”….. رموز لأحزاب ترهلت و شاخت و ما بدلوا تبديلا، و بقيت معظلة التعليم متجدرة، و كأني بها ذات مناعة مكتسبة ضد كل ما هو إصلاح و تحيين . ببساطة، إنها سياسة دولة تروم من خلالها، مضاعفة أعداد الجهلة المنومين، و السفلة الساسة المتنمرين، و أشباه المثقفين المتنطحين المنبطحين .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرينبلات و”صفقة القرن” للكاتب الفلسطيني “منير شفيق”

    المقابلة التي جرت بين جودي وودورف وجيسون غرينبلات، ونشرت على المواقع في 17 ...