السبت 29 أبريل 2017 - 00:31إتصل بنا |
Aucun texte alternatif disponible.
عن تحولات صناعة الرأي والقرار في المغرب
عن تحولات صناعة الرأي والقرار في المغرب

ثورة الأنترنت بلغ مداها إلى صناعة الرأي والتأثير على صنع القرار، نعم فسرعة تزايد انتشاره بين الناس بشكل مضطرد، جعل المعلومة في كل مكان، وتصل بأقصى سرعة ممكنة، حيث أن مجرد حدث قد يبدو بسيطا، يمكن أن يأخذ أبعادا أخرى في حالة تصويره وتسجيله وتناقله وتقاسمه بين المنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن القول، بأن صناعة الرأي يقصد بها مجموع الأفكار والتصورات المشكلة حول موضوع معين، حيث تتحول إلى قناعات تحدد توجه الأفراد والجماعات، وتمنح نوعا من قابلية الاستعداد لردة الفعل، لذلك فهناك حرص شديد ووعي كبير بخطورة صناعة الرأي في المجتمعات.

المواطنون وجدوا ضالتهم في التعبير عن آرائهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وتوجهاتهم الفكرية والثقافية والسياسية بطرق يسيرة عبر عوالم الانترنت، ليتخلصوا من احتكار المنابر الاعلامية التقليدية التي كانت تتحكم في الخبر وتضع حدودا ومعايير دقيقة قبل نشره تراعي الخط التحريري وتحافظ على توازنات الأمن الداخلي للبلاد.

تعليقات المواطنين بمختلف شرائحهم على الأحداث اليومية للواقع الاجتماعي والسياسي عبر مواقع الأنترنت، أضحت تشكل ضغطا كبيرا على صانعي القرار، خصوصا وأن  المعلومة صارت عابرة للقارات بشكل يتيح للخبر الوصول إلى شعوب أخرى، تستطيع من خلالها رسم صورة معينة عن البلد وفق طبيعة وحجم هذا الخبر.

اعفاءات الوزراء التي عرفتها الساحة السياسية المغربية مؤخرا خير دليل على قوة تأثير الأنترنت في صناعة الرأي للضغط على صانعي القرار قصد الاستجابة لمطالب المواطنين، حيث باتت السلطات الأمنية والمحاكم المغربية محرجة بل مجبرة على الاهتمام بما يدور في عوالم النت، قصد التحرك والتدخل لتحريك المتابعات والأبحاث في حق من تحوم الشكوك أو تبث تورطه في قضية معينة خرجت للعلن وأضحت متداولة على نطاق واسع بين المواطنين.

على ضوء ذلك، فالكتاب والمثقفون ورجال السياسة لم يجدوا بدا من الانخراط والانفتاح على عوالم الشبكة العنكبوتية لنشر أعمالهم وكتاباتهم والتعبير عن آرائهم حتى يضمنوا تواجدهم وحضورهم وتأثيرهم، ما داموا يشكلون النواة الصلبة لصناعة الرأي ، خصوصا مع تراجع مبيعات الصحف والمجلات الورقية التي كانت تشكل فيما مضى منبرا أساسيا لصناعة الرأي في المغرب.

في السياق ذاته، أصبحت الشخصيات الفنية والسينمائية والعمومية تشارك عموم المواطنين في المساهمة في التعليق على الأحداث والتواصل مع المعجبين على صفحات شبكات التواصل الاجتماعي التي صار يضاهي تأثيرها التلفاز والاشهار وشاشات السينما العملاقة.

ثمة من يعتبر الأنترنت وسيلة جد فعالة في فضح بعض الظواهر الاجتماعية المسكوت عنها من قبيل الرشوة المستشرية في أجهزة الدولة، كتصوير  لرجال الدرك والأمن وغيرهم وهم يتلقون الرشاوي على جوانب الطرقات من طرف المواطنين، ونشرها على اليوتوب، وكذا تصوير العنف المسلط على النساء والأطفال، فضلا عن رصد لمظاهر السرقة والاعتداء على الممتلكات والأشخاص.

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لم تعد صناعة الرأي في المغرب بالدرجة الأولى من اختصاص التلفزة والإذاعة العمومية ، فضلا عن الجرائد الوطنية والأحزاب السياسية والنقابات وحديث المقاهي كما في السابق ، بل دخل إلى الساحة لاعب جديد ومؤثر هو الأنترنت، بقدرته الهائلة على نشر المعلومة، وجسارته في حشد الناس وتعبئة الأفراد والجماعات سواء لتبادل الأفكار أو الاصطفاف على رأي واحد أو للخروج للاحتجاج في الشوارع، ولنا في حركات الاحتجاج الشعبي التي عرفتها الدول العربية في السنوات الأخيرة خير مثال على ذلك.

من جهة أخرى، فالمواضيع والأسئلة الأكثر راهنية التي تناقش في غرفتي البرلمان، أصبحت تمتح نقاشاتها على ضوء القضايا الرائجة في عالم الأنترنت والتي تشكل قضايا رأي عام تتعاظم بكثرة تداولها على الشبكة العنكبوتية، التي صارت وسيلة فعالة في توجيه النقاش العمومي.

بفضل الأنترنت أخذت صناعة الرأي طابعا أكبر تحولا، فتناسل المواقع الالكترونية على المستوى الجهوي والمحلي، أفضى إلى زيادة اهتمام المواطنين بالأخبار والشؤون المحلية أكثر فأكثر، الأمر الذي سمح بتشكيل رأي محلي مشبع بأفكار وتوجهات تأخذ في بعض الأحيان طابع احتجاجات محلية، كما هو الأمر مع خروج العديد من المواطنين في بعض الجهات للاحتجاج على طلب التنمية والشغل، وكذا تحسين البنية التحتية وصولا إلى التنديد بمشاكل الامداد بالماء و الكهرباء والصرف الصحي.  

في السياق ذاته، ازدادت نسبة الدعاوي القضائية التي تلتجئ إليها الشخصيات والمؤسسات سواء منها العمومية أو الخاصة  ضد الصحافة والمواقع الالكترونية، نظرا لقوة تأثير ما تصدره من أخبار وتحليلات ونقد لاذع حول مواضيع متعددة قد تمسهم من قريب أو بعيد.

يبدو أن عالم الأنترنت أضحى يستهوي الجميع ويجلب اهتمامهم، فهو سوق رائجة ومجتمع داخل مجتمع ودولة داخل دولة، حيث خَصَّصَت له الدولة أجهزة خاصة لمراقبة مجرياته وتحليل خطاباته ومختلف العمليات الجارية في بحره، حتى أن المؤسسات والجماعات تستغله للترويج لآرائها وسياساتها حتى تضفي طابعا إيجابيا على توجهاتها، مساهمة بذلك في تشكيل وصناعة رأي طاغ يتناسب مع مصالحها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات