غليان الفسيفساء (التعليم والصحافة و الصحة)

بقلم أبو أيوب
       يروى و العهدة على الراوي أن شيئا ما ليس على ما يرام يحاك، هناك، كما يقال، عصي في العجلات تحول دون الإنطلاق و أخذ زمام المبادرة، و الإبداع في إيجاد الحلول و الإبتكار في الوسائل، من شأن انعدامها تقهقر للخلف كما هو حاصل اليوم، بدليل أن مؤشر التنمية البشرية بحسب التقرير الأخير للامم المتحدة يضعنا في مرتبة متدنية، إذا أضفنا له تقريرها في مسألة حقوق الإنسان، و التقرير الأخير لمنظمة مراسلون بلا حدود، و تقارير أمنيستي و هيومان ووتش ….. تتوضح الصورة أكثر، لأن من شأن الإنعدام ” الإرادة ” أيضا ارتفاع منسوب التذمر و السخط و الغليان، قد يدفع بدوره إلى هجرة الأدمغة نحو آفاق أرحب. 
     لكن للأسف الشديد هذا هو واقعنا، ليس لأننا نتعاطى مع الموضوع انطلاقا من نظرة الجزء الفارغ من الكوب، و إنما من نظرة الكأس المليان، فأينما وليت وجهك هناك ما يؤكد طفوح الكيل، بعض من نماذجها نسردها تباعا من زوايا مختلفة شاملة لقطاعات متنوعة، من صحة و تعليم و شغل …… 
      حسب تقرير لوزارة الصحة، أفاذ بإحداث 500 منصب شغل للدكاترة حديثي العهد، طبعا بعد اجتياز المباراة، لحدود الساعة لم يلتحق منهم بمقرات عملهم سوى 98 طبيبا، بينما فضلت الأغلبية الساحقة منهم التريث مع نية الهجرة نحو أوروبا و كندا، نظرا لما يعرفه القطاع من خصاص من وسائل طبية و بيوطبية، و ما يعرفه من قلة الموارد و الإعتمادات و حالة الفوضى و التسيب الذي يعم كافة المستشفيات، حالة حسب زعمهم لا تساعد الطبيب القيام بمسؤوليته على أكمل وجه، و هنا تجدر الإشارة إلى أنهم في إحدى المسيرات الإحتجاجية، رفعوا شعار : ” سامح لينا يا المريض     الدولة هكذا تريد “، شعار معبر يصف واقع الحال بدون روتوش و لا مكياج. أما إذا تعمقنا قليلا، فسوف نصدم من هول الإستقالات الجماعية لعدد الأطباء العاملين بالقطاع العام، حيث شهدت الأيام القليلة الماضية استقالة ما يفوق المائة طبيب بجهة بني ملال وحدها، سرعان ما امتد أوارها للمنطقة الشرقية جهة وجدة، حيث أفادت الأخبار من هناك إقدام حوالي 65 طبيب على الإستقالة. مجرد تخيل أو تصور، لكن ماذا لو انتشرت العدوى ؟! أليس من المحتمل ؟  
     مشكلة رجال التعليم المتعاقدين مع وزارة التربية الوطنية في تفاقم مستمر، كما مسيراتهم مستمرة رغم الهراوات و خراطيم المياه، لا شيء يثنيهم عن مطالبهم المحقة و المشروعة، مسيراتهم الأخيرة تناقلتها مختلف وسائل الإعلام العربية و الأجنبية تغطية و تحليلا، صور و فيديوهات قدمت لن تزيد الوضع إلا تأزما و قد تتولد عنه سنة بيضاء، على ضوء ما يتم تداوله حاليا حول إمكانية مقاطعة امتحانات الباكالوريا، أما المعلم القابع في أعالي الجبال و معاناته مع انعدام الطرق و وسائل المواصلات و النقل و…… و المناهج التعليمية و الهدر المدرسي و تدني المستوى …. فتلك قصة أخرى. صورة قاتمة لا تشرف الوطن بالمطلق، في حين يراها المسؤول بعيون وردية يحتدى بها، ثم يدعو إلى تقاسمها مع الأقطار الشقيقة في إطار تبادل الخبرات. سيدي المسؤول لسان الحال يقول، إن لم تستحي فافعل ما شئت، ألم يتناهى إلى علمك أن قطاع التعليم بإثيوبيا/ السينغال/ الجزائر / تونس/ رواندا / مصر/ لبنان/ فلسطين / الأردن و بعض الدول الإفريقية الأخرى أحسن منا بكثير ؟ ألا تعلم سيدي أن مخصصات هذه الدول و حرصها على التعليم يفوق حرصنا و مخصصات تعليمنا الوطني ؟ ألا تعلم سيدي أن تلك الدول فضلت الإستثمار في العنصر البشري ” التعليم” ؟، بينما نحن أثرنا استحمار الإنسان المغربي بمناهج بريوية شباكية بطبوطية …
    أما في مجال الصحافة، الورقية منها و الإلكترونية، و حرية الرأي و التعبير عموما، فهناك أوجه شبه كثيرة مع باقي المجالات، و ما ينطبق عن هذا القطاع ينطبق على الآخر، ردة و تقهقر، هذا ما يسفره واقع الحال، دفع للهجرة أو تكميم أفواه، تضييق و محاولات خنق، وأد إثر محاكمات كيدية و صورية، استدعائات بالجملة لأصحاب المواقع الإلكترونية لمخافر الشرطة قصد الإستماع، على الخط النيابة العامة و الوزارة الوصية، شروط تعجيزية و نية مبيتة للمنع و الإقبار، دون التفكير في عوائل و أسر الممتهنين الذين نادوا لوقفة أمام البرلمان، لكن رغم هذا الوضع الكارثي يسمح المسؤول لنفسه بأن يغالط نفسه،  دحضا و تفنيدا و تكذيبا لمحتويات التقرير الأخير لمراسلون بلا حدود، تقرير حصرنا و حاصرنا في المرتبة 135 من ضمن 180 دولة. لذا سيدي الوزير، ألا يعلم معاليك أن دحضك و تفنيدك لن يغير شيئا من واقع الحال؟ ألا تعلم سيدي المسؤول أن الجرم و أركانه ثابت بشهادة أهل المحنة ؟ أو أن الشمس يستحيل تغطيتها بالغربال !!. أم أن غضبكم و ضجركم مدعاته تضايقكم من هذه المنابر الإعلامية ؟ و ما تفضحه كل يوم و ما تروجه من معلومات و أخبار لطالما تعمدتم حجبها !!!. فالعالم يعلم و لو حجبتم . 
     في خرجته الأخيرة أثناء إلقائه مناظرة بجامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، تطرق من خلالها إلى الأوضاع الغير مستقرة في البلدان العربية، شرح هشام العلوي ” كما يحلو له تسمية نفسه ” أن الحراك الذي تعرفه الجزائر حاليا، سوف يؤثر على باقي الجغرافيا العربية، و أن لا استثناء لأي بلد، مهما كان اختلاف الأنظمة العربية شرقها و غربها،  و في حالة تواصله بهذا الزخم و الوثيرة، طبعا بسلميته و حضارته، سيؤدي لا محالة إلى التغيير المنشود، دمقرطة المجتمعات العربية و القطع مع الأساليب القديمة، هذا ما تخشاه و تتحاشاه الطبقة الحاكمة و من يدور في فلكها من أحزاب و تيارات سياسية، كون الإنسان العربي بلغ مستويات متقدمة من الوعي، بفضل التكنولوجية الحديثة و مختلف وسائل التواصل الإجتماعي، حيث أصبحت المعلومة في متناول الجميع، و أن لا مفر للقيمين و المسؤولين من مجاراة الموجة، فإما إحداث التغيير بطواعية و من داخل عقر الدار، أو أن التغيير سيفرض نفسه مكره أخوك لا بطل،  فدوام الحال من المحال .
     عينة مبسطة لنماذج من ثلاث قطاعات مختلفة تعبر كلها عن الواقع المعاش، اختصرناها لكم أعزائي القراء مع علمي أن ما خفي أعظم، مبتغاي الإلتفاتة لها بإرادة و حسن نية قبل الإنفلات ، و مناي أن اوقفوا العبث قبل أن يتذمر التذمر .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...