فقاعات الخليج وهدير ترامب

بقلم أبو أيوب

للمرة الحادية عشر، يتوجه الرئيس ترامب للإيرانيين طالبا منهم التفاوض، بعدما سطر وزير خارجيته السيد بومبيو اثنى عشر شرطا لذلك، شروط في مجملها تعجيزية غير قابلة للتنفيذ، من بينها التخلي عن البرنامج النووي، عن صناعة الصواريخ الباليستية، ثم الكف عن تقديم الدعم المالي و العسكري للحركات المسلحة المناهضة للتواجد الأمريكي، حزب الله بشقيه اللبناني و العراقي، حركة حماس و الجهاد الإسلامي، و حركة أنصار الله أو الحوثيون باليمن، 
فهدير ترامب يروم من خلاله و عبره إلى تحقيق عدة أهداف استراتيجية، بعد أن اطمأن لمواقف و اصطفاف الشخصيات ذات الباءات الأربعة ” بن سلمان/ بن زايد/ بنيامين/ بولتون “، رباعي كشر عن أنيابه ظنا منهم أنها لن تتعدى كونها نزهة ثم ينتهي الأمر، مراده الأول و الأخير، حماية أمن الربيبة إسرائيل و انسياب تدفقات نفط الخليج إلى الأسواق العالمية. للإشارة، فشرايين التدفقات تمر عبر مضيق هرمز بالخليج و باب المنذب بوابة البحر الأحمر.

  • لماذا حزب الله اللبناني ؟
    إن تاريخ إسرائيل حافل بالحروب ضد جيرانها العرب، أربعة حروب 48/56/67/73 لم تكتف خلالها الدولة العبرية بالإنتصارات كونها لم تذق طعم الهزيمة، بل تعدت بأن التهمت مزيدا من الأراضي، بل حتى حرب أكتوبر 73 التي سوقت لنا نحن العرب كانتصار مذوي، فقد تلقينا خلالها هي الأخرى هزيمة نكراء بدليل بقاء شبه جزيرة سيناء منزوعة السلاح، و لا يسمح بأي تواجد عسكري مصري بدون إذن من إسرائيل. الحرب الوحيدة التي خسرتها إسرائيل منذ وعد بلفور هي حرب لبنان الأولى و الثانية، الأولى شاهدة على انسحابها من الشريط الحدودي بجنوب لبنان، بعد معارك طاحنة مع حزب الله دون تمكنها من إبرام اتفاقية سلام، و الثانية حرب تموز 2006 التي دامت ثلاثة و ثلاثون يوما، إثرها استفاقت إسرائيل على أكبر انتكاسة في تاريخها، مرغ أنفها في التراب بحيث لم تحقق أي هدف من أهدافها ” تجريد حزب الله من السلاح مثال” ، بل العكس هو الذي حصل، فخر صناعتها الحربية هزم و دمر ثم أقبر” مقبرة دبابات الميركافا بوادي الحجير جنوب لبنان “، في حين نعت مياه الأبيض المتوسط وفاة أسطورة بوارجها الحربية من نوع ساعر ” مفخرة البحرية العسكرية “، هزمت إسرائيل رغم الإمدادات العسكرية الأمريكية عبر الجسر الجوي، و لا زالت ليومنا هذا تجر أذيال الخيبة، في حين بقي الحزب شوكة عالقة تدمي خاصرتها، سر ثباته توازن الرعب عبر قصفه جبهتها الداخلية بصواريخ إيرانية و سورية، طالت كامل جغرافية فلسطين ما أجبر أكثر من 100 ألف مستوطن على الفرار نحو بلدان أخرى، النزيف البشري هو نقطة ضعفها .

 

  • لماذا حزب الله العراقي ؟
    تأسس حزب الله العراقي في خضم الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين طمعا في نفط العراق، و ليس كما سوق تحت يافطة أسلحة الدمار الشامل أو تقليم أظافر صدام حسين، و من جهة أخرى، عقابا له على تجرئه قصف إسرائيل بصواريخ سكود، حيث كانت هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الداخل الإسرائيلي للإهتزاز . و بحكم أن أمريكا هي ضامنة أمنها، فهي لم تبتلع الصدمة فبادرت إلى الغزو بذريعة أحداث سبتمبر ” توين سانتر”، منتهزة ضعف روسيا إبان عهدة السكير بوريس يلتسين. لكنها في المقابل، لم تأخذ في الحسبان إمكانية التوغل الإيراني في مفاصل العراق، عبر أذرعه المقاومة، كحزب الله و الحشد الشعبي، حيث بادرت إيران إلى استيراد أسلحة صغيرة بمفاعيل قوية و دامية ” sideway bombs”, عبارة عن ألغام متفجرة توضع بجانب الطريق و يتم التحكم فيها عن بعد، أسلحة ألحقت خسائر فادحة بجنود المارينز ” حوالي 5000 قتيل و ما يفوق 34 الف جندي ما بين معطوب حرب و مريض نفسي “، لا زالت إلى يومنا هذا تعج بهم مستشفيات و شوارع أمريكا …، ما أجبرها على الإنسحاب و الإكتفاء بتواجد عسكري رمزي. و مع توالي الإدارات الأمريكية، لم تستطع دولة العم سام نسيان ما سببته إيران و أذرعها المقاومة من خدوش في كبريائها، و لا الحد من غطرستها و هي التي ألفت الترويع و التطويع لشعوب مستضعفة.

 

  • لماذا حركة حماس و الجهاد الإسلامي ؟

رغم كون قطاع غزة مجوع و محاصر بالكامل، إلا أنه لا زال يشكل خطرا على دويلة إسرائيل من خلال عمليات الوخز بالإبر، بمعنى آخر، عمليات قنص الجنود أو عبر رشقات صاروخية من حين لآخر، عمليات ترسم حالة اللااستقرار في نفسية المستوطنين و كي وعيهم، و لوضع حد لهكذا استفزازات، تقوم إسرائيل بدورها بعمليات عسكرية محدودة في الزمان و المكان ” الرصاص المسكوب مثال ” ، بحيث تبقى الردود دون تحقيق الأهداف المسطرة ” إركاع المقاومة و تحييدها من المعادلة / نزع السلاح…. مثال”، صحيح أن الحرب تخلف جرحى و قتلى، خراب و دمار، لكن معادلة توازن الرعب عبر القصف الصاروخي للداخل العبري، يلجم تمادي إسرائيل و يحد من تفوقها ” حرب 2007 مثال”، الفضل كل الفضل راجع إلى الدعم الإيراني عبر توريد تيكنولوجيا الصواريخ، و خير شاهد، الأحداث الأخيرة التي عاشتها المنطقة، صليات 700 صاروخ فلسطيني نحو العمق الإسرائيلي و لمدة يومين، دفعت هذه الأخيرة الإستنجاد بمصر و طلب الهدنة ثم الإذعان لكامل الشروط ” توسعة المجال البحري لقطاع غزة بحوالي 15 ميل/ السماح بتدفقات الأموال القطرية عبر رفح / تزويد محطات الكهرباء بالفيول الصناعي…. “.

  • لماذا أنصار الله باليمن ” الحوثيون ” ؟

الموقع الجغرافي لليمن ،المطل على بحر العرب عبر ميناء عدن بالجنوب، و البحر الأحمر عبر باب المنذب في اتجاه مينائي أشدود و إيلات شمالا، و على مقربة من مضيق هرمز، أكسب البلد موقعا جيواستراتيجيا مهما لتأمين احتياجات الغرب و باقي دول المعمور من الطاقة. و بما أن صراع نفوذ اقتصاديات العالم طاقوي بالدرجة الأولى ، فمن غير المقبول السماح للحوثيين الإستيلاء على الحكم و بسط نفوذهم على البلد و هم المعروفون بولائهم لإيران، من جهة، سيطرتهم على ميناء عدن إن تمت، تؤدي بالضرورة إلى خنق ميناء جبل أبو علي الإماراتي، أسوة بالميناء الباكستاني الذي تشيده الصين على مرمى حجر من بوابة الخليج، لذا سارعت الإمارات العربية المتحدة إلى التمركز بمدينة عدن و تسليح الجيش الجنوبي، من جهة ثانية، سيطرتهم على ميناء الحديدة يمكن إيران عبرهم من التحكم في مضيق باب المندب على البحر الأحمر، شريان الحياة الطاقوي بالنسبة لأوروبا عبر قناة السويس شمالا، دليلنا في هذا، المعارك الطاحنة التي دارت رحاها بالحديدة بين القوات المشتركة السعودية/ الإماراتية و الحوثيين، حيث تمكنت هذه الحركة من صد كل الهجمات برية و بحرية، ملحقة خسائر بشرية فادحة و إعطاب سفن حربية و مدمرات قوات التحالف العربي، ما صعب من تحركات حاملات النفط و أنشطة الملاحة البحرية عموما، و الفضل كما أشرنا سابقا راجع لصواريخ أمدتهم بها إيران.
بعض المراقبين الدوليين يقولون بانقلاب المعادلة، بدل حصار إيران ضمن رقعتها الجغرافية، تمددت الأخيرة لتحاصر أعداءها، فالسعودية و معها الإمارات محاصرتان شرقا بإيران، جنوبا و غربا باليمن، شمالا إلى الشمال الغربي بالعراق، و كما تلاحظون كلتاهما دول تدور في الفلك الإيراني، لذا بدل الإتكال على الوكيل ” السعودية / الإمارات” بعد أن ثبت فشلهم في كبح جماح إيران و أذرعها، دخل الأصيل مباشرة على الخط ” أمريكا” ، من خلال استعراض عضلاتها بإرسالها حاملتي طائرات و مدمرات و سفن إمداد، في محاولة منها ثني إيران عن محاولات التوسع و النأي بالنفس و الإبتعاد عن الأذرع، فيما يرى آخرون بأن أمريكا لم يعد بوسعها شن حرب، أقله في مواجهة دولة قوية، و لا بمقدورها تحمل التبعات كونها نفسها محاصرة، بمعنى عدم قدرتها على وضع :
– قرابة 50 ألف من جنودها تحت رحمة صواريخ إيران ” قاعدة العديد بقطر/ القاعدة العسكرية بالبحرين / الكويت/ السعودية.
– تواجدها العسكري بأفغانستان حوالي 110 ألف جندي تدخل ضمن مديات الصواريخ، هنا تجدر الإشارة كونها قضت 18 سنة في محاربة حركة طالبان دون ان تبلغ المبتغى و هي اليوم تخطب ود الحركة، فما بالك بدولة مثل إيران.
– عدم تحملها أو قابلية المخاطرة بأمن إسرائيل في مواجهة صواريخ حزب الله و الجهاد الإسلامي و حركة حماس.
هنا يطرح السؤال عن الفائدة المرجوة من كل هذه التحركات ؟، فإيران ليست ليبيا القذافي يوم استسلم و سلم أسلحته الكيماوية، و بالتالي ماذا كانت النتيجة و أين هو الآن ؟ كما أنه من غير المستساغ لإيران التفريط في أنفتها و كبريائها و العودة لبيت الطاعة الأمريكي، و هي التي خبرت غدر العم سام منذ الإنقلاب على مصدق، مرورا بدعم الشاه، و محاولة تهريب رهائن السفارة بطهران، دعم و مساندة مجاهدي خلق، حظر بيع الأسلحة أثناء حرب الثماني سنوات مع العراق، و ليس أخيرا نكث العهود و تمزيق الإتفاق النووي على مرأى من الجميع .
ببساطة، التحركات الأمريكية بالمنطقة تبقى مجرد فقاعات في الهواء، طالما أن هذه التحركات الإستعراضية مدفوعة النفقات مسبقا، إذن ما الضير في القيام بها ؟ الغرض منها مزيدا من حلب البقرة الحلوب، أليس هو القائل متى جف ضرعها وجب ذبحها ؟ او ليس هو القائل أن السعودية دولة ثرية و عليها أن تدفع مقابل الحماية ؟ أو لولانا لما بقيت دولة إسمها السعودية ؟ إنها قمة الإستهتار بالعقل العربي، في زمن العهر و النفاق السياسي، بدل أن يفاوضوا هم إيران بحثا عن مصالح مشتركة، انطلاقا مما يجمعهما ” دين الإسلام ” و من حسن الجوار و عدم التدخل في شؤون الآخر، أوكلوا المتاجر المغامر، المستهزئ المتغطرس المتكبر بدلا عنهم، فما أرذلهم و ما أحقرهم و ما أخسهم، أولاد قراد الخيل كفاكم صخبا .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...