فن الإبداع و سوء الإخراج

بقلم أبو أيوب

نظرية سياسية قديمة حديثة يلجأ لها السياسيون, من جهة, كلما اشتد عليهم الخناق, و بارت تجارتهم أو كلما ارتأوا تمرير بعض مشاريع القوانين, في غفلة من المجتمع و الراصدين المتتبعين, مغلفة معلبة في قوالب ظاهرها خدمة الشعب و الوطن من أجل أمنه و طمأنينته و بحبوحة عيشه, نمائه و ازدهاره, أما باطنها, فلخدمة مآرب و أهداف بعيدة كل البعد عن المأمول المترجى المتوخى, وفق خطط مرسومة سلفا و معدة مسبقا, من جهة أخرى,  كلما تفننوا في الإبداع و الخلق و التسويق دون التمكن من الإخراج نظرا لضيق الوقت, تكون النتيجة, قرارات ارتجالية متسرعة ذات بريق و لمعان, خالبة لافتة للأنظار, سرعان ما يتم تطعيمها بمسوغات و روتوشات و ترميمات و زخارف فسيفسائية و قوانين تكميلية, ينبري لها فطاحلة التحليل و جهابدة التنويم شرحا و تفصيلا ثم ذكرا للمحاسن و المفاتن و الإيجابيات و السبق و الريادة و التفرد و الإستثناء, إلى أن تفقد سبب وجودها ليتم في الأخير إلغاؤها أو التنازل عنها أو  تجميدها لأجل غير مسمى, سواء لكارثتية نتائجها أو لجلبها نتائج عكسية هكذا صير بوطن ليتحول إلى مختبر للتجارب الفئرانية. نسوق في هذا المقال بعض الأمثلة من تاريخنا الحديث :

بداية بسنة 1965, تحت تأثير أزمة اقتصادية خانقة كنتاج لسياسة ليبرالية متوحشة متناغمة متعايشة مع بورجوازية كومبرادورية, اندلعت شرارة أحداث  أليمة بصمت تاريخ البلد بدم تلاميذ و طلاب و أولياء الأمور و ….. عصفت بقطب الرحى للإقتصاد الوطني, مدينة البيضاء, أعطيت الأوامر حينها للجيش بالتدخل تحت إمرة الجنرال أوفقير “آنذاك وزيرا للداخلية و وزيرا  للدفاع” استشهد وقتئد المئات و اعتقل الآلاف, فكانت مجزرة ذات وجهين, للمتظاهرين المحتجين على سوء الأحوال مؤطرين تحت يافطة النقابي و السياسي اليساري, دون الدخول في الحيثيات, كما كانت قبلها مجزرة بحق ثلة من أعضاء جيش التحرير المغربي الذين رفضوا إلقاء السلاح بل اعتقلوا إبان عملية المكنسة “ايكوفيون” سنة 1958 للتخلص منهم داخل المعتقل بعيدا عن الأنظار نظرا لما كانوا يشكلونه من عبئ على عاتق الدولة. قمعت الإنتفاضة بالنار و الحديد كإشارة متوعدة لكل من تسول له نفسه “الاتحاد الوطني و اليسار الراديكالي”, بدل الركون إلى طاولة الحوار و البحث في الأسباب و المسببات تفاديا لما قد يأتي .

اهتدى الماسكون بزمام الأمور سنة 1966 إلى سن قانون التجنيد الإجباري في محاولة لتدجين الشباب و صرفهم عن الأفكار الاشتراكية “موضة ذاك الزمان” تحت مسمى زرع روح المواطنة و الوطنية و كأن هؤلاء الشباب مستوردون من جزر الواقواق أو من بلاد الشاكي باكي, قرار ارتجالي انفعالي مزاجي كما هو الشأن اليوم مع فارق بسيط, فبالأمس كان التأطير حزبيا و نقابيا أما اليوم فهو فايسبوكي تويتري و يوتوبي بعدما أمست الأحزاب عبارة عن دكاكين سياسية, فما أشبه اليوم بالبارحة, نفس الوضعية و نفس الأزمة بكل تداعياتها و إرهاصاتها  و إسقاطاتها,  شعب مقهور و شباب يفور للهجرة خياله يغور  هربا من أوضاع مزرية اختلط حابلها بنابلها فأمست مستعصية ذات تشعبات دولية. قوانين بقيت سارية المفعول رغم الملاحظات و المؤاخدات الجمة زهاء أربعين سنة ليتم الإلغاء و الأبطال لأنها أتت بنتائج عكسية كما أسلفنا, شباب تم تجنيدهم و تدريبهم, يلقى بهم في الشارع ليصبحوا  لقمة سائغة لبعض التنظيمات الإرهابية الجهادية “الأفغان العرب” أو القاعدة في الغرب الإسلامي “و من ثمة إلى داعش و تفرعاتها من نصرة و ….. أغلب عناصرها و قادتها شباب مغاربة متبوعين بباقي دول شمال إفريقيا, بل حتى المهجرين من أصول مغاربية لم يسلموا من تجاذبات و إغراءات هذه التنظيمات, إذ أصبح الميول متنقلا عابرا للحدود, لتتفتق العقول و تهتدي إلى أسهل الحلول, إلغاء العملية سنة 2006  و التخلي عنها لما باتت تشكله من خطر على مقومات و أسس الدولة “إختراق الجيش كواقعة تازة و محاولة تهريب السلاح أو ما تلاها كمشكلة القاعدة الجوية بسلا أو بتهمة العمالة و التخابر مع قوى أجنبية أو قضية حمل أفكار ذات مرجعية دينية و التواصل مع جماعة محظورة,  أمثلة عدة لا يسعنا الحيز للتطرق لها, بدل الذهاب إلى نبع و لب المشكل يتم الألهاء و التلهي بالقشور, كما هو حالنا اليوم 2018, أزمة متصاعدة خانقة نتاج نهج سياسي اقتصادي متبع منذ القدم, من مسببات أحداث 1965 .

سخط عارم و تذمر شعبي, اندثار الطبقة المتوسطة ضامنة التوازن بفعل الأزمة, تسيد الريع و إطلاق اليد للإحتكار, فساد على أعلى المستويات مع ما يتبعه من غياب المحاسبة الحقيقية, قصور و ضمور الأحزاب السياسية يليه ظهور وسائل التواصل الإجتماعي كمؤطر فعال لشريحة عريضة من شباب فقدوا الأمل في مستقبل واعد بفعل انسداد الأفق و انعدام فرص الشغل, هجرة الأدمغة نحو كندا و …. بزوغ أصوات مهاجرة من وراء البحار مؤججة للإحتقان متشبعة بأفكار بلاد المهجر, حراكات شعبية متواصلة و مسيرات منددة بالواقع المزري استدعت تدخلات أمنية قمعية و تطاولات و تكالبات أجنبية أضعفت الدولة و سودت صورتها .

على إثر كل هذا, فطن الساسة و تفتقت عبقريتهم ليهتدوا إلى أقصر الطرق لإعادة التأهيل و التنصيص على المواطنة و الروح الوطنية بإعادة العمل بالتجنيد الإجباري على اعتبار أنه الحائط القصير لرسم مخرجات المعادلة للحد من تصاعد فورة الشباب التواق للتحرر و التغيير, أسوة بأجداده و آبائه مطلع الستينيات, فأتى القانون الجديد قبل أن يجف حبره بعد بنتائج عكسية قد تضرب الخطاب الرسمي في الصميم, تكاثر عدد قوارب الهجرة الغير الشرعية, حاملة لشابات و شباب في مقتبل العمر متجهة صوب الإيلدورادو الموعود ممنية النفس بغد مشرق غير آبهة بأنياب القروش المتربصة “ما بين 20 و 30 قارب يوميا” بحسب بعض المصادر الإعلامية, تذكرنا بقوافل و مصائب الأشقاء السوريين، بلد الأمن و الأمان, وطن الإستقرار و الإطمئنان, بلد التفرد و الإستثناء و التميز, يحصي الآن تداعيات نهج ارتضاه و انعكاسات منهج ابتغاه في ظل أزمات مختلفة  مع الأصدقاء مختلقة مع الأعداء في محيط متموج  هائج هادر منبئا  بإعصار قادم أولى بوادره “الأزمة مع إسبانيا و هولندا تلتها في تسارع أزمة أخرى مع فرنسا و برلمانها علاوة على أزمة الأزمات في مواجهة مع الأمم المتحدة أمثلة عدة  مثالا لا حصرا” لنقول في الأخير, لك الله يا وطني, لقد ابتليت بأناس سفهاء آثروا عزل الفقهاء و إقبار العقلاء و تحييد النبلاء و سجن النزهاء, و رغم ذلك يتفاخرون علانية بالوطنية و المواطنة و حب الوطن عكس ما يضمرون من تبعية و خيانة و عمالة.

عن eljadidanews

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دوري الأبطال هدف جوارديولا الأول

أعلن الإسباني بيب جوارديولا مدرب مانشستر سيتي الإنجليزي أن هدفه الأول هو الفوز بلقب دوري ...