في مهب الريح

بقلم أبو أيوب

     مشاريع عملاقة راهن عليها المغرب، سواء في الميدان السياسي او الاقتصادي، أصبحت اليوم قاب قوسين أو أدنى من أن يطويها النسيان، رهان بدأ منذ الوهلة الأولى واعدا، فاتحا آفاقا من شأنها تمكين المغرب من الحفاظ على الزخم الكبير، زخم اكتسبه من عودته لأسرته المؤسساتية ثم من خلال الجولات الملكية المكوكية لمختلف البلدان الإفريقية، جولات تخللها إبرام عدة صفقات و مشاريع اقتصادية و إنمائية، نذكر منها اتفاقية أنبوب الغاز مع نيجيريا أو إحداث مركب صناعي كبير لمعالجة الفوسفاط بإثيوبيا ، كما مكنته من ربط علاقات ديبلوماسية و إنهاء القطيعة حتى مع الدول الغير صديقة كجنوب إفريقيا، في محاولة منه لثني هذه الدول عن عدائها و مشاكستها، أو على الأقل تحييدها، و مع أخرى تمكن من توسيعها و إنمائها ” مركبات و مصانع لتعليب السمك ” كدولة ساحل العاج، التي لم تفلح في إبعاد الخصوم ” غير معترفة بجمهورية الوهم ” عن حضور القمة الخامسة للإتحادين الإفريقي/ الأوروبي بالعاصمة أبيدجان .
       تزامن هذا النجاح و الزخم مع القمة العربية الإفريقية، قمة عرفت انسحاب بعض الدول العربية من قاعة الإجتماعات، احتجاجا على تواجد وفد الخصوم، نذكر منها كلا من السعودية/ الإمارات /مملكة البحرين /المملكة الهاشمية/ قطر، بينما لم تتمكن دولة الكويت من التماهي مع الخطوة الخليجية، قيل آنذاك أن السبب راجع لكونها رئيسة القمة، سبب غير مقنع بدليل اطلاعها المسبق على لائحة الوفود المشاركة … و بحسب بعض المحللين الإستراتيجيين العاطفيين المغاربة، انسحاب الوفود العربية شكل صدمة للخصوم، و في نفس الوقت نجاحا كبيرا للديبلوماسية المغربية التي استطاعت بمعية إخوانها و أشقائها إفشال القمة، في المقابل هناك من قال حينها، أن الدول المنسحبة قد أخلفت موعدها مع فرصة تاريخية ” اقتصادية/ إنمائية مع فضاء واعد يسيل اللعاب “، هذا ما تأكد بالفعل، من خلال تداركهم الأمر ” السعودية/ الإمارات خصوصا ” و الشروع في استثمار عشرات الملايير من الدولارات، شملت عدة بلدان إفريقية من ضمنها دول تناصبنا العداء، و على رأسها جنوب إفريقيا ، نيجيريا، موريتانيا، إثيوبيا … توجهات الأصيل الإستثمارية ” السعودية/ ا. ع. م ” بذل الكفيل ” المغرب “، ساهمت بقسط كبير في انفراط عقد العروة الوثقى، إذ دأبت العادة على جعل المغرب منصة انطلاق “plateforme” و المرور نحو العمق الإفريقي . 
     اليوم، باستطاعتنا الزعم أن مجمل المشاريع السياسية و الإستثمارات الإقتصادية التي خطط لها و راهن عليها المغرب إفريقيا، أصبحت بين كفي عفريت إن لم نقل في مهب الريح، نستعرض بعض نماذجها لنستدل على صوابية الرؤى و منطقية التحليل : 
  • دولة جنوب إفريقيا لا زالت على عنادها و مشاكستها المعتادة تجاه قضية الصحراء، بل ازدادت عنادا و تصلبا رغم إعادة العلاقات الديبلوماسية و تعيين سفير مغربي فوق العادة ” السيد يوسف العمراني ديبلوماسي سابق معتمد بالأمم المتحدة “، و رغم اللقاء الملكي مع الرئيس الجنوب إفريقي السابق السيد زوما، جاءت دعوتها لقمة سادك ” دول جنوب القارة ” لمساندة و دعم الخصوم، و دعواتها الأخيرة العذائية بمجلس الأمن الدولي، مؤشر على فشل الرهان السياسي المغربي تجاهها، و دليل واضح على مدى تدهور العلاقات ترقى لانتكاسة رغم التودد المغربي . 
  • جمهورية نيجيريا رائدة المجموعة الإقتصادية لدول غرب القارة السمراء ” الاكواس “، لم تجب بعد على طلب المغرب الإنضمام للمجموعة الإفريقية، في حين استجابت للطلب الموريتاني على وجه السرعة !!، و حتى نكون صادقين مع أنفسنا، لقد أجابت بحنكة و ذكاء و بديبلوماسية راقية، حيث باركت و شجعت المشاركة المغربية ضمن مجموعة ” سين/ صاد ” لدول الساحل و الصحراء، هذا ما يعتبر في حد ذاته، جوابا يقطع الطريق على المغرب، كما تجدر الإشارة إلى كون مشروع أنبوب الغاز المشترك قد دخل طي النسيان و لم يعد قابلا للتنفيذ حسب ما جاء على لسان السفير النيجيري بالجزائر . 
  • الجمهورية الإسلامية الموريتانية بإعادة تموقعها في الغرب الإفريقي و شمال القارة، أمست قبلة للإستثمارات الخليجية ” ا. ع. م / السعودية ” و الصينية معا، وضع أفرز نيلها صفة بلد عبور لطريق الحرير العابر للصحراء انطلاقا من الجزائر ” مستثنيا المغرب “، مشاريع إشقاء الخليج بميناء نواديبو الذي سجل ضمن مؤسسة موانئ دبي، أوكل بناءه و تصميمه لشركات صينية، استثمار ضخم بملايير الدولارات قد يشكل خطرا على كل من مينائي طنجة المتوسط و الداخلة، وضع يحيلنا قطعا على ما تطرقنا له سابقا في مقالات عديدة نشرت على موقع الجديدة نيوز، تناولنا من خلالها المحاولات المتعمدة لأطباق الحصار على المغرب، أما سياسيا، فالدولة الموريتانية لا تخجل و لا تنفي إطلاقا اعترافها و علاقاتها مع الخصم، بل تذهب بعيدا في تصريحاتها كون أن لاحدود لها مشتركة مع المملكة المغربية . 
  • رهان المغرب على اتفاقية الصخيرات و الإنجازات التي تحققت ” الإعتراف الدولي بحكومة الوفاق “، إنجاز بدأ يتبخر و في طريقه للإقبار، تحركات المشير خليفة حفتر و من ورائه كل من السعودية/ ا. ع. م/ مصر / روسيا، ساهمت بالقسط الوفير في إبطال مفعول المجهودات و المساعي المغربية، ليشكل انتكاسة أخرى للديبلوماسية المغربية تنضاف لسابقاتها، مؤشر آخر لسعي البعض على حشر المغرب في الزاوية، عملية قص أجنحة و حد من الإندفاعة و الإشعاع، دليلنا في هذا عدم إشراكه في أشغال القمة المصغرة حول الأزمة الليبية التي انعقدت بحر الأسبوع بمصر الشقيقة، برئاسة الرئيس السيسي و بحضور الرئيس الرواندي بول كاغامي و رئيس مجلس السلم و الأمن بالإتحاد الإفريقي الجزائري إسماعيل الشرقي، ” بداية تفعيل الترويكا الإفريقية لإيجاد الحلول لأزمات القارة من ضمنها الصحراء ” ، بل لم تتم الإشارة لاتفاقية الصخيرات لا من قريب و لا من بعيد، لتشكل في نهاية المطاف عملية إبعاد المغرب مع سبق الإصرار و الترصد، قد يعتبرها قائل نوعا آخر من الحصار و الركن في الزاوية . 
  • نماذج من هكذا انتكاسات، من شأنها أن تشكل مدخلا لما يتصور أن يقع في القمة الإفريقية العربية المقبلة، حيث يذهب بعض المحللين و الملاحظين الدوليين، أنها سوف تشهد انفراط ما بقي من تحالف عربي خليجي مع المغرب بشأن خاصرته الرخوة، كما أنه من المرجح أن لا ينسحب نفس العدد من الدول كما حصل سابقا، ليبقى الإهتمام منصبا فقط على الموقف الأردني و القطري، و إلى حد ما العماني. كل المؤشرات تشير إلى استحالة عودة العلاقات الثنائية بين المغرب و ممالك الخليج إلى سابق عهدها . 
         كانت تلكم معشر المتصفحات و المتصفحين لموقع الجديدة نيوز، مقتطفات من إخفاقات كان بالإمكان تجنبها و عدم السقوط في فخاخها و مطباتها، لكن القيمين على الشأن الديبلوماسي المغربي، يمزجون و يزاوجون بين السياسة و العاطفة، كقولهم على سبيل المثال ” المغرب أول بلد اعترف باستقلال أمريكا ” دغدغة لعواطفها و محاولة جذبها للإصطفاف إلى جانب المغرب، بينما السياسة فن الممكن، برغماتية و مصالح اقتصادية دائمة، بحيث أنه لا مكان لصداقات أو عداوات دائمة .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...