قرأت لكم : “زمن التفاهة والرداءة”

بقلم أبو أيوب

“زمن التفاهة والرداءة”

عنوان ينطبق على أمة إقرأ التي لم تعد لا تكتب و لا تقرأ, أمة تخلت عن تاريخها التليد الذي سهر عليه عظمائها و أكابرها و مفكروها و أدبائها, مفخرة و رمز وجودها, برعوا في شتى المجالات و قدموا للإنسانية جمعاء نماذج حضارية ساهموا في تلقيحها و إغنائها “طب/هندسة/فلك/موسيقى/أدب/فلسفة.…”, أعمالهم خلدت أسمائهم و أدامت حضورهم في المنتديات و الندوات, يحتفى بهم في كبريات المعاهد و الجامعات العالمية, فكانت بحق أحسن امة أخرجت للناس يحتدى بها,  إلا في الأوطان, فهي جاحدة ناكرة مغيبة محاصرة, , أما اليوم, فقد استبدل التاريخ و الحضارة بالتفاهة و البلادة و الرداءة, بدءا بستار أكاديمي مرورا بأراب فويس وصولا إلى أراب كوت طالنت و اللائحة طويلة, فأصبح البلد لا يعرف إلا بمطربيه و مغنييه “نانسي عجرم و إليسا و سعد لمجرد و دنيا باطما و……”, شباب في مقتبل العمر يحتفى بهم و يخصص لهم حراس و خدم و حشم, يستقبلون في المطارات استقبال الأبطال, وكأنهم حرروا بيت المقدس أو غزوا الفضاء, أو حققوا للأمة قفزة أدخلتها التاريخ من بابه الواسع, سرعان ما تنتفي نجوميتهم الزائفة, ليشرع في تخريج فوج بلوك جديد, كلمات أغان مبهمة لا يعرف مغزاها و معناها, مؤثرات صوتية تهييجية تمييعية صاخبة, حركات و رقصات بهلوانية صبيانية إيحائية مقززة, نشوة غرور زائفة عابرة, حقيقة تجسد زمن الرداءة, حين كان الإنسان كائنا ذا حضارة, أبدع و تألق و خلد و دام, أما و هو كائن حيواني شهواني ببغائي, أفل نجمه, إنحدر و زاغ و اندثر .

حكاية اليوم , قصة طريفة لطيفة معبرة, و بقدر لطافتها و روعتها, بقدر ما تعبر عن واقع سوداوي حالك قاتم مرير, إكتوت به أمة إقرأ,  أو هكذا أريد و خطط لها, مبغاة تدميرها و استلابها, تدجينها و تهجينها, إلى أن أصبحت مثار سخرية و استهزاء و ازدراء, قصة من صلب الواقع, بلسان الكاتبة و الأديبة احلام مستغانمي, عاشت فصولها بعاصمة ما كانت يوما تلقب بسويسرا العرب “بيروت”, آثرت اليوم أن أشارككم إياها بحلول السنة الجديدة, بعيدا عن هموم السياسة و زلات السياسيين و هفوات العثماني و ضغوط جون بولتون و غزوات  القمصان الصفراء … إليكموها منذ البداية ضمن زاوية  قرأت لكم .

المقال للأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي تقول فيه :
وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب الجزائري ( خالد ) إلى النجوميّة العالميّة، أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد كانت أغنية “دي دي واه” شاغلة الناس ليلاً ونهاراً، على موسيقاها تُقام الأعراس، وتُقدَّم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، وتذهب إلى مشاغلها صباحاً.
كنت قادمة لتوِّي من باريس، و في حوزتي كتاب “الجسد”، أربعمائة صفحة، قضيت أربع سنوات من عمري في كتابته جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينه نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي بأمجادنا وأوجاعنا، لكنني كنت لا أكاد أُعلن عن هويتي إلاّ و يُجاملني أحدهم قائلاً: “آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!”، هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، و يظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، و لا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ ؟
أصبح هو رمزا للجزائر و العجيب أن كل من يقابلني و يعرف أنني من بلد الشاب خالد فوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة “دي دي واه” ؟، و عندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الإستعمار، لا تفهم اللغة العربية!
و بعد أن أتعبني الجواب عن “فزّورة” (دي دي واه)، و قضائي زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء و الغرباء و سائقي الطاكسي، و عامل محطة البنزين المصري، عن جهلي و أُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتي الجزائرية، كي أرتاح.
الحقيقة أنني لم أحزن أن مطرباً بكلمتين، أو بأغنية من حرفين، حقق مجداً و مكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.
ففي الخمسينات، كان الجزائري يُنسبُ إلى بلد الأمير عبد القادر، و في الستينات إلى بلد أحمد بن بلّة و جميلة بو حيرد، و بن باديس، و في السبعينات إلى بلد هواري بومدين و المليون شهيد … أما اليوم فقد بات يُنسب العربي إلى مطربيه، إلى الْمُغنِّي الذي يمثله في “ستار أكاديمي”.
و قلت لنفسي مازحة، لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لَمَا وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب و استنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات و رسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي و إليسا و نانسي عجرم أو مروى و روبي و أخواتهن …. فلا أرى أسماء غير هذه لشحذ الهمم و لمّ الحشود. و ليس و اللّه في الأمر نكتة.
فمنذ أربع سنوات خرج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين و عشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، و لم يجد الرجل أحداً في انتظاره من “الجماهير” التي ناضل من أجلها، و لا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربّع في جريدة، بينما اضطر مسؤولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم “ستار أكاديمي” محمد عطيّة بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع مئات الشبّان و الشابّات، الذين ظلُّوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت.
في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، و غَدَت تُنسب إلى الصبيان، قرأنا أنّ محمد خلاوي، الطالب السابق في “ستار أكاديمي”، ظلَّ لأسابيع لا يمشي إلاّ محاطاً بخمسة حراس لا يفارقونه أبداً .. ربما أخذ الولد مأخذ الجد لقب “الزعيم” الذي أطلقه زملاؤه عليه!
و لقد تعرّفت إلى الغالية المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد في رحلة بين الجزائر و فرنسا، و كانت تسافر على الدرجة الاقتصادية، مُحمَّلة بما تحمله أُمٌّ من مؤونة غذائية لابنها الوحيد، و شعرت بالخجل، لأن مثلها لا يسافر على الدرجة الأُولى، بينما يفاخر فرخ وُلد لتوّه على بلاتوهات “ستار أكاديمي”، بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه، لأنه رفع إسم بلده عالياً !
هنيئا للأمة العربية
هنيئا لأمة رسول الله
إنا لله وإنا إليه راجعون..”.
فهمت الآن ياولدي لماذا قلت لا تكبر ؟!
فمصرٌ لم تعٌد مصراَ
          و تونس لم تعد خضرا
و بغدادٌ هي الأٌخرى
          تذوق خيانة العسكر.
و إن تسأل عن الأقصى
            فإن جراحهم أقسى
بني صهيون تقتلهم
            و مصرٌ تغلق المعبر..
و حتى الشام ياولدي
              تموت بحسرةٍ أكبر
هنالك لو ترى حلبا
              فحق الطفل قد سٌلِبا
و عرِض فتاةُ يٌغتصبا
        و نصف الشعب في المهجر.
صغيري إنني أرجوك
          نعم أرجوك لاتكبر
إقرؤوها وتأملوا
لا حول ولا قوة إلا بالله

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلا.. توقيف شخصين للاشتباه في تورطهما في حيازة والاتجار في المخدرات

تمكنت عناصر الشرطة القضائية بمدينة سلا بناءً على معلومات دقيقة وفرتها مصالح المديرية العامة لمراقبة ...