قراءة في النظام الأساسي المؤقت لمستخدمي الوكالات الحضرية

بقلم نورة المومني

تعتبر الوكالات الحضرية مؤسسات عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية، في إطار اللامركزية المرفقية، مع إخضاعها للرقابة والوصاية الإدارية من طرف الإدارة المكلفة بالتعمير، وقد تم اللجوء إليها كأسلوب لإدارة المرفق العمومي وتفادي مساوئ وعيوب الإدارة المركزية المباشرة، المعروفة بالروتين وببطء الإجراءات الإدارية.
وإذا كانت نية المشرع في اللجوء إلى أسلوب الوكالة الحضرية، تكمن في تسهيل وتسريع الإجراءات الإدارية وتبسيطها، وتحقيق النجاعة والفعالية في الأداء للنهوض بقطاع التعمير، فإن الواقع يثبت عكس ذلك، لأن الهدف المنشود، لم يوازيه إصدار وضبط نصوص تنظيمية واضحة ودقيقة..  
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أهمية الموارد البشرية ودورها في تدبير المؤسسة لتحسين أداء المرفق العمومي، فإنه من اللازم إعطاء أهمية للعنصر البشري من خلال توفير الضمانات الأساسية، لتشجيعه وتحفيزه لتحسين أدائه الوظيفي. لكن للأسف، نلاحظ اليوم أن مستخدمي الوكالات الحضرية، يخضعون لأنظمة أساسية مؤقتة، طال عمر أمدها لأزيد من 20 سنة، وهي الآن لا تساير التطور والدور الهام الذي أسند للوكالات الحضرية في تدبير قطاع التعمير. فهذه الأنظمة لم ترق بعد إلى مستوى النصوص التنظيمية، حيث تعد بمثابة أنظمة داخلية، تم ويتم اللجوء إليها ما دام هناك فراغ تشريعي في الموضوع، وأغلب مقتضياتها، يشوبه الغموض، وتتميز بعدم الوضوح والدقة، الأمر الذي سمح باتساع مجال السلطة التقديرية للإدارة وإصدارها للعديد من القرارات المتسمة، في كثير من الأحيان، بالشطط في استعمال السلطة، إما خطأ لسوء تفسير القاعدة القانونية، أو غلطا عن قصد لإنزال عقوبات انتقامية في حق بعض المستخدمين، عن طريق استغلال عدم وضوح مقتضيات مشروع هذا النظام الأساسي.
ولقد شهدت مجموعة من الوكالات الحضرية إصدار العديد من القرارات التعسفية التي تتسم بعيوب القرار الإداري، وتتجلى غالبيتها في عيب مخالفة القانون؛ عيب عدم الاختصاص؛ عيب السبب؛ عيب الشكل؛ وحتى عيب الانحراف في استعمال السلطة..
فيما يخص عيب مخالفة القانون: تم إصدار مجموعة من القرارات المخالفة لقانون الوظيفة العمومية الذي يعتبر مرجعا أساسيا ينبغي الاعتماد به، خصوصا وأن الأنظمة الأساسية لا بد لها من احترام التراتبية القانونية في شقها المتعلق بالضمانات الأساسية.. 
ففي مجال السلطة الخاصة بالتأديب، طبقت إحدى الوكالات الحضرية عقوبة العزل في حق متمرن بسبب تركه للوظيفة، عوض عقوبة الإعفاء؛ وذلك راجع لعدم الإشارة في مشروع النظام الأساسي المعمول به حاليا، لباب خاص بالمتمرنين، وتحديد العقوبات الممكن تطبيقها في حقهم، على غرار أنظمة أساسية لمؤسسات عمومية أخرى.. وكنموذج فإن الفرع الثالث (من المادة 13 إلى المادة 25) من المرسوم رقم 2.01.1637 الصادر في 2 يوليو 2001 بشأن النظام الأساسي الخاص بمستخدمي بريد المغرب، تطرق لكل ما يهم المتمرنين.. 
وبالنسبة للحالة السالفة الذكر، وأمام الفراغ التشريعي والتنظيمي الحاصل في النازلة، كان لابد من الرجوع لمقتضيات المرسوم الملكي رقم 62.68 بتاريخ 17 ماي 1968 بتحديد المقتضيات المطبقة على المتمرنين بالإدارات العمومية..
وفي نفس السياق المتعلق بالسلطة التأديبية، ينص مشروع النظام الأساسي لمستخدمي الوكالات الحضرية على إمكانية اتخاذ العقوبات التأديبية من قبل من له منصب مسؤولية، ابتداء من منصب رئيس المصلحة، الأمر الذي يتناقض تماما مع قانون الوظيفة العمومية، فبالرجوع للفصل 65 المحدد لمجال السلطة الخاصة بالتأديب، فإنه تختص بحق التأديب، وحدها السلطة التي لها حق التسمية، بمعنى أن سلطة التعيين هي السلطة التي لها الحق في التأديب دون غيرها، وهذا ما يمكن أن نسميه بوحدة القرار، ودون ذلك فهو مخالف للقانون.. 
وللأسف، وعلى سبيل المثل، فإن إحدى الوكالات الحضرية، بسبب تعدد المتدخلين الذين سُمح لهم باتخاذ القرارات التأديبية، تم توجيه إنذارين لمستخدم واحد على نفس الخطأ من طرف سلطتين مختلفتين، الشيء الذي أدى إلى حرمانه من الترقية، ما دام الحصول على إنذارين خلال سنة واحدة، يعد بمثابة الحصول على عقوبة توبيخ، وهي عقوبة تؤدي إلى الحرمان من الترقي في السلم الإداري. ففي هذه الحالة لم يتم احترام القاعدة القانونية القاضية بعدم إعطاء عقوبتين أو أكثر على نفس الخطأ، ناهيك عن اتخاذ مجموعة من القرارات الإدارية المعيبة التي حكمت المحكمة بإلغائها بسبب عيوب القرارات الإدارية السالفة الذكر.. 
أما فيما يتعلق بمنظومة الأجور، فإذا كان الأجر آلية لتحفيز العنصر البشري، فإن واقع الوكالات الحضرية يثبت عكس ذلك. فمنظومة الأجور المعمول بها، تعتريها عدة اختلالات، نخص بالذكر منها: هزالة الراتب الأساسي مع هيمنة التعويضات في مكوناته، اعتماد معايير غير منصفة في أداء المنح السنوية، وتقاعد هزيل لا يسمح بضمان كرامة عيش المتقاعد.
والأكثر من ذلك، ففي الوقت الذي كان فيه المستخدمون يتطلعون ويطمحون لإخراج نظام أساسي منصف وعادل، تفاجأ الجميع بإصدار تعديل مجحف وغير منصف في حق المستخدمين، يكرس فوارق في مجال تدبير المنح السنوية، تم الاعتداء فيه على ذوي الأجور المتوسطة، وهي الفئة التي تعرضت لنقص فاق 2.000 درهم في مبلغ المنحة السنوية برسم سنة 2018، مما يدل على تراجع كبير في حق المكتسبات وفشل في سياسة تدبير ملف النظام الأساسي. وهذا الأمر كان سببا في الشعور باليأس والإحباط الوظيفي لدى الفئات المتضررة، وأدى بالعديد من الأطر إلى التفكير في المغادرة والبحث عن وظيفة أكثر استقرارا وأمانا لمستقبلهم. 
وأمام هذا الوضع، تبقى عدة تساؤلات مطروحة نلخصها فيما يلي: 
ما هي التدابير والإجراءات التي ستعتمدها الوزارة الوصية في إخراج نظام أساسي يرقى إلى متطلبات المستخدمين؟!، وهل سيتم إشراك كل الفاعلين والنقابيين والمتخصصين في المجال القانوني والمالي لإعادة دراسة هذا المشروع للنظام الأساسي؟! ولماذا لا تتم الاستعانة بتقارير مكتب الدراسات الدولي الذي كلفته وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية بدراسة منظومة الأجور بهدف وضع تصور لمنظومة جديدة حديثة ومحفزة؟!. تساؤلات سنعود لها بالتفصيل في مقالات لاحقة..
(*) نورة المومني، إطار بالوكالة الحضرية بالخميسات، ماستر التدبير الإداري والمالي.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كعكعة المناصب العليا…الحقاوي تقصي الحركة الشعبية في مقابلة التعيين لمنصب مدير التعاون الوطني

قبيل ساعات من الإعلان المرتقب عن تعيين مدير للتعاون الوطني، بالمجلس الحكومي ليوم الخميس ،تعيش ...