“قصبة بولعوان” الكنوز المخفية والتاريخ المنسي

بقلم عبد الرحيم بن بوشعيب مفكير

نحاول في هذه العجالة نفض الغبار على تراثنا وتنبيه المسؤولين إلى ما يتعرض له من عدم مبالاة، وتنكر لتاريخ عريق تشهد عليه جدران تتآكل يوما. قصبة بولعوان إحدى الحصون الضاربة في التاريخ والشاهدة على عظمة حضارة نسجت في قرون سالفة.

لقد حاول فيلم “خربوشة ” كشف بعض أسرارها وتقريب الجمهور المغربي من معالمها ، وعمل الفاعلون الجمعويون والسياسيون والمتدخلون من برلمانيين وهيئات ومنظمات حكومية وغير حكومية  وأعضاء مجالس قروية ببولعوان وجمعيات مجتمع مدني تنبيه الجهات الوصية لاسيما وزارة السياحة والثقافة إلى الالتفات لهذا التراث هذا التراث المنسي وصيانته وترميمه .

قصبة بولعوان التاريخ المنسي :

بمجرد إلقاء إطلالة  على القصبة تشد زائرها بجاذبية غريبة وتسحره بجمالها رغم أنها أصبحت بناية آيلة للسقوط وكومة من تراب في العديد من أجزائها، لكنها تتحدى الطبيعة بشموخها وتأبى الخنوع والانبطاح وتواجه رياح الشتاء وحر الصيف ، كأنها تقول لنا أنا هنا منذ زمن بعيد. وبعد عبور بوابتها تنطق أنا رابطة الشمال بالجنوب أنا تاريخ عظماء المغرب وكاثمة الأسرار.

كان لهذه القصبة في الماضي باعتبار موقعها الذي يتحكم في الممرات الرئيسية بين مراكش وفاس أهمية إستراتيجية بالإضافة إلى موقعها على الحدود المشتركة بين ثلاثة تجمعات قبلية كبرى هي دكالة والشاوية والرحامنة مما جعل منها من الناحية السياسية والعسكرية مركزا ممتازا للمراقبة، وإن اختفت اليوم هذه الأهمية ، فان أهميتها الأثرية لازالت قائمة تؤكد على ما لأجدادنا من براعة في تشييد القلاع والحصون وإحكام وسائل الدفاع والحصار فيها بدقة ومهارة .وقد ظل المولى اسماعيل يستعمل هذه القصبة أثناء تنقلاته بين فاس ومكناس ومراكش .لقد تم تأسيسها سنتي 1713/1714 على الضفة اليسرى لنهر أم الربيع ، ولها مكانة استراتيجية مكنت من رؤية محيطها عبر ثلاث جهات في غياب وسائل التقاط الذبذبات الخاصة بالمهاجمين ، وتقع بين ثلاث قبائل مهمة دكالة والشاوية والرحامنة ، مما أتاح لها إمكانية مراقبة محور طريقي هام بين الشمال والجنوب، أي بين فاس ومراكش عبر الرباط ، وكان يرتاح فيها المولى إسماعيل عند زوجته الدكالية حليمة غشاوة.

تقع القصبة  على صخرة إحدى منحنيات نهر أم الربيع مشرفة على أحد معابر هذا النهر الأكبر بالمغرب. منذ القرن 16 م، تحدث ليون الأفريقي عن قرية تحمل اسم بولعوان على ضفة النهر المذكور، إلا أنه من المرجح أن لا يكون الأمر يتعلق بالقصبة الحالية التي شيدت على ربوة مرتفعة. عرفت القصبة انطلاقا من عدة مصادر تاريخية من بينهـا كتـاب طومـاس بيلوو ومصدري الزياني والناصري. وفي بداية القرن 20 م، زار ايدمون دوتي القصبة وخصص لها وصفا دقيقا.

ينتظم هذا المعلم على شكل رباعي الأضلاع غير منتظم. وفي السفح الجنوبي ترتفع خمسة أبراج داعمة. وفي البرج الأوسط، ينتصب باب كبير. أما السفح الشمالي فمحصن بأبراج تحمي زوايا السور فقط. من جهة الغرب نجد برجا نصف دائري ومن الشرق يوجد برج مستطيل. تتكئ على هذا الأخير بناءات تحتوي على باب سري يربط، عبر ممر منعرج، القصبة بالنهر الموجود أسفلها.

بني الباب الرئيسي بالحجر المشذب وهو على شكل عقد منكسر متجاوز ذو مركزين، وتحمله عضاضتان. وتعلو نقيشة على شكل إفريز إطار الباب، وتحمل تاريخ بناء القصبة واسم المهندس الذي أوكل إليه مولاي إسماعيل القيام بذلك. كان تصميم الباب في الأصل منعرجا إلا أن أدخلت عليه إصلاحات جعلته ممرا مستقيما. ويحتوي في داخله على حجرات وحجرات الحراس. ويمكن درج من الارتقاء إلى سطحه، كما يمكن من الوصول إلى غرفة فوق الباب تتصل بممشى الحراسة.

يوجد داخل قالب:القصبة حي سكني يسمى [بدار السلطان]، يحتوي على برج مخصص للسكن وفي نفس الوقت للحراسة. يضم هذا الجانب كذلك المراحيض والحمام وبعض الغرف السكنية الجميلة كما تؤكد ذلك الزخرفة التي خصصت لها من زليج وجص منقوش وأجزاء من أعمدة رخامية.

كما تحتوي القصبة على مخازن وإسطبلات ومسجد ذو مئذنة وخزان للمياه. وفي المنطقة التي كانت فيها الربوة شديدة الانحدار تم تدعيمها بجدار لخلق منصة مصطنعة تقي هذه الحافة من الانجرافات . من جهة الشرق نجد ممرا طويلا بين جدارين جانبيين. وتحمي غرفة متعددة الأضلاع الزاوية المتجهة نحو الشمال. يصل هذا الممر إلى النهر وإلى صهاريج يحتمل أن تكون قد استعملت لسقاية الحيوانات.

تعتبر قصبة بولعوان، كما هو شأن العشرات من القصبات التي تؤثث المسالك والطرق السلطانية في عهد مولاي إسماعيل، مركزا مستقلا، وتعيد إنتاج نموذج القصبة المعزولة التي عرفت منذ المعسكرات الرومانية إلى الحصون البيزنطية. منذ القرن الثاني عشر الميلادي، استعملها المرابطون عندما بنوا عدة قصبات وقلاع حقيقية لحصر الخطر الموحدي (أمركو، تاسغيموت…). واستمر هذا التقليد مع الموحدين والمرينيين الذين وطنوها في مناطق حيوية. وفي الفترة السعدية، بنيت قلاع وقصبات جديدة منها على الخصوص القصبة الزيانية (سهل تادلة) وقصبة الوليدية (على الشاطئ الأطلسي بين الجديدة وآسفي) .

جمعيات المجتمع المدني تطالب بالترميم :

لقد سبق أن خصصت ميزانية لإنقاذ القصبة سنة 2012م وقدر المبلغ المخصص للترميم ب: 6 ملايين درهم لكن لم يرق إلى مستوى دفتر التحملات ونتجت هفوات ناجمة عن جهل بمعايير الترميم ، وإن كان من إيجابية فتتمثل في المحافظة على بقاء المعلمة قائمة.

يقول ذ: إبراهيم بورمانة فاعل جمعوي وعضو نادي الخير للبيئة بأولاد أفرج ”  إن حاجة قرية أولاد أفرج ومحيطها إلى فضاءات سياحية تساهم في فك العزلة عنها ، وتخلق فضاء حيويا لأنشطة جمعيات المجتمع المدني ومتنفسا للساكنة يفرض ترميم القصبة وتأهيلها لتصبح مزارا سياحيا للمغاربة عموما وساكنة المنطقة خصوصا. وبالنظر إلى موقعها فإنها ستجلب السياح وتنعش الاقتصاد، وغير خاف مكانها الاستراتيجي فهي تربط بين عدة مناطق بالمغرب بين الجديدة وسطات عبر بولعوان وبين بولعوان ومدينة سيدي بنور ومراكش غيرها من مدن الجنوب والطريق الرابطة بين الجديدة وسطات إلى بني ملال تمر بالقرب من القصبة ، ويضيف ، نفكر نحن في النادي الذي سيصبح خلال الأيام القادمة جمعية في رفع مذكرة للجهات الوصية بإعادة ترميم القصبة والاهتمام والحفاظ على البيئة والنباتات بتلك المنطقة المطلة على نهر أم الربيع. وقد نظمنا العديد من الرحلات للقصبة التي تسحر زائريها بجمالها. كما أنه بالإمكان أن تتحول إلى وجهة سياحية مهمة .

وأكد (ع . م ) فاعل جمعوي  ابن المنطقة أنه جد متأثر بما يقع للقصبة وللإهمال الذي يطالها ، وأن اللامبالاة تساهم في محو الذاكرة المغربية وعدم تعرف الأجيال على تاريخهم وعظمائهم ، ولقد كان بالإمكان يقول استغلال القيمة التاريخية للقصبة كمحرّك اقتصادي سياحي للمنطقة، لكن ما يتهدد معالمها من أخطار الاندثار، بفعل عوامل التعرية وضربات الزمن، يجعل ذلك مجردَ حلم لم يتحقق. ورغم أنه كانت هناك محاولات لترميمها، فإنه لم يراعِ الشروط العلمية الضرورية التي يعرفها أهل الاختصاص، وهذا ما أفقد هذه العملة النادرة كثيرا من ملامح وجهها الحقيقية، الذي يلزم، ولا شك، المحافظة عليه، للمحافظة على قيمتها التاريخية.

“خربوشة ” تفصح عن وجه القصبة :

استطاع فيلم ” خربوشة ” أن يعرف بالقصبة وبالبناية ، وإن كانت أحداث الفيلم تتحدث عن قصة الشيخة “خربوشة ” والقائد.

الشيخة خربوشة تخاطب في عيطتها القائد المفترس ” سي عيسى بن عمر” الذي كان يعد من ” أكثر القواد الجهويين أهمية في الإمبراطورية الشريفة ” نهاية القرن 19 بإقليم عبدة. خربوشة المرأة المغربية التي أعلنت من خلال أغانيها التحدي وحرضت القبيلة بالتمرد على هذا القائد المفترس … تقول في عيطاتها : 

خربوشة ماشي قصارة وركزة 
خربوشة نخوة وعزة تشفي الجراح وقت الحزة
فينك أعويسة وفين الشان والمرشان 
تعديتي وخسرتي الخواطر وظنيتي القيادة على الدوام
في أيامك الجيد مابقالو شان
والرعواني زيدتيه القدام 
سير أعيسى بن عمر أوكال الجيفة.. ويا قتال خوتو ومحلل الحرام 
عمر الظالم ما يروح سالم 
وعمر العلفة ماتزيد بلا علام 
ورا حلفت الجمعة مع الثلاث يا عويسة فيك لا بقات 
أنا عبدة لعبـــــدة
ولسي عيسى لا
نوضا نوضا حتا لبوكشور
نوضا نوضا حتى دار السي قدور
زيدو أولاد زيد راه الحال مازال بعيد ………. 
آسعدية طلبي بوك علي إلى اوتيت سامح لي 
واخا قتلني واخا خلاني
مندوز بلادي راني زيدية 
على كلمة خرجت لبلاد واخرجت لحكام لا سلامة ليك آليام 
واخـــايت عليك الايــــام والايـــام الايــــــام أيـــام
القهرة والظلام فينك ياعويسة وفين الشان والمرشان ؟
حرقتي الغلة وسبيتي الكسيبة وسقتي النسا كيف الاغنام
ويتمت الصبيان بالعرّام 
…. 
ما نحتاج نكرر قوالي* وما ناش بودربالة ولا بوهالي
واخا قلتو سكران راني حاضي حوايجي
سرجت للحق قلامي وسرت فطريق مظلاما مونس بنور العالي
نجهر بكلامي وفعالي كلمة على كلمة يتغير حالك وحالي.
… خربوشة ماشي قصارة وركزة
خربوشة نخوة وعزة تشفي الجراح وقت الحزة

لقد كشف الفيلم عن الظلم والاستبداد والاستعباد في زمن القائد عيسى وكيف واجهته قبائل أولاد زيد ، وجل أطوار الفيلم دارت بقصبة بولعوان التي هي الآن ممر لبعض الدواوير ، وعرف المغاربة من خلال الفيلم قصبة اسمها بولعوان .

خــــــلاصـــــــة :

اليوم على وزارة الثقافة ومن خلال دعوة جميع المهتمين والغيورين والحالمين بمغرب جميل يحافظ على قيمه وهويته الحضارية وتراثه على إنقاذ قصبة بولعوان وترميم حصونها وإعادة ما اندثر منها. وبدون شك سيكون للمنطقة شأن آخر وتشكل عمودا فقريا لمنتوج سياحي دكالي فريد يرتكز على قيمته التاريخية والمعمارية  ويضيف للفضاء والسحر الطبيعي والمتنوع الموجود بالمنطقة نسقا جماليا ورونقا قل نظيره سيجلب بدون شك سواحا ومعجبين من أبناء الوطن وخارجه. كما يتيح استثمارات مهمة تعود على المنطقة بالنفع .

 بهذه المنطقة المنسية توجد “طازوطا” و”صقور لقواسم ” ونهر” أم الربيع ” الممتد ، و”عين تالمستّ وجمال “البراج ” ، و”مهيولة “. كما أن المنطقة تستحق إنجاز المشروع الذي لم يرى النور منذ عهد البصري وهو  مشروع الغولف.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرينبلات و”صفقة القرن” للكاتب الفلسطيني “منير شفيق”

    المقابلة التي جرت بين جودي وودورف وجيسون غرينبلات، ونشرت على المواقع في 17 ...