قضية الصحراء المغربية بين الثابت والمتحول

بقلم أبو أيوب

يقوم في هذه الآونة السيد بوريطة، وزير الشؤون الخارجية و التعاون الدولي، بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية، في سباق ضد الساعة، يروم من خلالها جس نبض الإدارة الأمريكية الحالية، لا سيما بعد المواقف المعلنة حديثا لهذه الإدارة حول تطورات ملف الصحراء، و ما صرح به مستشارها في مجلس الأمن القومي … و تأتي هذه الزيارة أياما قليلة بعيد زيارة الوزير الجزائري و ما تلاها من ترأس اللجنة الإستراتيجية العليا بين الجانبين، لقاء اليوم اقتصر على جلسة مع نائب كاتب الدولة في الخارجية خلال مأدبة غذاء، على أمل أن يستقبل من طرف نظيره الأمريكي السيد بومبيو، كما يتطلع السيد بوريطة للقاء محتمل مع السيد جون بولتون، أكبر داعمي و مساندي الخصوم في الإدارة الأمريكية، حيث لم يخف يوما تعاطفه أو نواياه لصالح الخصوم … و من ضمن أهداف الزيارة كذلك، محاولة لإحياء اللجنة العليا المشتركة بين البلدين و التي توقفت عن الإنعقاد منذ آخر جلسة سنة 2015، كما تتزامن الزيارة مع ندوة التحالف الدولي الأمريكي لمكافحة الإرهاب، خصوصا إرهاب الدولة الإسلامية في العراق و سوريا بعد مرور أربعة سنوات و نيف على بدايته، قد يشي بعدم تمكن الوزير المغربي من لقاء كل من كاتب الدولة في الخارجية و مستشار الأمن القومي، و إن حصل اللقاء بحسب بعض المتتبعين و الملاحظين الدوليين، سوف يكون ضمن إطار التحالف الدولي، ما يعزز هذه الفرضية .

برودة العلاقات الثنائية التي تأثرت كثيرا إثر الهبة المغربية و المساندة و الدعم الذي قدمته المملكة المغربية،  للسيدة هيلاري كلينتون إبان حملة الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، موقف مغربي لم يرق كثيرا و لم يستسغه الرئيس ترامب و إدارته، حيث أرخى بظلاله على مجمل العلاقات مع المغرب بلغت أوجها حد :

*  عدم استقبال العاهل المغربي عندما صادف تواجده بميامي الأمريكية مع تواجد الرئيس الأمريكي .

* عدم تعيين سفير جديد لأمريكا بالمغرب لمدة طويلة في حين تم تعيين سفير في الجارة الشرقية .

أحداث تتسارع و مستجدات تطفو مشكلة ضغوطا نفسية على الديبلوماسية المغربية، نستعرض بعضا منها استشرافا للآتي في المقبل من الأيام، قد تنسينا نشوة الإنتصار “اتفاقية الفلاحة/ الإتحاد الأوروبي” :

  •  إنطلاق فعاليات التضامن و الوقفات من أمام مقر الإتحاد الأوروبي بالعاصمة البلجيكية بروكسيل، و إلى حدود يوم 13 من الشهر الجاري، حيث موعد التصويت على اتفاقية الصيد البحري، و الذي يتزامن مع انعقاد القمة الإفريقية بأديس أبيبا “إثيوبيا” .
  •  في سابقة من نوعها، دشن الخصوم حملة على وسائل التواصل الإجتماعي “تويتر …” لمعرفتهم أن جل البرلمانيين الأوروبيين لهم حسابات على هذه المواقع، في محاولة للتأثير عليهم و نيل تعاطفهم و من ثمة الدفع بهم لعدم التصويت على هذه الإتفاقية. 
  • تساؤل النائبة البرلمانية الإسبانية عن حزب بوديموس و المرفوع للسيدة موغيريني، رئيسة مفوضية الإتحاد الأوروبي، تلح فيه بوجوب تدخل المفوضية لدى الحكومة المغربية من أجل إطلاق سراح معتقلي حراك الريف، و قد صاحبت طلبها هذا،  بضرورة بعث لجنة حقوق الإنسان التابعة للإتحاد الأوروبي إلى المغرب  للتقصي و الإطلاع على أحوال المعتقلين، خصوصا بعد الإعلان عن مرض دينامو الحراك “الزفزافي” و المناكفات الحاصلة بين أسر المعتقلين و المديرية المركزية لإدارة السجون. 
  • ما يقع حاليا من مناوشات الخصوم بمعبر الكركرات، و استحداث لعاشر موقع رصد تابع للبعثة الأممية و ترصد لأي خرق لوقف إطلاق النار، حيث مئات الشاحنات المغربية المحملة بكل أنواع السلع و المنتجات متوقفة لمدة قاربت العشرة أيام،  في انتظار فتح المعبر لتمكينها من العبور إلى موريتانيا و السينغال، على إثر البلوكاج حيث تعالت أصوات السائقين المهنيين منددة شاجبة لتصرفات بعض المسؤولين المغاربة، الذين عجزوا عن تقديم أية إيضاحات أو تفسيرات لما يجري، توقف الشاحنات بالمعبر تسبب في خسائر مادية كبيرة خاصة لتجار الخضراوات. 
  • الخرجة الإعلامية الأخيرة ضد المصالح المغربية، للذرع الإعلامي الضارب للمملكة العربية السعودية قناة العربية، و حكاية تناولها لملف الصحراء بطريقة غير مألوفة، عبر بث برنامج وثائقي تناول معدوه الإشكالية الصحراوية من زاوية الدعم و المساندة لمقاربة الخصوم، ليفقد المغرب داعما أساسيا له في الملف “السعودية” مع تواري باقي دول الخليج إلى الوراء و عدم الإدلاء بأي تصريح أو موقف رسمي تجاه ما يحصل، للإشارة فقناة العربية، من أستوديوهاتها المركزية بالإمارات العربية المتحدة، لمالكها الأمير الوليد بن طلال إبن خالة الأمير مولاي هشام، تعتبر الناطق الرسمي المعبر عن السياسة الخارجية لمملكة آل سعود . و هنا يجدر التساؤل عن الدور الإماراتي بغض النظر عن باقي دول الخليج. 
  • الأحداث الجارية بفينزويلا و اصطفاف المغرب إلى جانب المعارضة إرضاءا و تقربا من أمريكا، قد يثير حفيظة الروس، نظرا لعلاقاتهم الإستراتيجية المتميزة مع حليفهم التقليدي بأمريكا اللاثينية “مادورو حاليا و قبله هوغو تشافيز”، كما قد يساهم في انقلاب  السحر على الساحر، أي، تشدد في الموقف الروسي تجاه قضية الصحراء مع انعدام تقارب مغربي أمريكي، تبعا لضبابية موقف الإدارة الأمريكية و تأرجحها و ترجيحها للموقف المناهض للمقاربة المغربية، تسرع الإصطفاف دون دراسة متأنية و دون ضمانات أمريكية بالخصوص،  قد تكون له مضاعفات خطيرة و تداعيات غير محتملة و لا مطاقة في ملف الصحراء . 
  • تراجع فرنسا “حليفتنا الإستراتيجية” إلى الخلف و تلاشي دورها على الساحة الدولية، تبعا للأزمة المالية الخانقة و الركود الإقتصادي، ناهيك عما سببته الإحتجاجات و الإضطرابات الأخيرة “السترات الصفراء” و ما تلاها من مسيرات أسبوعية غاضبة و من صدامات مع قوى الأمن، أفقدت السلطة المركزية التركيز على مصالحها الخارجية، ما خلق نوعا من الأريحية و الإنشراح في مستعمراتها السابقة “جمهورية الغابون كمثال” حيث تعالت أصوات المعارضة منادية بالتغيير، تغيير إن تم سيضر بالضرورة بمصالح فرنسا الإستراتيجية، و هي المنهمكة حاليا في رثق تصدع علاقاتها مع محيطها الأوروبي “ايطاليا/ ألمانيا كمثال” على إثر التصريحات الأخيرة لرئيس الحكومة الإيطالية . 
  • إنعقاد الدورة الشهرية لمجلس الأمن الدولي، و تقديم السيد هورست كوهلر المبعوث الشخصي للأمين العام لإحاطته أمام أعضائه حول مستجدات الطاولة المستديرة، ثم الدعوة لأخرى شهر مارس، مع نية الإجتماع بكل الأطراف المعنية بالنزاع في غضون الأيام المقبلة، تحضيرا لتقرير الأمين العام الأممي نهاية شهر أبريل المقبل.

عوامل اجتمعت إذن لتشكل ضغطا إضافيا على كاهل الديبلوماسية المغربية، ربما سيضطر معه وزير الخارجية المغربي لأن يبقى في الجو، رحلات متواصلة دون انقطاع، من بلد لآخر بحثا عن تضامن مفقود و تآزر منشود و فضفاضية وعود و شح عهود، عهود إخوة لنا ناصرناهم بالأمس و هم اليوم ينكثون.

و بحسب بعض المحللين، فقد كان الأولى للديبلوماسية المغربية تفعيل دور أكبر جالية مغربية يهودية ببلاد العم سام، بقيت وفية لأصولها و جدور أجدادها و أسلافها، لم تقطع يوما شعرة معاوية مع بلدها الأصلي، تفعيل دورها لما لها من لوبي و صوت مسموع، سواء لدى صناع القرار الأمريكي أو داخل إسرائيل، كبار ضباط الجيش الإسرائيلي و بعض ساساتها و أحبارها يهود مغاربة، بذل الركون إلى ما صرح به الناطق الرسمي باسم الحكومة ذات يوم، عن انطلاق حملة تكوين بعض الشباب المغاربة من أجل الترافع في المنتديات و الملتقيات للدفاع عن القضية، لم يعد مكان للترافع أو التراشق، كما لم يعد مكان لمحاولات تسويق نظرية الوقوف في وجه المد الروسي و الإيراني و الصيني و التركي داخل القارة السمراء، خدمة للمصالح الأمريكية، القرار صدر و الخطة رسمت و المنهجية خطت في كواليس مجلس الأمن و دهاليز الإدارة الأمريكية و أقبية مجلس الأمن القومي الأمريكي، حيث لا مكان للضعفاء، المتأرجحين بين الشرق و الغرب، أينما هبت الريح يميل الشراع.

ألم تتنبأ الشوافة بقاتم و حالك الأيام ؟ بلى، و بوادرها هلت و إرهاصاتها بزغت و ما خفي كان أعظم، و بالتالي ستكون الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، نسأله تعالى أن يكفينا غمها و يبعد عنا همها على أمل لقياكم في أسعد اللحظات.

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اعلان مراكش في اختتام الدورة الخامسة للمنتدى الإفريقي للتنمية المستدامة أبريل 2019

تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نظمت المملكة المغربية ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية ...