قضية الصحراء المغربية : دلالات وإخفاقات

بقلم أبو أيوب

    ذهاب رئيس و إطلالة آخر لا تغير شيئا من معادلة السياسة، و معادلة العداء التقليدي المشترك المستمر بين قطبين أساسيين في شمال غرب إفريقيا، و أعني بهذا الجزائر و المغرب، فلكل منهما حساباته و منهجه و مقاربته، التي لا تصب بالضرورة في مصلحة الآخر، رغم التصريحات الرسمية المناسباتية، و رغم المبادلات التجارية في ظل إغلاق الحدود، و رغم استثمار الرساميل من خلال أنبوب النفط و الغاز، باتجاه أوروبا عبر الأراضي المغربية و الذي تتغذى منه محطات توليد الطاقة الكهربائية شمال المغرب، رغم كل هذا …….، تبقى سياسة العداء هي المتجدرة السائدة، هوس بالآخر و حذر منه، ما يثقل كاهل هذا و يؤرقه،  يبادر إلى تصريفه عبر إلقائه على الطرف المقابل و تحميله المسؤولية، و هكذا دواليك منذ الخروج المزعوم لفرنسا من البلدين .
   من الأفيد أن نشير عبر هذا المقال إلى فترات تاريخية، عاشها البلدان كل من منطلقه و تحليله و نظرته، لكل حججه و براهينه، همنا الوحيد تسليط الأضواء على دلالات بعض المقاربات السياسية، و إخفاقات التغطيات الإعلامية، و كيفية تسويق الأحلام و الأوهام من خلال ما جرى من أحداث.
    * أواخر سنة 1963 عرفت نشوب حرب الرمال، لا يهمنا من البادئ، بقدر ما يهمنا أهداف الحرب المعلنة، و كيفية إدارتها سياسيا و عسكريا، و ما هي النتائج السياسية و العسكرية المتوخاة، و ما كم و نوع ما تحقق من مطالب، بحيث كانت الأهداف المعلنة استرجاع الأراضي المفوتة من طرف فرنسا. لا شيء من هذا القبيل تحقق، اتفاقية باماكو /مالي بين المتحاربين أسفرت عن إيقاف الأعمال الحربية و ابرام اتفاقية صلح و سلام، بمبادرة من إمبراطور إثيوبيا ” هيلاسيلاسي ” و ” مودي بوكيتا ” رئيس مالي، وضع نجم عنه بقاء تلك الأراضي تحت سيطرة الجيران، كما نتج عنه تسويق الإنتصار و التغني بالبطولات، قلبا للحقائق و خوفا من تأنيب ضمير أو على مشاعر و أحاسيس شعب، كيفما كان الحال،  ابتلعت الصدمة و هضمت الإنتكاسة و عاد الجميع إلى حياته الطبيعية، و كأن شيئا لم يكن. 
    * عشر سنوات بعد انتهاء الحرب و عودة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، عرفت مدينة إفران سنة 1973 انعقاد قمة شارك فيها الرئيس الهواري بومدين إلى جانب العاهل الراحل الحسن الثاني، على رأس المواضيع المطروحة للنقاش، قضية الصحراء و الإستعمار الإسباني، و ما هي الوسائل الناجعة لوضع حد للأمر الواقع الذي يفرضه هذا التواجد الأجنبي ؟ و ما إن كانت هناك مطامع أو مطالب جزائرية ؟ أو ما هو موقفها في حالة نشوب نزاع عسكري بين المغرب و إسبانيا على خلفية القضية ؟ كانت الردود في مجملها تسير في اتجاه أن لا مطالب للجزائر في الموضوع، و أن همها الأوحد هو تصفية الإستعمار و تمكين ساكنتها من الإنعتاق و الحرية، تصريحات موزونة لكن لها دلالات لم يفطن لها الجانب المغربي، قد تعتبر دسا للسم في العسل، أي حمالة أوجه، كونها لم تلتزم بعدم معاكسة المغرب، و في نفس الوقت، كانت تترقب و تترصد أية مبادرة مغربية لتبادر إلى الإحراج و العرقلة، انطلاقا من القرار الأممي لسنة 1962 الذي يصنف الصحراء ضمن الأراضي الغير متمتعة بالحكم الذاتي، بالتالي ضرورة الإنصات للساكنة و أخذ رأيها و استشارتها. هذا ما تاكد بالفعل في نفس السنة “73” عند دعمها و مساندتها في تأسيس ما سمي بالبوليساريو، سنتين قبل انطلاق المسيرة الخضراء، و هذا ما ثبت تأكيده أيضا من خلال اعترافها ب” الجمهورية المعلنة من طرف واحد ” ما بعد المسيرة . 
    * الخطاب الرسمي ما بعد استرجاع الأراضي من خلال المسيرة الخضراء، بمباركة اتفاقية مدريد الثلاثية ” إسبانيا/ المغرب/ موريتانيا ” ، و بمشاركة وفود أجنبية أمريكية/ فرنسية….. / عربية كالسعودية و الإماراتية …….، كان يروج لأيام معدودات من الأعمال القتالية و المناوشات العسكرية ” أسبوع أو أسبوعين ” ثم ينتهي الأمر و يستثب الأمن و الإستقرار، نظرة سطحية مستخفة بإمكانيات الخصم لا تنم عن بعد الرؤى، و في بعض الأحيان عاطفية استقوائية بالحلفاء اتكالية على مواقف الداعمين و المساندين، لكن في الأخير العكس ما تأكد من بعد  :
  • من خلال استبعاد كل التشكيلات الحزبية عن الخوض أو الإقتراب من مسألة الصحراء، و جعلها حكرا على المؤسسة الملكية دون سواها، خوفا من المزايدات و الإبتزازات الحزبية ” تصريحات عبد الرحيم بوعبيد و بعض قيادات الإتحاد الاشتراكي و حكاية إيذاعهم السجن بفعل الإنتقادات الموجهة للدولة على خلفية قبولها الإستفتاء كمثال “، بدل الإستقواء بمختلف أطياف المجتمع المغربي و إشراك الجميع في إبداع و ابتكار الحلول، فكان التغاضي عن مقاربة عمودية لصالح أخرى أفقية، مقاربة تم التسويق لها على كونها مقيدة و محصورة في القيادة الجزائرية، فبمجرد ذهاب الرئيس بومدين و مجيئ رئيس جديد، سوف تتحسن العلاقات و يعود الدفئ و لن نعود نسمع عن بوليساريو و لا نزاع صحراء ……
  • ثم من خلال انسحاب الجمهورية الإسلامية الموريتانية من اتفاقية مدريد سنة 79، على إثر تصاعد الضغوط العسكرية عليها، بلغت أوجها من خلال الهجوم على العاصمة نواكشوط، لم تسلم منها إلا بتدخل الطيران الحربي الفرنسي، هجوم من نتائجه إبرام اتفاقية صلح و هدنة و سلام مع الوهم، نتج عنها تبادل الإعتراف و إقامة العلاقات. 
   تحسن العلاقات و تطورها و تطويرها، رهان لطالما راهن عليه المغرب و ترجاه و عمل من أجله، حيث لم يذخر جهدا في سبيل تحقيقه، لا شيء تغير بتغير الرؤساء، من موريتانيا حتى الجزائر، اللهم فترة ترؤس الشاذلي بن جديد، أواخر الثمانينيات حيث  عرفت تحسن العلاقات و فتح الحدود و تبادل الزيارات و البعثات الديبلوماسية، لكنها في المقابل عرفت تصاعد الأعمال الحربية و المناوشات العسكرية بيننا و من حسبناه وهما، بعدها سوق لنا نحن قطيع المجاويع عبر مختلف وسائل إعلامنا أن المشكل في طريقه للحل و التلاشي، أقله حتى حدود العمليات الإرهابية بمراكش و فاس و قطع العلاقات ثانية مع الجزائر، على ضوء اتهامها بالضلوع و الوقوف خلف العمليات، حيث بقينا منتظرين مرتهنين لحلول رئيس جديد قصد تحسين العلاقات، بدل تحسنها شرع في إغلاق الحدود إلى أجل غير مسمى، ليبقى الوضع على ما هو عليه، هوس و احتراس، من تجلياته نهاية أحلام و تواصل رهان و أوهام . 
   لحدود الساعة و على ضوء الأحداث الجارية بالجزائر، لا زال الرهان المغربي مرتهنا بمخرجات أزمة الشقيقة الشرقية، إن لم نقل مهووسا مترقبا للتفاعلات و التجاذبات، و ما قد تشكله من تأثير و تفاعل و إسقاط على الداخل المغربي، أكثر ما يخشاه تصدير النموذج و عبوره للحدود، لا سيما بالمناطق الشرقية مستندا على الأواصر العائلية ” مصاهرة …”، تخفيفا للوطأة  بادرت بعض المنابر الإعلامية السوقية الترويج، لأخبار حلمت بظهور مطالب أثناء المسيرات تدعو إلى طرد الوهم من التراب الجزائري و إخراجه من مخيمات تندوف، أفكار و مطالب مستبعدة إن لم نقل مستحيلة في عرف الجزائريين، دون أن تفصح لنا هذه المواقع كيف و إلى أين و متى، ظنا منها أن هذا سوف يضع حدا للمعظلة، بينما هو في الواقع بمثابة فتح أبواب نحو المجهول و اللا استقرار، ما أحوج المنطقة برمتها إلى تفاديه. 
   عجبا، نعم أتعجب لمنابر إعلامية نذرت وقتها لتسويق الأوهام، تنويما لمجتمع، ثم تعتيما على حقائق فحجبا لأخبار، أخبار و مستجدات على طول جغرافية الوطن، يراد بها التغليط و عليها الإجهاز و لها الإقبار ، ثم ترويجا لأخرى كاذبة و غير ذات مصداقية، في حين أن لسان الحال ينطق بما فيه من اعوجاج، و ما يعيشه من تخبط و تردي و انزعاج، ليس بوسع التطمينات الرسمية و لا التصريحات الوردية إخفاءها، و لا إظهارها بمظهر الفتوحات والإنتصارات، و هنا أود الإشارة و التطرق لبعض منها مثالا لا حصرا، حفلت بها الأيام القليلة الماضية و سوقت لنا كونها إنجازات، ذات صلة بما يفرقنا و يؤرقنا مع محيطنا الجغرافي البعيد منه و القريب. 
  • ما أن أعلن المغرب عن قيامه بأضخم مناورات عسكرية في تاريخه قرب الحدود مع الجارة الشرقية، مناورات عزاها البعض إلى محاولة جس نبض و اختبار ردة الفعل، إن كان الإحجام فقد يقرأ ضعفا و ترهلا، و إن كانت ردة الفعل فتلك رسالة، إذ سرعان ما تم إرسال الجواب عبر مناورات متزامنة ” بحرية/ جوية/ برية ” قرب الحدود الشمالية الشرقية بمنطقة وهران، أكبر قاعدة عسكرية بحرية، لسان حالهم يقول بعدم التطاول أو الإستفزاز رغم الظروف الصعبة. 
  • تزامنا مع مناورات الأسد الإفريقي التي جرت أطوارها جنوب أكادير و على ضفاف وادي درعة، انطلقت بالجزائر مناورات الناحية العسكرية الثانية و الرابعة و الخامسة ، بعض المراقبين يقولون أن برمجة هذه الأنشطة العسكرية، المراد منها كبح جماح المغامرين من كلى الجانبين، عمليات ردع لنشوب حرب بالمنطقة على ضوء بعض التصريحات اللامسؤولة و ما تعرفه قضية الصحراء من تجاذبات في مجلس الأمن.
  • الخرجة الإعلامية الأخيرة  لوزير الخارجية المغربي، على إثر صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2468، حيث صرح و قال بالإنتصار، هذا ما يستوجب السؤال من قبيل، هل أذعن مجلس الأمن سيدي الوزير لمطلب المغرب و فرنسا بعدم الإبقاء على مدة الستة أشهر ؟ و هل تم تغيير إسم البعثة الأممية المينورسو و ما يحمله من حمولة سياسية إلى إسم آخر ؟ هل استسلم مجلس الأمن و أقر بثنائية النزاع بيننا و الجزائر ؟ و هل أعفانا هذا المجلس من مفاوضة الوهم ؟ ثم إلى من توجه المجلس و تقرير الأمين العام مطالبا بضرورة إفساح المجال أمام تحركات المبعوث الأممي و تمكينه من لقاء مختلف محاوريه بالإقليم ؟ و ما هي دلالات زيارة وفد السفارة الأمريكية ” برئاسة المستشارة السياسية ” و وفد السفارة الروسية لمدن الصحراء،  و نوعية اللقاءات في غياب أي حضور للسلطات الإقليمية و المنتخبين ؟ ما هي المهام التنسيقية الجديدة المنوطة بالبعثة الأممية و المبعوث الشخصي السيد كوهلر ؟ ما هو تفسيرك لتصريحات الجانب الأمريكي بخصوص التمديد لستة أشهر فقط عوض السنة ؟ ما دلالات الموقف الروسي و الجنوب إفريقي ؟ ما صحة الأخبار الرائجة حول الموقف الألماني العدائي لو لم تكن تترأس الجلسة الشهرية ؟ لماذا لم يتم تبني الطرح المغربي و الأخذ به و التنصيص عليه كحل للنزاع ؟ لماذا لم تصنف البوليساريو كمنظمة إرهابية، أو مجموعة مرتزقة أو منظمة انفصالية من طرف الأمم المتحدة، بحيث أبقت على وصيفها كحركة تحرير ممثلة لساكنة الإقليم، على الأقل جزء منها ؟ فبم تبررون فشلكم في تسليط الأضواء على ما قيل من انتفاضة المخيمات و محاصرة بالسلاح و الدبابات و … ؟ ما معنى سكوتكم عن مناورات الوهم العسكرية بعيد قرار مجلس الأمن الأخير بيوم واحد تزامنا مع مناورات أكادير ؟ أم أن الأمم المتحدة لم تلحظ شيئا من هذا القبيل ؟ 
   يقينا مني أن أسئلتي سوف تبقى دون جواب، و إن تم فلن يتجاوز المعتاد الذي عهدناه منذ تفجر الصراع، محاولات التفاف و تجاهل متعمد، تبخيس و ازدراء بقوة الخصم، تقليل من صدى التحركات، لكن ما ان يوغلوا في التسلل و التوغل و الاختراق، حتى تنطلق صيحات التنديد و الشجب و الوعيد، سرعان ما تخفت و يطويها النسيان، ليظهر تحرك جديد أكثر وقعا و إيلاما ، أكثر إزعاجا و استفزازا، على شاكلة ما تناقلته القنوات الأجنبية حول لجوء الوهم للمحكمة الأوروبية من جديد يوم الإثنين الماضي، مسعى من خلاله يتربص الوهم باتفاقية الزراعة و الصيد البحري الموقعة مع المغرب و التي لم تدخل بعد حيز التطبيق، في سبيل استصدار الحكم ببطلانها كسابقاتها .
   فيا أيها المسؤولون، إن حبل الكذب جد قصير، و إن غدا لناظره قريب، أو كما يقول إخواننا الفراعنة ” يا خبر بفلوس …. بكرة يبقى ببلاش “، سياستكم أدت بالمغرب نحو النفق المسدود، فصولها تحكيها مسيرات أساتذة متعاقدين، و احتجاجات أطباء و ممرضين، لم يسلم منها أي قطاع، مهندسون، محامون، صحافة الكترونية، جمعيات حقوقية …. حتى موحماد مول البيسري و بوشعيب الفراش و ثلة من جنود متقاعدين و آخرين مرابطين، الجميع يلضى تحت وقع أزمة من صنعكم و تشخيصكم و إخراجكم، ألم تفهموا بعد أن زمن التمييز و التعتيم، الإقصاء و التمييع، التغليط و التجهيل قد ولى و أصبح جزءا من الماضي ؟. 
   خلاصة القول، إن لم تستحيوا فافعلوا ما طاب لكم، لكن إحذروا نظرية الإسقاط، التملص من المسؤولية و تحميلها للآخر ” دول و أفراد ” ، لم تعد تجدي نفعا .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إعفاءات قد تنهي مسار أطر بوزارة التربية الوطنية

    حسب مصدر جد مطلع أكد لموقع الجديدة نيوز الحديث عن حركية يستعد لها ...