الخميس 19 يناير 2017 - 18:03إتصل بنا |
قهوة صباح االخميس 05 يناير 2017 الحراك في الريف ما بين القمع والحوار
قهوة صباح االخميس 05 يناير 2017 الحراك في الريف ما بين القمع والحوار

بقلم عبد الحق الريكي

موضوع قهوة صباح يومه الخميس 05 يناير 2017 يتعلق بالحراك القائم بمنطقة الريف (الحسيمة) :

فالريف، منطقة توجد شمال المغرب، معروفة بشواطئها الباهرة وهضابها الشاهقة و أهلها الذين عاشوا سنوات من التهميش و الإقصاء نتيجة انخراط الأجداد في معركة التحرير من عتق الاستعمار في بداية القرن العشرين و ملحمة المجاهد محمد بن عبدالكريم الخطابي الذي واجه جيوش الاستعمار الإسباني و الفرنسي و الغازات السامة، و من بعد انخراط الآباء مع استقلال المغرب فيما يعرف بالانتفاضة المسلحة لسنوات 1958-1959 و التي تم إخمادها بالدم و الحديد...

الريف و خاصة مدينة الحسيمة كانتا شاهدتين على محاولات المصالحة مع هذا الماضي الأليم الذي ما زال حيا في ذاكرة الساكنة، لكن في كل مناسبة نضالية يهُب أبناء الريف للانخراط في معارك الحرية و العدالة و الكرامة، وقع ذلك خلال الربيع المغربي لحركة 20 فبراير 2011 و مؤخرا على اثر استشهاد محسن فكري، مطحونا في حاوية أزبال، دفاعا عن حقه في العيش الكريم... اليوم، الريف و الحسيمة، في مفترق طرق حول الصيغة المواتية في مغرب 2017، الحوار أو القمع...

أنا، أنحدر من الحسيمة بالريف و أعيش في الرباط لأكثر من 40 سنة، منخرط في العمل السياسي منذ الطفولة... اليوم أتخندق، بعد تجارب عديدة داخل اليسار الراديكالي و الاشتراكي، في صف اليسار الديمقراطي الإصلاحي المؤمن بالعمل من داخل المؤسسات و المشارك في الانتخابات و المدافع عن فكرة الكتلة التاريخية و التحالف التاريخي ما بين الإسلاميين و اليساريين، دون التفريط في حق المواطن في الاحتجاج السلمي و الدفاع عن الحريات العامة و الفردية...

انخرطت في معركة دعم الحراك الشعبي و القادة الشباب الجدد الذين خرجوا من قلب المعركة الاحتجاجية و الذين يوجدون خارج أجندات الأحزاب والدولة... هذا الدعم الرمزي للحراك و قادته الشباب جعل الكثيرين يطرحون تساؤلات حول موقفي النضالي هذا... و هذا ردي على بعض الأسئلة لواقع يفرض الحكمة و التعقل لربح رهان آخر في مغرب يبحث عن تعايش يبعده عن كل التوترات التي يعرفها محيطه الإقليمي والجهوي...

لماذا تساند الحراك في الحسيمة؟

موقفي مبدئي نابع من إيماني بمساندة كل القضايا العادلة. ولا تنسى أنهم أهلي...

هل مساندتك مطلقة؟

ليس هناك المطلق... كل شيء نسبي وهذا يسري على الجميع..

هل توافق كل قراراتهم؟

تتحدث عن قرارات شباب وشابات الحراك... بطبيعة الحال لا... وهل هم على خط واحد؟ لا أظن، ما داموا كل مرة يعقدون اجتماعات مفتوحة ويناقشون بينهم... و يتناوشون على الفايسبوك... هم ليسوا حزبا ولا جماعة... أنا أختلف أحيانا و أوافق مرات..

ومع ذلك تساندهم؟

نعم... أفعل معهم كما أفعل مع أبنائي و الشباب والشابات في العمل... أناقشهم و أحاول فهمهم و لكن أساسا أشجعهم على المضي إلا الأمام.. هم جيل وأنا جيل... و إذا طلبوا رأيي فأنا مستعد للمشاركة إن كان لدي ما يفيد... و ما العيب في ذلك...

كيف تنظر لقائد الحراك، ناصر الزفزافي، وباقي القادة؟

هم قبل كل شيء نتاج الحراك... و خرجوا من رحم الحراك... و هذه ظاهرة جديدة عشنا بوادرها خلال الربيع العربي و في بلاد أوروبية كثيرة... 

لكن هل تعرف توجهاتهم؟

ليس بالضرورة... كل واحد منهم له ماض و مواقف ومنهاج... و رجال الحال يعرفون ذلك أحسن مني... لكن قوتهم تكمن في لقائهم حول قضية الشهيد محسن فكري... و هذا اللقاء نتاج الضغط الشعبي الذي يصعب رصده و لكن هو الذي جعل منهم قادة و فرض عليهم الوحدة حول حد أدنى...

لم تجبني عن السؤال؟

أعرف أنك تريد معرفة إن كنت أنا شخصيا أعرف نواياهم الحقيقية... قلتُ لك أن رجال الحال يعرفون ما لن نعرف... أنا ما يهمني هو تحليل الظاهرة و جوهر الحراك... هم قالوا أنهم كقادة، ليسوا انفصاليين و لا جمهوريين ولا تمزغاويين، لكن تركوا الحرية لشعب الحراك للتعبير عن كل التيارات داخله أكانت أساسية أو هامشية..

أليست مقولة "الدكاكين السياسية"، حد فاصل بينك و بينهم، ما دمتَ ناضلت في الأحزاب و ما زلت تصوت للأحزاب  و لم تقطع مع الأحزاب؟

هههههه... جميل هذا التعبير، "الدكاكين السياسية"... و نحن هنا في الرباط، لطالما تحدثنا عن الدكاكين السياسية العديدة التي تستغل المناسبات الانتخاباتية و تفتح الدكاكين لمنح التزكيات... هههههههه هذا واقع... في الريف يعممون لأن لهم صراع مع الأحزاب خاصة الوطنية... و لا داعي للرجوع إلى الوراء... أتفهم موقفهم و ليس هذا كافٍ للقطيعة معهم، ما دام أكثر من 60 في المائة من المغاربة يقاطعون الانتخابات... موقفي حول الأحزاب و دورهم لا ينقص من شيء نظرتي لهم.. 

هل توافق على توسيع معركتهم لمناطق أخرى؟

أظنك تتحدث عن ما وقع في الناظور...

نعم، بالضبط، و أنت أعلنت تضامنك معهم؟

طيب... لنوضح الأمور... أنا أعيش في الرباط و أتابع ما يقع في الحسيمة و الريف عبر الفايسبوك... قُلت لك أنهم يتخذون قرارات و يتحملون تبعاتها... أنا موقفي مبدئي مناصر لهم ما دامت تحركاتهم سلمية... في الناظور تم الهجوم عليهم...

سنرجع للناظور... قبل ذلك أود معرفة موقفك من محاولات توسيع دائرة الاحتجاج؟

لا أملك المعطيات الميدانية الوافرة للجواب على السؤال... المهم أنهم اتخذوا قرارات و نفدوها و وقع ما وقع و عليهم الاستفادة من قراراتهم الصائبة و الخاطئة... هم شباب و شابات سيسقطون و سينهضون... تحليلي لبعد ما وقع... المخزن يقول لهم، حاليا، مسموح لكم إلى حين، التحرك في الحسيمة و كل محاولات توسيع رقعة الاحتجاج، سنتعامل معها حسب الظروف... و ما وقع في بني عبدالله كانت مقدمة للمناوشات التي وقعت في الناظور...

تقول مناوشات و قد استعمل موس كبير؟

نعم، رغم خطورتها و ضرورة استنكارها، فما وقع مناوشات و رسالات لقادة الحراك... ما وقع في الناظور يقع كل يوم في كل ربوع الوطن ووقع الكثير منه خلال الربيع المغربي... هو جس النبض و التنبيه والتخويف...

لكن رأينا سكينا كبيرا يجول وسط الحشود و كاد يزهق الأرواح؟

نعم ذاك المنظر كان مرعبا و غير مقبول بتاتا... لكن دعنا نحلل بهدوء... أعتقد بأن ما وقع بالناظور هو انقلاب السحر على الساحر... كل شيء كان مهيئا للتشويش على الحراك و نسفه، لكن لم يكن في حساب من قرروا ذلك، انفلات الأمور إلى حد خروج "بلطجي" بسكين كبير أمام الملأ و كاميرات التصوير و الفيديو... أصبح من دعوا البلطجة و من ورائهم في موقف محرج هههه و الله أعلم... نحن لا نريد مشاريع شهداء بل مشاريع قادة للمستقبل....

لم أفهم قصدك؟

حين يغيب الحوار و التواصل، تتصلب المواقف... الشباب و الشابات يعلنون عن استعدادهم للتضحية بأرواحهم فداء للقضية و الجهة المقابلة يمكن أن تنفلت الأمور من يدها كما وقع في الناظور.... لذا فالمطلوب هو إيجاد مخارج للحراك و حد أدنى مقبول لهذا و ذاك... أنا لا أريد لوطني و الريف و الحسيمة، مشاريع شهداء بل مشاريع قادة للمستقبل... المعركة هي معركة أجيال و الوطن في حاجة للجميع....

لكن هل هنالك إرادة من الطرفين؟

يصعب الجواب... الدولة من عادتها عدم الرضوخ للمطالب بسهولة و تتعامل حسب الظروف الداخلية و الخارجية.... و الشباب والشابات أمام انسداد الأفق ما عساك أن تنتظر منهم سوى الاستمرار في الحراك...

قبل الاستمرار في هذا الجانب، هل من إضافات حول مشاريع قادة للمستقبل؟

نعم، رغم أن المجال لا يسمح بالتعمق أكثر.... القادة أفرزهم الحراك... الحسيمة كباقي مدن المغرب تتوفر على مكاتب و قيادات لكل التعبيرات السياسية المشاركة في المؤسسات و التي توجد خارجها... لكن قيادة الحراك، تجاوزت كل القيادات و نصبها الحراك للتحدث باسمه... هم قادة من نوع خاص و جديد...

كيف ذلك؟

 هم قادة العصر الحديث... اجتماعاتهم التقريرية يتم بثها عبر المباشر في الفايسبوك... كل التظاهرات و التصريحات تكون مباشرة... شيء جديد... حتى ما وقع في الناظور و رجوع ناصر إلى الحسيمة عشناه دقيقة دقيقة... شيء سوريالي... عشنا الهجوم و تعرفنا عبر الصور على منفذي الهجوم، و كذلك عن إن كان ضحايا أم لا، و رجوع ناصر والشباب للحسيمة عشناه لحظة بلحظة... و تصريح ناصر في السيارة و تعرفنا كذلك عن نوع ورقم السيارة التي كانت تلاحق الشباب و مشاركة أهل الناظور بسياراتهم لحماية ناصر... حتى الدخول للحسيمة في الساحة و توافد سكان المدينة إلى عناق ناصر لأبويه.... ألم أقل لك قادة من نوع جديد...

وكيف السبيل لتوافق الأطراف؟

يبدو لي لأول وهلة أن الأمر معقد... و لكن في السياسة كل شيء ممكن.... خاصة أن قوة الحراك تتجلى في صياغة الملف المطلبي الذي يلخص معاناة الساكنة منذ زمن بعيد... لقد كان المحرك لخروج الآلاف هو الموت الفظيع للشهيد محسن فكري و من بعد انتقل الحزن إلى قوة احتجاجية و من بعد اقتراحية عبر الملف المطلبي... و لا أظن إمكانية اختلاف حول مضمونه...

 يقول الكثيرون أن مشاكل الحسيمة هي مشاكل كل المدن؟

صحيح... و هل المطلوب من أهل الحسيمة انتظار تحرك المدن الأخرى؟ يتحركون اليوم كما تحركت مدن قبلهم وستتحرك مدن أخرى بعدهم.... هي سنة الحياة... كما لا يجب أن نغفل أنه لكل جهة و مدينة و قرية مطالبها الخاصة التي تصُّب في المطالب المشتركة لكل المغاربة...

ما هو أفق الحراك؟

أفق الحراك يعلمه الله لأنه مرتبط بأشياء كثيرة نعرف بعضها و تغيب عنا معظمها... لكن تبقى عزيمة السكان و التحامهم مع قادة الحراك أساسية و أيضا وعي ناصر الزفزافي و باقي القادة باللحظة و متطلباتها... هم أدرى بشعابهم... أما أنا فلا يسعني سوى دعم خطواتهم... 

أليس لك أفكارا يمكن أن تساهم بها في النقاش؟

بطبيعة الحال كما لكل واحد رأي... مثلا، نصيحتي لهم هو الخروج من العزلة و الانفتاح على مكونات المجتمع حتى التي يعتبرونها معاكسة لتحركهم ومطالبهم... و هم أدرى بشعابهم... كذلك طرح الملف المطلبي و التشاور حوله مع كل الفعاليات الوطنية و الجهوية و المحلية و توجيهه لجهة ما أو جهات ما... الحقيقة، لا أريد الاستمرار في هذا الجانب لأنني آثرت على نفسي عدم التدخل في شؤون الحراك ما دمت بعيدا عنه و كوني من جيل وقادة الحراك من جيل... مرارا أتحدث مطولا مع أبنائي حول موضوع ما، و في الأخير يبدو لي أن لغتي ومصطلحاتي وقاموسي ليس قاموسهم... هههههههه.... هو حال جيلي الهرم مع جيل جديد... و هناك أسئلة كثيرة... و كما يقال، ليس الحرج في الأسئلة بل في الأجوبة... أما أنا فسأبقى منفتح على كل أسئلتكم و سأحاول الجواب عليها قدر المستطاع...

ملاحظة لا بد منها : هذا المقال كُتب قبل القمع الذي تعرض له قادة الحراك و الشباب و الشابات في الحسيمة، ليلة الأربعاء-الخميس 4-5 يناير 2017 ، الذي يعمق جراح وطن يبحث عن طريق يبعده عن مسارات دول إقليمية و جهوية تعيش توترات دائمة...

بقلم: عبدالحق الريكي

الرباط، الثلاثاء 3 يناير 2017 

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات