الاثنين 20 فبراير 2017 - 11:46إتصل بنا |
مجرد رأي : على هامش إعداد مخطط للتنمية لمدينة الجديدة
مجرد رأي : على هامش إعداد مخطط للتنمية لمدينة الجديدة


راهنت ساكنة مدينة الجديدة، على مجلسها الحضري فور تشكيله لتحقيق طفرة تنموية بالمدينة  تقضي على صور التهميش والإقصاء الاجتماعي ، وكان الدافع وراء هذا النزوع المتفائل، شعارات أحزاب الأغلبية المشكلة للمجلس الحضري أثناء حملة الانتخابات الجماعية الأخيرة،و التي دغدغت المشاعر خصوصا حينما كانت خارج الدائرة التدبيرية بعبارات التنديد و شجب مظاهر العشوائية والارتجالية في تدبير الشأن العام المحلي ، و التباكى على غياب رؤية تنموية واضحة المعالم ، واشتكوا غير ما مرة بأكثر من شكل احتجاجي بجريمة الإجهاز على المدينة و المواطن .

والأسئلة التي تطرح نفسها ها هنا بحدة، وتبحث عن مشاريع أجوبة قد تأتي وقد لا تأتي، وقد تزول علامات استفهامها القلقة، أو قد تبقى شاخصة، شاهدة على تساؤل مكبوت لا يحتاج إلى إجابة بالمفهوم اللغوي للكلمة، هي:

 هل حقق المجلس الحالي انتظارات المواطنين الاجتماعية؟، وهل استطاع الرئيس و أغلبيته المنتمية إلى حزب "الباجدة" أن يبلور رؤية ترتكز على إقامة صرح التنمية بمدينة الجديدة وفق  المقاربة الاجتماعية؟، وما موقف شركاء الرئيس في تدبير الشأن المحلي من الحصيلة الاجتماعية لمجلسهم، هل سكوتهم رضى، أم انحناءة تنتظر مرور العاصفة، لتخرج أفواههم عن صمتها، و تلعن الفترة و ما خلفته من مآس و انحطاط اقتصادي واجتماعي؟
فبحكم الموقع الاستراتيجي لمدينة الجديدة باعتبارها نقطة جذب اقتصادي ، النابعة أساسا من مؤهلاتها الترابية وشجاعة أهلها في الميدان الاقتصادي، فإن ذلك لم يستطع إلى حدود الحاضر دفع القاعدة الاقتصادية للمدينة نحو الأفضل، ونحو تنمية حضرية شاملة ومنسجمة، وذلك بفعل غياب الاستثمار الحقيقي لهذه الموارد المحلية للمدينة. وفي هذا السياق، نرى بأن المسؤولية العظمى في هذا الوضع الاقتصادي، تقع على عاتق المجلس الحضري للمدينة، على اعتبار أن المادة 36 من الميثاق الجماعي الجديد لسنة 2009، تقضي بضرورة وضع مخطط جماعي للتنمية، بناءً على مقاربات شمولية ومندمجة، ترتكز على التشاركية والنوعية في تدبير الشأن العمومي للمدينة خلال مدة لا تزيد عن خمس سنوات. إلا أننا نجد واقع المدينة ما زال على حاله كما في السابق، ولاسيما الواقع الاقتصادي الذي يكابد أزمة المحدودية، بل الأكثر من ذلك، ما تزال الوثيقة التوجيهية للمخطط الجماعي للتنمية، التي من المفترض أن تكون حيز التطبيق، في مرحلة الإعداد، ومرد ذلك إلى تماطل مجهودات المجلس البلدي وضعف الكفاءات التقنية الساهرة على هذا المخطط التنموي الطموح. الشيء الذي دفع اقتصاد المدينة إلى مستويات دنيا، فعلى المستوى السياحي نجده غير مؤهل وغير منظم، بحيث لا وجود لبنيات استقبال السياح، وانعدام التجهيزات السياحية من فنادق وأسرة و مرافق الترفيه، مما أفرز ضعفا كبيرا في الأنشطة السياحية والأنشطة المرافقة له. أما على المستوى التجاري فإن القطاع غير مهيكل وغير منظم، و البنيات التجارية غير مصنفة ومنظمة، علاوة على انعدام التمركزات التجارية الحضرية، مما خلق أنشطة تجارية محدودة وضعيفة التنوع. وبالخصوص القطاع الصناعي، فنجده لا يرقى إلى مستوى المدينة.

وغني عن القول، إن جملة هذه المشاكل الاقتصادية التي أصبحت تسري داخل تراب مدينة الجديدة، هي نتاج لأزمة التدبير الحضري في السابق وحاليا، فالموارد المحلية مهمة لجعل المدينة حاضرة براقة ضمن مدن المملكة عموما والجهة خصوصا، إلا أنه يكفي فقط شيء من الاهتمام و تظافر الجهود لإرساء قواعد التنمية الحضرية لنقل المدينة إلى مصاف المدن الرائدة. 

*- مدينة الجديدة .. مدينة التجهيزات الهشة والسريعة العطب

يقتضي المنطق الحضري بضرورة توفير وتقوية التجهيزات الحضرية لضبط وتيرة التوسع الحضري، حتى لا تسقط المدينة في حفرة المدن العارية، المتميزة بندرة وانعدام البنيات التحتية الأساسية، من قبيل التغطية بشبكات الماء الشروب وشبكات الإنارة بالدواوير الملحقة ، وكذا شبكات الصرف الصحي، على الرغم من تأهيل مخارج ومداخل المدينة، وتحسين واجهات المدينة وبناء المساحات الخضراء للترفيه والترويح عن النفس...إلخ. 

تلكم بعض خصائص التخطيط الحضري المفروض توفرها في أي مدينة أو حاضرة ناشئة، غير أننا وفي مدينتنا نجد بعضها منعدمة تماما، وإن وجدت فهي لفترة محدودة جدا ولأغراض جدا ضيقة (أغلبها سياسية)، سرعان ما تزول وتختفي من المدينة كليةً، بل منها ما يتم الاستحواذ عليها من طرف الخواص بدون أي سند قانوني، كما هو الشأن للملك العمومي بالجديدة التي ظل دوما في ملك أصحاب المقاهي والمحلات التجارية و الفراشة بدون أي إزعاج للسلطات المحلية.

إن مدينتنا الفتية اليوم ، تعاني ويلات عديدة في ميدان التجهيزات والبنيات الأساسية، ولاسيما على مستوى الطرقات المحفرة والأزقة العارية التي لم يشملها برنامج إعادة التهيئة الأخير ، وهشاشة شبكات الصرف الصحي الناجمة عن تزايد الأحياء الهامشية وكثرة النفايات الصلبة والسائلة، التي باتت تغمر معظم شوارع المدينة، وذلك في غياب واضح لمسؤولية المجلس البلدي بالجديدة ومسؤولية باشا المدينة، خاصة وأن بعض أحياء المدينة خارجة عن نطاق اشتغال شركة ولد احيزون "دريشبورغ" الحائزة على التدبير المفوض بمدينة الجديدة و المكلفة بجمع النفايات الصلبة والسائلة، مما فسح المجال لتزايد حجم الملوثات بالمدينة، وما لهذه الملوثات من أخطار كبيرة على صحة الإنسان والبيئة.

وبالإضافة إلى ذلك، ونتيجة لسوء التدبير الحضري فيما يخص صيانة الطرقات والأزقة وشبكة الصرف الصحي، فإن أغلب هذه التجهيزات تعاني درجة كبيرة من التدهور، فتارة ترى طرقات محفرة بكثافة، وأخرى بدون تهيئة ولا تزفيت، والثالثة مشوهة بالصحون العالية لشبكات الصرف الصحي، بينما تشاهد تارة أخرى انفجارات قوية في أنابيب واد الحار، وأفضل مثال في هذا الباب، شارع النصر وشارع المؤدي الى محطة القطار. وعلى العموم، تبقى هذه التجهيزات رهينة تطورات سياسية، فحين تأتي الانتخابات تبدو جميلة وبراقة، وحين تغادر هذه الانتخابات تبدو كابوسا على المدينة، وبالتالي، لا تنمية حضرية بدون إرادة وطنية ومحلية شجاعة وطموحة.

*- الجديدة .. حصن لوبيات العقار 

هذا الجانب يحتل أهمية خاصة في المخطط الاستراتيجي التنموي للمدينة ويتطلب التعامل معه في إطار خطة استغلال استثمارية تضمن التوازن بين متطلبات البيئة ومتطلبات التنمية وشروط التعمير، حيث يلاحظ أن وظيفة الإسكان هي الغالبة اليوم بهذه المدينة ، من خلال ما تستنزفه هذه المقاربة من آلاف الهكتارات سنويا على حساب الوظائف الأساسية الأخرى التي لا تقل أهمية .

يحال الرصيد العقاري القابل للبناء والتشييد على مشاريع التعمير والبناء ضمن تخطيط يغيب فيه الاستشراف و استحضار مستلزمات النمو الاقتصادي ، ونتيجة ذلك في قطاع البناء ، تفاقم المنتوج وانحدار الطلب مقابل العرض ، تلك هي الأزمة التي يعيشها المغرب ككل في الوقت الراهن وهو شيء يجبر الجميع للخضوع إلى منطق السوق ، فما تم تفويته إلى لوبيات العقار هو مشروع خاضع للمضاربة وحرية السعر تحت أنظار الأجهزة المسؤولة في الدولة.

لكن ما هو النموذج التي تتوفر عليه هذه المدينة على مستوى تدبير العقار؟ عند تحليل المنظومة العقارية لمدينة الجديدة ، والوقوف على هوية مختلف المتدخلين في تدبير العقار العمومي بها ، يتجلى أنه لا يوجد ثمة نموذج واحد يسترشد به في عملية وضع استراتيجية لتدبير الرصيد العقاري. هذا التشتت في الرؤيا التدبيرية للرصيد العقاري للمدينة سيجعله عرضة إلى الاستنزاف من قبل القطاعين العام والخاص على حد سواء، و في نفس الوقت لا يتم تجديد ذلك الرصيد كي يضمن سهولة أكبر في التدخلات الرامية إلى استعماله على المديين المتوسط والطويل. فتعدد الأنظمة العقارية وتعدد الجهات المتدخلة في التدبير، يشير إليه توزع الرصيد العقاري بين وزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الداخلية والمندوبية السامية للمياه والغابات... مما يطرح مشكل الولوج إلى العقار وتحديد أولويات الاستعمال.. في ظل هذا الوضع تتعذر معرفة من له الاختصاص في تدبير الرصيد العقاري بهذه المدينة وكيف نحاسب المسؤولين عن ذلك ومن يتحمل المسؤولية كاملة عن مآل الرصيد العقاري و انتظاراته و مصيره مستقبلا ؟ فلا بد من توضيح الرؤية حول هذا الموضوع لا بد وضع التوجهات الاستراتيجية وضبط عمليات الاستعمال ومراقبة الانزلاقات وحتى الخروقات التي قد تحدث فالأمر يتعلق برصيد مادي ضخم في ملكية الدولة وهو ميراث للشعب يجب المحافظة عليه واستغلاله الاستغلال الجيد.

فبهذه المدينة يلاحظ أن الأراضي التي لها مردودية اقتصادية، أي التي تتوفر فيها شروط القرب من اليد العاملة و الشبكات الطرقية والتجهيزات الضرورية، قليلة، حيث إنه يفترض أن الأراضي التي تتوفر فيها تلك المواصفات لا تتعدى 3% من مجموع الأراضي الباقية الصالحة لاستغلال المتوفرة على مواصفات التعمير، بل إن الأراضي المطروحة في السوق والمعدة للاستثمار لا تتجاوز في تقديري 1 %..وهي فرضية حكمت على المدينة من حيث التوسع العمراني بالإعدام ، فوجودها بين البحر و السكة الحديدية والغابة طوقها في مثلث الموت الذي لن يسمح لها بالتوسع مستقبلا، ليبقى من حق المسؤولين عن القطاع، الاشتغال على بناء مدن مكوكية جديدة بمحيط المدينة والتي يقدر البعد عنها ب حوالي 20 و 30 كلم تقريبا على شاكلة مدينتي الدار البيضاء والرباط.

 

*- ساحات وأرصفة مدينة الجديدة تحت وطأة الاحتلال غير المشروع للملك العمومي

بات اليوم احتلال الأرصفة والساحات العمومية بمدينة الجديدة من قبل أصحاب المقاهي والمحلات التجارية و الفراشة ، أمر بديهي ، على الرغم من المخاطر التي تولدها هذه الظاهرة على مستوى حوادث السير والنزاعات الفردية بين الأشخاص. فإذا كانت هذه الوضعية تشغل أنظار جميع ساكنة الجديدة ومعظم زوار المدينة، وتأثيرها السلبي على جمالية المشهد الحضري وعلى العلاقات الاجتماعية بين الأفراد ، فإن ذلك لم يفلح بعد في تحريك مسؤولية السلطات المحلية بالمدينة، لوقف الزحف السريع لهذه الظاهرة ، فالسلطات رغم حملاتها الموسمية لا تزال تنهج سياسة " لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" إزاء هذه الظاهرة الرديئة . فهذا الأمر يعتبر أبرز تجلي من تجليات سوء التدبير الحضري، وعائقا كبيرا لمحاور التنمية الحضرية، فالاستحواذ على الملك العمومي تكريس ضمني لعشوائية المدينة، فحينما لا يجد المرء سبيلا على الرصيف ولا ساحة عمومية للترويح عن النفس، ويرى نفسه معرضا لأخطار الحوادث، يظل دوما يتساءل بنفس السؤال: أين مهام السلطات العمومية لمحاربة هؤلاء؟؟، والجواب يكون بنفس المنطق لا حياة لمن تنادي !!!!! .

ومن المعلوم أن مدينة الجديدة تحتضن مساحات عمومية جد ضعيفة ، كلها مركزة في وسط المدينة، هذا الوسط المعروف بحركيته النشيطة تجاريا، وأن المدينة تتوفر على أرصفة ضيقة لا يتعدى عرضها في أحسن الأحوال 5 أمتار، غير أن ذلك لا يمنع أصحاب المقاهي والمحلات التجارية الزحف على جزء منها أو بكاملها، على الرغم من أن العرف يسمح في مجمل الحالات بالمتر الواحد لا أقل ولا أكثر، إلا أن براغماتية أصحاب المقاهي والمحلات التجارية والباعة المتجولين، تفرض نفسها لتضم كل مساحات الرصيف والساحات العمومية دون أي سند قانوني وأمام أعين كل السلطات المحلية، الشيء الذي يؤدي إلى ظاهرة الانسياب الحضري وإلى زيادة ضوضاء وصخب المدينة، وإلى زيادة نسبة الجرائم النابعة من التنافسية عن الأرصفة والساحات العمومية، وهذا يتنافى تماما مع منطق التنمية الحضرية.

 

على العموم، وبناء على ما سبق ذكره، فإن مسألة التدبير الحضري بالجديدة ما تزال تعاني الكثير من القلاقل والأزمات، وذلك بفعل الاختلالات الفوقية وضعف الإرادة الحقيقية في التدبير الأمثل للموارد المحلية للمدينة، مما أفرز واقعا حضريا هجينا، يكابد العديد من المشاكل والويلات على جميع الأصعدة والمستويات، الشيء الذي يدفع إلى التأكيد على ضرورة تضافر المزيد من الجهود من أجل تنمية حضرية مندمجة وشاملة؛ تأخذ بعين الاعتبار الإنسان والمجال في آن واحد مع ترك المعاطف السياسية جانبا .

التعليقات
جمال الأسفري
02/12/2016
مدينة الجديدة تحتاج الى أياد نظيفة وضمائر حية ، لتنميتها وجمالها وتقدمها على جميع الاصعدة.
0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات