الثلاثاء 28 مارس 2017 - 06:21إتصل بنا |
مجرد كلام عن المرأة
مجرد كلام عن المرأة

بمجرد أن يطل علينا شهر مارس من كل سنة، حتى تهب رياح عاتية، تصدح بصدى طنين أنثوي يتغنى بالمرأة، إنها لحظات الربيع المزهر بكساء لون اخضرار الحقول والأشجار واليرقات، وكأن الربيع اختار المرأة وتعلق بها وآثر على احتضانها والاحتفال بها في عز أيامه الثامنة.

أجل، عادت المرأة عيدا موسميا، طقوسيا، أسطوريا، تجني منه الشعوب والأمم والأقوام حصاد زراعتها، فتناسلت القوانين والمواثيق الدولية، كما الجمعيات الحقوقية، منها من تصبو إلى إعلاء شأنها وتثبيت أقدامها في المجتمعات، ومنها من تتخذ أقنعة متخفية من داخل دهاليز حصان طروادة.

الأبواق تتصايح في كل الأمكنة، تهتف بالمرأة، فاختلط الصالح من الطالح، الكل يتحدث عن الحقوق المكتسبة والضائعة، ويحصي الأرباح والخسائر، حيث ازدانت قواميس السياسة بكلمات المساواة، المناصفة، مقاربة النوع، الكوطا أو العتبة النسائية، في سعيها لربح واستدراك الزمن الضائع، لتغدو ندا للند للرجل الذي تسيد الزعامة لقرون وقرون.

نعم، المرأة المغربية قفزت هي الأخرى خطوات مهمة لاستدراك ركب التعليم وعالم الشغل، فوجدت لها مكانا في الفصول الدراسية، وكموظفة في الإدارات والمؤسسات، وكيد عاملة في الحقول والشركات، وكوزيرة في الحكومات، وكوالية وعاملة في دهاليز عالم السلطات، وكقاضية في المحاكم والجلسات.

قد تكون هذه الصورة في وجهها المشرق المتألق ، لكنها لا تخفي واقعا مؤرقا، حيث المرأة مازالت هي الضحية الأولى في المجتمع، لا تكل ولا تمل في تفريخ الخلف وبالزيادة حتى تخار قواها، وينحني ظهرها من حمل الحطب، وتعلو محياها الندوب والتجاعيد من أثر لفحات الشمس الحارقة وهي تهش بالعصا على البهائم السائحة في البراري والجبال الممتدة، وتتصلب يداها من قبضة مناجل حصاد الحقول، كما أنها مازالت تضطر لركوب الصعاب والخروج للبحث عن رمق عيش تسد به أفواه الأبناء الجائعة، وتنقذ ماء وجه زوجها العاطل عن العمل، حتى أن حكومة بن كيران تفطنت للأمر  ولو متأخرة في محاولة منها لدعم الأرامل، سواء ذلك عن قناعة تحمل بعدا اجتماعيا إنسانيا، أم هو بمثابة تكتيك انتخابي كما يقر بذلك الخصوم.

لن تكون ضحية الفقر والفاقة وقلة الحيلة فقط، بل انضاف إلى ذلك، عنف التحرش في العمل والشارع كما في الأسواق والحافلات، فضلا عن عنف الصورة التي أضحت حربا ضروسا في زمن التكنولوجيا والرصد بالكاميرات في كل الأمكنة، فعادت صورتها منتوجا يباع ويشترى، وماركة مسجلة تغرق عالم الإشهار بمختلف وسائل الإثارة التي للأسف تخاطب العواطف قبل العقول.

المرأة مازالت تتقاذفها حمى المتسلطين من ذوي العقول الصغيرة، هناك من يريدها خيمة تطوف في الشوارع، وهناك من يريدها مجردة من ملابسها، وهناك من يسعى لتجريدها من أنوثتها ، وهناك من شردها نتيجة الحروب لتهاجر ديارها للتسول على أبواب الطرقات في البلاد الغريبة.

تستوقفنا ذكرى عيد المرأة، لنرى في المرأة كأم للأجيال والحضارة، وكحضن جامع للأسرة، وكمنارة لتربية الناشئة، وكسيدة للعمل والكدح الشريف، وكمنتجة للعلم والثقافة، وليست كرمز للهو والسفور، وليست كعنوان للغناء والرقص والأزياء الذي لا نجني من ورائه سوى التسطيح والميوعة وتفريخ أجيال فاشلة ومنحلة أخلاقيا، ومتأخرة عن ركب الحضارة المتقدمة.

كلمات دلالية
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات