السبت 27 ماي 2017 - 12:45إتصل بنا |
Aucun texte alternatif disponible.
مدينة الجديدة بعيون سينمائية
مدينة الجديدة بعيون سينمائية

بقلم محسن زردان.

السينما، فن من الفنون البراقة، سطوتها تجوب شتى الأمكنة وآفاق القارات الممتدة، لها القدرة على إحياء التاريخ بأحداثه سواء ماضيا وحاضرا ومستقبلا، تُخرج الناس وأشيائهم من عالم النكرات إلى عالم الأضواء، هي أضحت صناعة قوية تَسحر قلوب وعقول ملايين البشر، مازلنا بعيدين عن الركب مقارنة بأجناس وشعوب أخرى، لكن ذلك لا يمنعنا من الاستمتاع بعروضها وشخوصها وتصوراتها وتجليات قيمها، بغثها وسمينها.

نعم، أرض دكالة، تربة مدينة الجديدة حطت بها كاميرات بعيون سينمائية، تهفو لرصد عبق أمكنتها، وسحر بصمة التاريخ لحضارات ولت وتركت جدرانا وحفريات، أجل جئت يا أرسن ولز (Orsen Wells) كرائد من رواد المخرجين الأمريكيين سنة 1952 ، حينذاك كان الأجداد تحت نير الاستعمار، يبحثون عن طعم الحرية وأمل المصير، جئت لتلتقط صورا  مفعمة بسحر البناء، وعبقرية التصميم للمسقاة المتواجدة بحي مازكان التاريخي، الذي يبهر زائريه بأسرار الوجود البرتغالي.

لقد اخترت أمكنة الجديدة لتبدع فلمك عطيل، أحداثه المشوقة وعبقرية مخرجه، وشَّحَته للفوز بالسعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي سنة 1952، في حين سبقه للتصوير بهذه المدينة وبنفس المكان مخرج أمريكي آخر لا يقل عنه شهرة ومجدا، إنه فرانسيس فورد كوبولا (Francis Ford Coppola) سنة 1938 في فلمه l'étalon noir.

سيأتي الدور على السينما الفرنسية لتستقر على مدينة الجديدة سنة 1985 لتصوير فيلم سينمائي لمخرجه أرتير جوفي (Arthur Joffé).

يبدو أن مدينة الجديدة من المدن المغربية القلائل التي حظيت بهذا الاهتمام السينمائي لتكون أرضها قبلة للمخرجين العالميين، وهو أمر ليس بالمفاجئة بالنظر إلى المؤهلات التاريخية والحضارية والطبيعية لهذه المنطقة، لكن هناك أمر  يثير انتباهنا، يتمثل في كون السينما المغربية  المتمثلة في أبنائها من المبدعين والمخرجين، لم يوفوا هذه المدينة حقها من رمزية الحضور والتواجد بالنسبة للصورة السينمائية.

كم أنت حزينة يا أيتها السينما بمدينة الجديدة، وستزدادين كربة لو قام أولئك المخرجون من مراقدهم ليكتشفوا هول اختفاء وانقراض دور وقاعات السينما من أمكنتها، وستتحسر ذاكرة أجيال عاصرت زمن أوج تواجدها في الأزقة والدروب، وكانت متنفسا لهم للسفر بالخيال الجامح، ولنسج خيوط الأحلام المغلفة بالأساطير الجميلة، يا ليت الزمن يعود للوراء ليحكي عشق السينما، ويروي ملصقات الأفلام المعلقة على جدران القاعات، تتصفحها العيون بشغف وشوق داهم، و على أبوابها تصطف الصفوف في التصاق جلي من فرط ازدحام الناس لولوج عوالم الفرجة، حيث الشاشات الضخمة المبهرة، وصوتها الباعث على الرهبة كهدير الأمواج العاتية، حقا إنه فضاء السينما الذي افتقدته ساكنة المدينة، التي اكتفت بتسلل الاستعمار القاهر لشاشات التلفاز الصغيرة في البيوت، ومعها وحدة الفرجة بدل مشاركة الناس بالاستمتاع بفن السينما.

في سؤالنا للتاريخ، نجد المدينة عرفت بناء أول سينما سميت بسينما باريس (Paris-Ciné) سنة 1929  وللمفارقة كانت آخر قاعة سينمائية تغلق أبوابها بالمدينة، حيث كانت بمثابة ثاني قاعة سينمائية في المغرب  تعرض الأفلام الصامتة بعد قاعة القنيطرة، ليعقبها بعد ذلك عرض للأفلام الناطقة خلال أربعينيات القرن العشرين، قبل أن تشرع مدينة البيضاء في ذلك.

بعد ذلك، سيتم بناء قاعات سينمائية أخرى بالمدينة من قبيل سينما (Métropole) المعروفة بسينما الريف، فضلا عن سينما مرحبا سنة 1953، وهي قاعات سيكون للأسف مصيرها الاغلاق سيرا على وتيرة عدد من المدن المغربية.

لكم تمنينا لو عادت سينما المدينة للنهوض وجاد أبناؤها البررة من جودهم استثمارا في تشييد صرح ولو قاعة من قاعات عرض للأفلام السينمائية حتى لا تبقي المدينة عرضة للعار بفناء أمكنة الفن والثقافة، وحتى لا يضطر أبناؤها إلى ركوب صعاب التنقل إلى مدن أخرى لمشاهدة طيف السينما.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
إحجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات