مستجدات، أحداث و تسريبات وقائع

بقلم أبو أيوب

          و أخيرا يمكن لدول الخليج أن تتنفس الصعداء، بعدما عاشت في الأيام القليلة الماضية على وقع شفير الهاوية، أحداث تخريب أربع حاملات نفط بميناء الفجيرة المطل على خليج عدن ببحر العرب، بعيدا عن مضيق هرمز الذي هددت إيران بغلقه مرارا و تكرارا، و ما تبعه من استهداف الحوثيين لأنبوب النفط السعودي بواسطة سبع طائرات مسيرة عن بعد، و على عمق حوالي 1200 كلم داخل أراضي المملكة، أرسل عدة رسائل واضحة المعالم لدول المنطقة و أمريكا معا مفادها، أن من قام بهكذا عمل و انسحب بأريحية دون أثر يذكر، لا زالت في جعبته الكثير من المفاجآت، و من جهة أخرى، اعتبار العمليتين المتزامنتين استباقيتين إجهاضيتين للحيلولة دون نشوب حرب، و تحذيريتين لمجمل حسابات خاطئة قد تجر أمريكا إلى مستنقع استنزافي لا مخرج منه، و هي التي استنزفت في حرب أفغانستان و العراق، تحذير دفعها إلى التريث و إعادة حساباتها بمنطق تجاري ” ربح/ خسارة ” ، و ليس بمنطق استراتيجي بعيد المدى، ما حد من اندفاعتها و محاولات التصعيد و اللهجة المتشددة،  مهاجمة مضختي النفط السعوديتين كلف تشييدهما مليارات الدولارات بواسطة درونات لا يتجاوز سعرها 300 دولار للواحدة، فكيف سيكون الأمر لو وجهت صوب حاملة طائرات ؟. 
       بعض المتخصصين و المحللين الدوليين اعتبروا العمليتين بمثابة إغلاق للمضيق بطريقة غير مباشرة، أي بمعنى، أنه اذا كانت السعودية و معها الإمارات، قد شيدتا مينائي الينبوع على ساحل البحر الأحمر لنقل النفط من شرق المملكة إلى غربها بالنسبة للأولى، و ميناء الفجيرة بخليج عدن لتسويق البترول الإماراتي في الأسواق العالمية بالنسبة للثانية،  كإجراء إلتفافي سيمكنهما من توفير الحماية لصادراتهما النفطية، بعيدا عن مياه الخليج في حالة نشوب الحرب ثم اتقاءا للهجمات ضد الناقلات ” في إشارة إلى ما عرفته هذه المياه من هجمات ضد ناقلات النفط إبان الحرب العراقية الإيرانية بداية الثمانينيات “، فقد أخطأتا الحساب، بدليل وقوع هذه الأحداث نفسها، إذ يستحيل بالمطلق تأمين الصادرات في حالة تصفير صادرات إيران النفطية، دون أن تتورط هذه الأخيرة مباشرة في العمليات تجنبا لاستغلال أمريكا الحادث كذريعة لشن الحرب، و من ثمة سحب البساط من تحت أرجل ترامب و صقور البيت الأبيض الداعين إلى التصعيد، من أمثال مستشار الأمن القومي و كاتب الدولة في الخارجية . 
        أما آخرون فيرون بأن تسارع الأحداث بوتيرة تدريجية متصاعدة مفاجئة، أرغمت الرئيس ترامب على البحث عن قنوات اتصال مع القيادة الإيرانية، تداركا لكل ما من شأنه تقريب عود الثقاب من برميل البارود القابل للإشتعال، و تداعياته الخطيرة على أمن و استقرار المنطقة و بدرجة أولى و استثنائية أمن إسرائيل، لذا تفتقت عبقريته بتكليف الرئيس السويسري حمل رسائل للإيرانيين مفادها عدم الرغبة في الحرب، هذا بالضبط ما كان ينادي به إبان حملته الإنتخابية الأولى و مشروعه بسحب القوات العسكرية من منطقة الشرق الأوسط، و توجيه الثقل العسكري نحو الشرق الأقصى لكبح جماح التنين الأصفر و الدب الروسي، تعزيزا لفرص نجاح الحرب التجارية و الإقتصادية التي خطط لها خاصة اتجاه الصين . 
       و ليس غريبا إذا ما سمعنا عن تسريب مفاوضين أمريكيين عبر البعثة الديبلوماسية السويسرية بطهران، و في سرية تامة قصد إجراء لقاءات و حوارات جس نبض القيادة الإيرانية، على شاكلة ما شهدت عليه سنغافورة من لقاءات أمريكية/ كورية شمالية، فرضية تدعمها و تسندها تقلبات مواقف الرئيس ترامب و تصريحاته المتناقضة، حيث عرف عنه سعيه الحثيث و ضعفه الشديد أمام رنين الدولار، كما أنه ليس غريبا أيضا إذا ما طالعتنا الأخبار عن طلب الحوثيين باليمن أو الحشد الشعبي بالعراق، بضرورة الدفع من أجل توفير الحماية و عدم التعرض للتواجد العسكري سواء بالسعودية أو العراق ، أسوة بما دأب هو عليه و لمنطقه في وجه مماليك الخليج، هذا ما أوحت به توسلات كاتب الدولة في الخارجية السيد بومبييو أثناء زيارته الأخيرة للعراق، حيث طلب من هذا الأخير توفير الحماية لقرابة 5000 جندي أمريكي متمركزين بالبلد . 
       التصريحات الأخيرة للرئيس السويسري أثناء زيارته لروسيا قادما إليها من الولايات المتحدة الأمريكية، أحرجت شيئا ما الرئيس ترامب، حيث صرح المكلف بالوساطة كون محاولات التصعيد من طرف بعض مسؤولي الإدارة الأمريكية الحالية، قد تعتبر استفزازا و ابتزازا للإيرانيين يصعب هضمها أو تقبلها، في إشارة منه لما عرفت به سويسرا من حياد اتجاه القضايا الدولية الشائكة، تصريح دفع بترامب إلى طرق أبواب سويسرا العرب سلطنة عمان ” من ناحية حيادها في أزمات المنطقة ” الأزمة اليمنية/ و القطرية كمثال “، في الوقت الذي ذهب فيه وزير خارجية إيران السيد جواد ظريف صوب اليابان حليفة أمريكا و من بين المستوردين للنفط الإيراني، محملا إياها رسائل للطرف الأمريكي، و للإشارة فالسلطنة لعبت دورا رئيسيا في المفاوضات التي أفضت إلى الإتفاق النووي، فحوى هذه الرسائل عدم قابلية إيران التفاوض حول مخزونها من الصواريخ، إذ تعتبرها كمحاولة لنزع أنيابها أو تقليم أظافرها مصدر قوتها و كرامتها، أو التفاوض بشأن أزمات دول المنطقة ” سوريا بعدما شارفت الحرب على نهاياتها / لبنان/ العراق/ اليمن و استنزاف التحالف العربي”، إذ تعتبرها إيران دول ذات سيادة و بالتالي استحالة التفاوض باسمها أو أخد مكانها، لذا ما على السيد ترامب سوى الإذعان للشرعية الدولية و الإحتكام للقانون الدولي، و لن يتأتى هذا إلا بالرجوع للإتفاق النووي و الكف عن استخدام سلاح العقوبات، سلاح جربته أمريكا ضد كوبا و كوريا الشمالية و فينيزويلا و في الأخير ثبت فشله، إذن لا فائدة ترجى من تحيينه ضد إيران، ليصطدم ترامب بأزمة مفتوحة على كافة الإحتمالات لا قبل له بها، و هو المقدم على انتخابات رئاسية ينشد من خلالها عهدة ثانية . 
       صراع النيران الهادئة أدت إلى انقسامات و حالة إرباك و تخبط داخل دواليب صناع القرار الأمريكي، لا هم بقادرين على شن حرب، و لا هم باستطاعتهم تحمل التبعات، و هذا ما فطن له مرشد الجمهورية الإسلامية و عبر عنه بلا مفاوضات و لا حرب، ليلقي بالكرة بحنكة و دهاء في المربع الأمريكي إحراجا و تحريكا للمياه الآسنة، وقائع أفصحت عن محدودية المبادرات الأمريكية و انعدام إمكانيات التطبيق، و ما عليه سوى البحث عن طوق نجاة، طوق قد تكون أولى مخرجاته العصف ببعض الرؤوس المحرضة الحامية، طبقا و تماشيا مع ما أشرنا له على موقعنا هذا في مقال سابق تحت عنوان ” بداية التدحرج التدريجي ” .

عن هيئة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الاطر الادارية للجامعة الحرة للتعليم بالجديدة تستنكر

                                 ...