أحمد الريسوني.. الاستثناء في زمن الخذلان

عبد المولى المروري
في ذكرى إحراق المسجد الأقصى، تتجدد النار في القلوب قبل أن تتجدد على جدرانه، ويشتعل الحنين المقدسي في الأرواح قبل أن يشتعل في البقاع. غزة تُقصف، والقدس تُحاصر، والدماء تسيل، والأرواح تُزهق، والبطون تُجوَّع، لكن الأصوات التي يُفترض أن تقدم “شهادة حق” ونداء استغاثة، وإشارات تنبيه، آثرت الصمت، واختارت الهروب خلف جدران المصلحة والحياد الكاذب.
في ذكرى إحراق المسجد الأقصى، حين تُستباح غزة وتُسفك الدماء أمام أعين العالم، كان المنتظر من العلماء أن يرفعوا أصواتهم دفاعًا عن الحق. لكنّ معظمهم صمت، وكأن الصمت صار فضيلة، وكأن الخوف صار مبررًا، وكأن الدم الفلسطيني لا يستحق كلمة، مجرد كلمة!!
لقد مرّت عقود طويلة ونحن نرى المسجد الأقصى يُدنس، وغزة تُحاصر وتُقصف، والشعب الفلسطيني يُباد بصمتٍ عربيٍّ رسمي، وصمتٍ دينيٍّ مؤلم. كنا ننتظر من العلماء أن يكونوا أوفياء لرسالتهم، أن يقولوا كلمة الحق في وجه الطغيان والاستبداد والاحتلال، فإذا بنا نُصدم بصمت مطبق أو كلمات باهتة لا تُغني ولا تُسمن من جوع.
غير أنّ صوتًا واحدًا كسر الجدار، وعلَا فوق الركام، هو صوت العالِم المجدد الذي لم يخن علمه ولا أمته: الدكتور أحمد الريسوني؛ وقف في ساحة عمومية، يرفع صوته بالحق، متوشحًا بكوفية فلسطين، في لحظة كان فيها الصمت جريمة، والكلمة مقاومة.
في زمن عزّ فيه الكلام، بدا الريسوني وكأنه يُعيد إلينا صورة العالِم كما يجب أن يكون: شاهدًا، صادقًا، شجاعًا، لا يساوم على القدس، ولا يسكت عن دماء غزة. لقد استثنيته مرارًا – تلميحا لا تصريحا – من استنكاري لمواقف العلماء المغاربة، واليوم أجد أن الإنصاف يفرض أن أكتب عنه شهادة اعتراف، ووقفة تقدير.
في هذا الزمان الرديء والسقيم كان العلامة المجاهد الدكتور أحمد الريسوني، وثلة قليلة جدا من علماء المغرب.. الاستثناء الذي يُنصف العلم والعلماء..
إن صورة الدكتور أحمد الريسوني وهو جالس بين الناس، متوشحًا بالكوفية الفلسطينية، ترفعها أيادي البسطاء من حوله، تختصر كل ما نحتاجه من العلماء: التواضع في المكان، والعلو في الموقف، والجرأة في الكلمة. صورة تُعيد إلى الأذهان علماء الأمة الذين تصدّوا للطغيان، وكتبوا بدمائهم وأصواتهم صفحات مضيئة في تاريخ الحرية والمقاومة، صورة تقول بأعلى الصوت، وبلسان الحال لا بلسان المقال فقط: «إن العالم الحق هو من يكون في الصفوف الأولى مع الأمة، لا في المقاعد الخلفية يراقب»، إن الكلمة حين تصدر عن عالم صادق قد تعادل جيوشًا من الصامتين.
الدكتور أحمد الريسوني، في وقفته الأخيرة، أعاد تعريف معنى أن يكون العالِم شاهدًا على عصره، لم يكن حضوره مجرد مشاركة رمزية في وقفة تضامنية، بل كان استعادة لصورة العالم الملتزم الذي لا يفصل بين علمه وضميره، ولا بين دينه وأمته. وقف أمام الناس كما وقف العلماء الأحرار عبر التاريخ، يرفع صوته بكلمة لا تُشترى ولا تُباع، وقفة تثبت أن الدين حين يتحرر من حسابات السياسة، ومن تكتيكات المصلحة، يتحول إلى قوة مقاومة حقيقية ومؤثرة..
في زمنٍ يبيع فيه الكثيرون صمتهم بثمنٍ بخس، يظل صوت العالم الصادق أثمن من كل ذهب الأرض. لقد قال الشيخ الريسوني كلمته، فارتفعت فوق الجراح كَرَايَةٍ لا تُنكس، وأثبت أن القدس لا تزال تجد من يذود عنها بالحق، حين عجز الكثيرون عن مجرد الهمس.
الشيخ أحمد الريسوني لم يختبئ وراء حسابات دقيقة، ولم يبرر عجزه بحجج واهية، بل وقف في الساحة، بين الناس، بكوفيته الفلسطينية وصوته العالي. اختار أن يكون عالمًا شاهدًا على عصره، لا عالمًا صامتًا يبيع صمته بالرضا الرسمي.
لقد كتبتُ مرارًا عن صمت العلماء المغاربة، واستنكرتُ غيابهم في اللحظات التي تحتاج الأمة فيها إلى موقف، لكنني كنت دائمًا أستثني شيخنا الكبير أحمد الريسوني، لا مجاملةً ولا تعاطفًا، ولكن من باب الاعتراف بالفضل، والإنصاف الذي يفرض نفسه، ولأن موقفه كان يفرض نفسه بالصدق والوضوح. واليوم، في ذكرى إحراق المسجد الأقصى، يزداد هذا الاستثناء رسوخًا، إذ يذكّرنا بأن العلماء الحقيقيين لا يُقاسون بكثرة ألقابهم أو منابرهم، بل بقدرتهم على أن يكونوا لسان الأمة في لحظات الخطر.
إنها شهادة واجبة في حق رجل لم يبع صوته، ولم يُقايض ضميره، ولم يسكت حين كان الصمت خيانة. أحمد الريسوني لم يرفع فقط صوته مع غزة والأقصى، بل رفع معنا جميعًا الأمل في أن الأمة ما يزال فيها من العلماء من لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يبيعوا.
إنها شهادة واجبة لرجلٍ ظل وفيًا لقضيته، ثابتًا على مبدئه، صادقًا مع علمه وأمته. الريسوني لم يُنقذ القدس بكلمته، ولم يحرر غزة بوقفته، لكنه أنقذ صورة العالِم من التشويه، وأعاد لها معناها الحقيقي: أن تكون شاهد حق، لا شاهد زور.
فلتكن هذه الكلمة اعترافًا بالفضل، وتحية وفاء لرجلٍ يُعلّمنا أن العالِم الحقيقي لا يسكت على دم، ولا يهادن في حق، ولا يساوم على القدس.
سلامٌ على العلماء الذين لم يبيعوا أقلامهم ولا ألسنتهم، وسلامٌ على كل صوتٍ يصرّ أن يبقى شاهدًا على الحق من أجل الحق، حتى ينتصر الحق، ولو صمت العالم بأسره.
وتحية إكبار للعلامة المجاهد أحمد الريسوني حفظه الله وبارك في عمره وعلمه..





