الواجهةمجرد رأي

أحمد السنوسي “بزيز”..الفنان الذي أضحك المغاربة في زمن الخوف

 بقلم: محمد الباجي طالبي
سلسلة وجوه من زمن الجمر والرصاص:أحمد السنوسي “بزيز”.. ضمير الامة الذي أضحك المغاربة في زمن الخوف

في ذاكرة المغاربة، لا يحضر أحمد السنوسي “بزيز” كفكاهي عابر مرّ من شاشة التلفزة ثم غاب. يحضر كواحد من تلك الوجوه التي جعلت من الضحك شكلا من أشكال الكلام في زمن كان الكلام فيه مكلفا. فنان فهم مبكراً أن النكتة، حين تكون ذكية، قد تفعل ما لا تفعله الخطب الطويلة: تفضح، تربك، وتترك في رأس المتفرج سؤالاً لا يهدأ.

بدأ بزيز مساره الفني داخل الثنائية الشهيرة “بزيز وباز”، رفقة الفنان الحسين بنياز “باز”، في مرحلة كانت فيها التلفزة المغربية بقناتها الوحيدة نافذة شبه وحيدة على العالم. كانت السهرات التلفزية موعداً عائليا، وكان السكيتش لحظة ينتظرها المغاربة كما ينتظرون فسحة صغيرة داخل يوم ثقيل. لكن تلك الثنائية لم تكن مجرد آلة لإنتاج الضحك. كانت مدرسة في التلميح، في اللعب على اللغة، وفي تمرير الرسائل من تحت سقف الرقابة.

كان الجمهور يضحك، لكنه كان يفهم أيضاً. يفهم أن وراء الحركة الساخرة كلاماً آخر، وأن وراء الجملة البسيطة نقداً لواقع اجتماعي وسياسي خانق. كانت السخرية عند بزيز وباز تحمل وعياً شقياً: وعياً يعرف حدود الممكن، لكنه يرفض أن يستسلم للصمت. وفي ذلك الزمن، كان التلميح أحياناً أكثر بلاغة من التصريح، وكانت القفشة العابرة تستطيع أن تحمل ما لا تستطيع الجريدة أن تنشره بسهولة.

بعد افتراق الثنائي، اختار أحمد السنوسي “بزيز” طريقاً أكثر وضوحاً في الاصطفاف إلى جانب الناس البسطاء، الفئات الكادحة، الطلبة، والمقهورين الذين لا يملكون منابر كثيرة للدفاع عن أنفسهم. لم يكن فنه محايداً بالمعنى البارد للكلمة. كان منحازاً إلى الهامش، إلى من يعيشون ثقل الإدارة، والرشوة، والريع، والخوف، وإلى من يجدون في السخرية طريقة أقل كلفة لقول الحقيقة.

غير أن هذا الاختيار لم يكن بلا ثمن. فقد ارتبط اسم بزيز، في الذاكرة الفنية والسياسية المغربية، بالمنع من الإعلام العمومي وبالتضييق على حضوره في الفضاءات الرسمية. في مرحلة كانت فيها وزارة الداخلية، وخاصة في عهد إدريس البصري، تتحكم في كثير من مفاتيح المجال العام، لم تكن الرقابة تحتاج دائماً إلى بلاغ مكتوب كي تُفهم، ولا إلى قرار منشور كي تُطبَّق. كان يكفي أن يُغلق الباب، وأن تختفي الوجوه المزعجة من الشاشة، وأن يفهم الجميع الرسالة.

لكن المفارقة أن ما أُغلق في وجهه من أبواب رسمية، فتحه الناس من نوافذهم الخاصة. مُنع من الشاشة، فاحتضنه الشارع. ضُيّق عليه في القاعات العمومية، فوسّعت له الجامعة ساحاتها. حُوصرت كلمته في الإعلام الرسمي، فانتقلت عبر الكاسيط من يد إلى يد، ومن بيت إلى بيت، ومن مقهى إلى حي شعبي. صار الشريط المسجل بديلاً عن التلفزة، وصارت ساحات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بديلاً عن الخشبة المرخصة.

هناك، في فضاءات الجامعة، وجد بزيز جمهوراً مختلفاً: جمهوراً لا يستهلك الفرجة فقط، بل يشارك في إنتاج معناها. طلبة من توجهات متعددة، يجمعهم الإحساس بأن المصير الاجتماعي واحد، وأن القهر لا يسأل كثيراً عن المرجعية قبل أن يضغط على الجميع. في تلك الساحات، كان السكيتش يتحول إلى لحظة سياسية دون أن يفقد روحه الفنية. كان الضحك يخرج من الحناجر، لكنه كان يعود إليها سؤالاً عن السلطة، والمال، والكرامة، والعدالة.

لفهم بزيز، لا يكفي أن نتوقف عند المنع، ولا عند الخروج من التلفزة، ولا حتى عند الثنائية الشهيرة. ينبغي أن ندخل إلى قاموسه الساخر نفسه: “سيدي بورشوة”، “مسمار جحا”، “أبو نهب”. هذه ليست مجرد عناوين فرجة، بل مفاتيح لقراءة مشروع كامل. إنها شخصيات وأسماء صنعت معجماً شعبياً للفساد، والريع، والنهب، والالتفاف على القانون.

في “سيدي بورشوة”، تتحول الرشوة من فعل إداري صغير إلى شخصية اجتماعية كاملة. لم يعد الأمر يتعلق بموظف يأخذ مقابلاً لقضاء غرض، بل بمنظومة تصنع الوجاهة، وتمنح الاحترام، وتفتح الأبواب، وتحول الفساد إلى سلم للصعود. كلمة “سيدي” تمنح الشخصية قناع الوقار، وكلمة “بورشوة” تنزع عنها ذلك القناع فوراً. في الاسم وحده تسقط الهيبة المصطنعة، وتظهر الرشوة مختبئة تحت اللباس الأنيق، والفساد مختبئاً خلف الاحترام.

“سيدي بورشوة” ليس شخصاً واحداً. إنه نموذج. نموذج من يصعد لا لأنه أنتج، أو أبدع، أو خدم الناس، بل لأنه عرف من أين تؤكل الكتف. نموذج من فهم أن الطريق إلى الوجاهة لا يمر دائماً عبر العمل، بل عبر الوساطة، والقرب من مراكز القرار، وتحويل القانون إلى خدمة خاصة. هنا لا يسخر بزيز من رشوة صغيرة فقط، بل من بنية اجتماعية كاملة، من بورجوازية ريعية صنعت مكانتها من الامتياز لا من الإنتاج.

أما “مسمار جحا”، فهو إحالة ذكية إلى الحيلة القديمة التي تجعل صاحب الحق الظاهر عاجزاً أمام من ترك لنفسه ثقباً صغيراً داخل البيت. في الحكاية الشعبية، يبدو المسمار تفصيلاً بسيطاً، لكنه يصبح وسيلة للعودة والتحكم والإزعاج. وفي القراءة السياسية والاجتماعية، يتحول “المسمار” إلى رمز لكل ما تتركه السلطة أو شبكات النفوذ داخل المجال العام: تفصيل صغير ظاهرياً، لكنه يكفي للابتزاز، والعودة، وتعطيل أي محاولة للتحرر الكامل.

بهذا المعنى، يصبح “مسمار جحا” أكثر من نكتة. إنه صورة عن التحكم الذي لا يخرج من الباب إلا ليعود من النافذة. صورة عن الامتياز الذي يترك لنفسه دائماً منفذاً، وعن منطق يقول لك: يمكنك أن تملك البيت، لكن هناك مسماراً صغيراً سيبقى لي. والمسمار، في يد من يعرف كيف يستعمله، قد يصبح أقوى من الباب كله.

وفي “أبو نهب”، تبلغ التسمية الساخرة ذروتها. هنا لا نعود أمام فساد متخفٍّ أو رشوة متوارية خلف المجاملة، بل أمام نهب يكاد يعلن نفسه. بزيز لا يحتاج إلى خطاب طويل عن الافتراس الاقتصادي؛ يكفي أن يخلق شخصية اسمها “أبو نهب”، فيفهم الجمهور أن المقصود ليس شخصاً واحداً، بل نموذج كامل: نموذج من يعتبر البلاد غنيمة، والإدارة ممراً، والقانون عقبة قابلة للتجاوز.

“أبو نهب” هو الاسم الذي يختصر ما كان الناس يرونه ولا يجدون له دائماً لغة مباشرة. إنه ذلك الوجه الذي يلبس الشرعية، ويتحدث باسم المصلحة العامة، لكنه يتصرف بمنطق الغنيمة. ينهب ثم يبتسم. يراكم ثم يعظ. يضع يده على المال العام ثم يحدث الناس عن الوطنية. هنا تصبح السخرية محاكمة أخلاقية، لا لأنها تصدر حكماً قضائياً، بل لأنها تنزع عن النموذج غطاء الاحترام.

قوة بزيز أنه كان يحول المفاهيم الثقيلة إلى شخصيات شعبية. الرشوة تصير “سيدي بورشوة”، والتحكم يصير “مسمار جحا”، والافتراس يصير “أبو نهب”. لم يكن يشرح الفساد بل يجسده. لم يكن يكتب دراسة عن البورجوازية الريعية، بل يجعلها تمشي على الخشبة، تتكلم، تتبجح، وتفضح نفسها أمام الجمهور.

وهنا تكمن عبقريته الساخرة. فهو لا يدخل إلى الموضوع من باب التنظير، بل من باب الاسم. يعطي الخلل اسماً، فيصبح قابلاً للتداول. وما إن يتداول الناس الاسم حتى يفقد الخلل جزءاً من قدرته على الاختباء. من كان يخاف من قول “الفساد البنيوي” يستطيع أن يقول “سيدي بورشوة”. ومن كان يعجز عن شرح التحكم يستطيع أن يستحضر “مسمار جحا”. ومن كان يرى النهب ولا يملك لغة لتسميته يجد أمامه “أبو نهب”.

لذلك لم تكن أعمال بزيز مجرد سكيتشات للضحك. كانت معجماً شعبياً لفهم مغرب كامل: مغرب الرشوة، والريع، والنهب، والالتفاف على القانون، والوجاهة المصنوعة. كان يمنح الناس أسماء لما يعرفونه ولا يستطيعون تسميته. وحين يعطي الفنان اسماً للخلل، يصبح الخلل أقل قدرة على الاختباء.

في زمن الجمر والرصاص، لم يكن الخوف يعيش فقط في السجون والمخافر والمحاكمات. كان يعيش أيضاً في اللغة. في الجمل التي لا تُقال. في النكت التي تُهمس. في الصمت الذي يسبق الكلام. وبزيز اشتغل بالضبط في هذه المنطقة: منطقة اللغة الخائفة. لم يكسر الخوف بالصراخ، بل بالضحك. لم يواجه البلاغ الرسمي ببلاغ مضاد، بل بشخصية ساخرة تستطيع أن تعيش في ذاكرة الناس أكثر مما يعيش بيان سياسي.

لهذا يمكن إدراج بزيز ضمن وجوه زمن الجمر والرصاص، لا بالضرورة باعتباره معتقلاً سياسياً، إذ لا يمكن الجزم بذلك دون مصدر موثق، بل باعتباره شاهداً فنياً على ذلك الزمن، وفناناً دفع ثمن اختياره للضحك المزعج. لقد عاش في مرحلة كان فيها المجال العام ضيقاً، وكان المرور إلى الجمهور مراقباً، وكانت الشاشة العمومية لا تتسع لمن يحول النكتة إلى سؤال سياسي.

لقد كان بزيز فناناً محاصَراً من فوق، لكنه متداولاً من تحت. أُبعد عن الشاشة، فعاد في الكاسيط. ضُيّق عليه في القاعة، فوجد مكانه في الساحة. وحين حاولت الرقابة أن تجعله هامشياً، جعله الجمهور جزءاً من ذاكرته. وهذه هي الهزيمة الرمزية للمنع: أن يتحول الفنان الممنوع إلى صوت أكثر حضوراً، وأن تصبح الرقابة نفسها دليلاً على خطورة ما يقوله.

لم يكن بزيز يملك حزباً، ولا جريدة، ولا مؤسسة تحميه. كان يملك جسداً على الخشبة، ولساناً ساخراً، وجمهوراً يفهم الإشارة من نصف كلمة. ومع ذلك كان هذا كافياً ليزعج. لأن السلطة لا تخاف دائماً من الخطاب المباشر فقط؛ أحياناً تخاف أكثر من النكتة، لأنها تصل أسرع، وتعيش أطول، وتنتقل بلا ترخيص.

في “سيدي بورشوة”، و“مسمار جحا”، و“أبو نهب”، لا نرى فقط شخصيات مضحكة. نرى زمناً كاملاً وهو يضع قناع الاحترام، يدخل إلى سوق القيم، يبيع المبدأ، يشتري الصمت، ثم يخرج أمام الناس مبتسماً كأنه انتصر. لكن السخرية، كما مارسها بزيز، كانت تقول شيئاً آخر: أن من يضحك عليه الشعب، ولو صعدت أسهمه، فقد خسر شيئاً لا تعوضه أي سلطة.

أحمد السنوسي “بزيز” هو إذن واحد من أولئك الذين جعلوا الضحك أرشيفاً شعبياً لمرحلة كاملة. أرشيفاً لا تكتبه المؤسسات، بل تحفظه الذاكرة. أرشيفاً من الكاسيط، والساحات، والضحكات المرّة، والأسماء التي صارت أكبر من شخصياتها. فحين قال بزيز “سيدي بورشوة”، لم يكن يسمي شخصية فقط؛ كان يسمي زمناً. وحين استحضر “مسمار جحا”، لم يكن يستعيد حكاية شعبية فقط؛ كان يفضح منطق التحكم. وحين خلق “أبو نهب”، لم يكن يبالغ في النكتة؛ كان يختصر اقتصاداً أخلاقياً كاملاً للنهب.

وهكذا بقي بزيز في الذاكرة: فناناً لم يكتف بأن يضحك المغاربة، بل ساعدهم على فهم السبب الذي يجعلهم يضحكون بمرارة. فناناً جعل من السخرية سلاحاً رمزياً، لا يجرح الجسد، لكنه يربك المعنى. لا يرفع شعاراً دائماً، لكنه يزرع في رأس المتفرج سؤالاً لا يهدأ.

وفي زمن كان فيه الخوف يتكلم بلغة رسمية، اختار بزيز أن يرد عليه بلغة الشعب.

ملاحظة ختامية

هذا البورتريه لا يدّعي الكمال، ولا يزعم الإلمام بكل تفاصيل السيرة الذاتية والفنية للمبدع أحمد السنوسي “بزيز”. هو فقط محاولة بسيطة لردّ القليل من الدَّين لهذه الهامة والقامة الفنية التي جعلت من الضحك لغة للوعي، ومن السخرية شكلاً من أشكال مقاومة الخوف والفساد والرداءة.

كما أن هذا النص يبقى أرضية أولية قابلة للنقاش، والتصحيح، والإغناء، خاصة من طرف من عايشوا التجربة عن قرب، أو احتفظوا بذاكرة أوثق عن عروضه، وأشرطته، ومحطاته الفنية والإنسانية. فذاكرة فنان من حجم بزيز لا تُكتب دفعة واحدة، ولا يملكها شخص واحد، بل تُبنى جماعياً، من شهادات الناس، ومن أرشيف الجمهور، ومن تلك الضحكات التي بقيت عالقة في الوجدان المغربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى