أزلو محمد يكتب: تقييم الحوار الاجتماعي في المغرب: بين الطموح والتحديات في ظل مقاربة شمولية

يعد الحوار الاجتماعي في المغرب أحد الركائز الأساسية التي يمكن أن تسهم في تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف المجتمعية، سواء تعلق الأمر بالحكومة، النقابات، أو الفاعلين الاقتصاديين. غير أن تقييم جودة هذا الحوار يتطلب الغوص في أعماق بنيته، وتحليل دينامياته، ومساءلة مخرجاته بشكل موضوعي وشامل. إن الحوار الاجتماعي ليس مجرد لقاءات أو بيانات صادرة عن الأطراف المعنية، بل هو عملية متشابكة تستند إلى الإرادة السياسية، والالتزام الأخلاقي، والتفاعل الفعلي بين مختلف الفاعلين.
أشار الأستاذ في القانون العام بجامعة محمد الخامس، كمال هشومي، إلى أن الحوار الاجتماعي في المغرب قد شهد تحسناً ملحوظاً على المستوى الشكلي في السنوات الأخيرة. إذ أصبحت دوراته أكثر انتظاماً، وتم تعزيز الإطار القانوني الذي يُؤطر مأسسته، كما تم الإعلان عن إرادة سياسية واضحة من قبل الحكومة لدعمه وجعله أداة لحل النزاعات وتدبير القضايا الاجتماعية الكبرى. لكن ما القيمة الحقيقية لهذه التطورات الشكلية إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية ملموسة تُشعر المواطن المغربي، سواء العامل أو الموظف، بحقيقة التحسن المأمول؟
إذا أردنا أن نقيّم الحوار الاجتماعي بمعايير موضوعية، فلا بد من التوقف عند ثلاثة عناصر أساسية تظل حاسمة في تحديد مدى نجاح هذا الحوار:
1. تنفيذ الالتزامات الموقعة:
يعتبر تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف المعنية حجر الزاوية في بناء الثقة. ورغم التقدم الذي أحرزته بعض الاتفاقات، مثل اتفاق 30 أبريل 2022، فإن العديد من الالتزامات ما زالت تعاني من تأخير أو تعثر في التنفيذ. هذا التأخير لا يُضعف فقط الثقة بين الأطراف، بل يترك أيضاً انطباعاً سلبياً لدى عموم المواطنين، الذين يرون في هذه التعثرات انعكاساً لتراجع الإرادة الحقيقية في تحقيق التغيير المأمول.
2. شمولية الأجندة الاجتماعية:
إن الحوار الاجتماعي في المغرب بحاجة إلى مقاربة شمولية تتجاوز القضايا الجزئية إلى معالجة الملفات الكبرى التي تمس صلب العدالة الاجتماعية. على سبيل المثال، ما زالت مواضيع هيكلية مثل إصلاح أنظمة التقاعد، وإعادة هيكلة منظومة الأجور برؤية عادلة، ومأسسة الحوار الاجتماعي بعقد دورات ثابتة على المستوى الوطني والإقليمي، تراوح مكانها. هذا التأجيل يحرم الحوار من قوته الدافعة ويجعله مجرد آلية لتسكين الأزمات بدلاً من أن يكون وسيلة لبناء مستقبل اجتماعي أكثر عدلاً.
3. التشاركية الفعلية:
التشاركية ليست مجرد شعار يُرفع في البيانات الرسمية، بل هي عملية تتطلب إشراك جميع الأطراف بفعالية في صنع القرار وتنفيذه. غير أن الواقع يشير إلى ضعف هذه التشاركية في بعض الأحيان، حيث تُهيمن المقاربات الأحادية أو التفاهمات المغلقة بين أطراف محددة، مما يُضعف الثقة ويُقصي فئات واسعة من العمال والموظفين من دائرة التأثير في القرارات المصيرية.
رغم التحديات التي تعترض الحوار الاجتماعي في المغرب، فإنه يجب الإقرار بأن هناك إرادة سياسية معلنة، مدعومة بتطلعات النقابات والباطرونا، لجعله أداة ناجعة لتدبير القضايا الاجتماعية الكبرى. ولكن هذه الإرادة تحتاج إلى تفعيل عملي يترجم الطموحات إلى واقع ملموس. فالحوار الاجتماعي ليس مجرد لقاءات موسمية ولا اتفاقيات تُوقع على الورق، بل هو عملية متواصلة تستهدف تحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة، وفي الوقت ذاته تعزيز الاستقرار الاجتماعي.
لضمان تحسين جودة الحوار الاجتماعي في المغرب، ينبغي تبني رؤية استراتيجية ترتكز على المحاور التالية:
1. مأسسة الحوار الاجتماعي بشكل فعلي:
لا يكفي الإعلان عن نوايا مأسسة الحوار، بل يجب تفعيلها من خلال إنشاء أجهزة وهياكل واضحة تعمل بشكل دوري ومنتظم. كما ينبغي وضع آليات مراقبة لضمان الالتزام بالاتفاقيات الموقعة وتنفيذها في المواعيد المحددة.
2. معالجة القضايا الكبرى:
يجب أن يتجاوز الحوار الاجتماعي معالجة القضايا الآنية إلى تقديم حلول جذرية ومستدامة للملفات الشائكة مثل أنظمة التقاعد، والأجور، والحماية الاجتماعية. هذه الإصلاحات تتطلب جرأة سياسية ورؤية بعيدة المدى تراعي مصالح الأجيال الحالية والمستقبلية.
3. تعزيز الثقة بين الأطراف:
الثقة هي الأساس الذي يقوم عليه أي حوار ناجح. ولتعزيزها، يجب الالتزام بالشفافية في التفاوض والتنفيذ، وإشراك جميع الفاعلين بفعالية في صنع القرار. كما ينبغي تعزيز دور الإعلام في تسليط الضوء على النجاحات والتحديات، بشكل يضمن مشاركة المواطن في متابعة هذا الحوار.
إن الحوار الاجتماعي في المغرب يقف على مفترق طرق، حيث يواجه تحديات كبيرة لكنه يحمل في طياته أيضاً إمكانيات هائلة لبناء نموذج اجتماعي متوازن. إن نجاح هذا الحوار ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، بما في ذلك النقابات، أرباب العمل، والمجتمع المدني. ولعل التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا الحوار من مجرد آلية لإدارة الأزمات إلى أداة استراتيجية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. لأن الحوار الاجتماعي، في نهاية المطاف، ليس مجرد غاية في حد ذاته، بل وسيلة لتحقيق مغرب أكثر إنصافاً واستقراراً.





