أزمة التشريع والتصعيد غير المسبوق في قطاع العدالة بالمغرب

يعيش قطاع العدالة بالمغرب على وقع احتقان غير مسبوق وتوتر حاد بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، وهو النزاع الذي تجاوز حدود النقاش المهني الداخلي ليتحول إلى إضراب شامل وشلل شبه تام لمرافق المحاكم عبر كافة ربوع المملكة.
وتعود الأسباب المباشرة لهاته الأزمة إلى حزمة القوانين الجديدة التي اعتمدتها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ودخلت حيز التنفيذ، وعلى رأسها قانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجنائية، فضلاً عن المنظومة القانونية المنظمة لمهنة المحاماة والإقتطاعات الضريبية المثيرة للجدل.
ويرى جسم الدفاع أن هذه النصوص النافذة تضمنت تراجعاً ملموساً عن حقوق الدفاع وتضييقاً غير مسبوق على الأدوار التقليدية للمحامي داخل المنظومة القضائية، ناهيك عما تشكله من مساس باستقلالية المهنة وتكبيل لحق التقاضي المكفول للمواطنين. وتتجسد الخلافات الجوهرية في إقرار صلاحيات واسعة للنيابة العامة لإعادة النظر في بعض المساطر، وتحديد شروط تعجيزية أمام الاستئناف، وتقليص الآليات المتاحة للمحامي أثناء مرحلة البحث التمهيدي وفي مخافر الشرطة والدرك الملكي.
وأمام هذا الواقع التشريعي الجديد، لجأت هيئات المحامين إلى خيار التصعيد بالمقاطعة التامة للأداء المهني، ومقاطعة الجلسات والإجراءات وأعمال التحقيق، كخطوة إجبارية لإيصال صوتها والتأكيد على رفضها القاطع لأي تعديل يجهز على مكتسبات العدالة، واشتراطها فتح حوار مؤسساتي حقيقي ومؤسس لمراجعة هاته القوانين والعودة إلى سكة العمل القضائي السليم.
وتتجلى التفاصيل الدقيقة لهذه الأزمة التشريعية في تنصيص قانون المسطرة المدنية الجديد على تقييد حق الطعن بالاستئناف والنقض من خلال فرض عتبات مالية محددة تمنع أصحاب النزاعات البسيطة من التدرج في درجات التقاضي، بالإضافة إلى إقرار مقتضيات تجعل حضور المحامي شكلياً في بعض المنازعات وإعادة منح النيابة العامة صلاحية إبطال الأحكام القضائية النهائية بناءً على خرق القانون دون التقيد بآجال محددة، وهو ما يعتبره المحامون نسفاً لمبدأ الاستقرار القانوني وحجية الأحكام وحرمة العدالة.
أما على مستوى قانون المسطرة الجنائية النافذ، فقد تركزت بؤرة التوتر في تقليص آليات الرقابة التي يمارسها الدفاع خلال مرحلة الحراسة النظرية والبحث التمهيدي، حيث تم تقييد حق المحامي في الاتصال بالموقوفين داخل مخافر الشرطة والدرك الملكي واشتراط تراخيص مسبقة وحصر مدة اللقاء، فضلاً عن تحصين الإجراءات الضبطية ومحاضر الضابطة القضائية من البطلان الإجرائي إلا في حالات نادرة، مما يضعف المركز القانوني للمتهم ويجهز على مقومات المحاكمة العادلة والضمانات الحقوقية المكرسة دستورياً.





