أزمة النفايات بمدينة الجديدة: اختلال بيئي أم فشل تدبيري؟

قنابل بيئية موقوتة.. أين الخلل؟ من المسؤول؟
لم تعد أزمة النفايات بمدينة الجديدة مجرّد مشهد عابر في زوايا الأحياء، بل تحوّلت إلى معضلة بيئية يومية، تزداد حدّتها في فصل الصيف، حيث الحرارة العالية تؤجّج انبعاث الروائح، وتسرّع من تحلل النفايات، مخلّفةً جوًّا خانقًا، ومناخًا خصبًا لتكاثر الحشرات والجرذان وانتشار الأمراض.
في جولة قصيرة داخل عدد من أحياء المدينة – من بينها حي المطار، وسيدي موسى، وحي السلام – تصدمك صناديق القمامة الممتلئة عن آخرها، وأكوام النفايات المنزلية المنتشرة بجانبها، في مشهد يوحي إما بتقصير في عملية الجمع، أو غياب منظومة مراقبة فعالة.
يُجمع عدد من المهتمين بالشأن البيئي على أن تراكم الأزبال، خاصة العضوية منها، يُعدّ من أخطر مصادر التلوث الهوائي والتربة، بل وسببًا مباشرًا في انتشار أمراض الجهاز التنفسي، والجلدي، والحساسية، وهو ما يجعل من المشكل البيئي أزمة صحة عمومية بامتياز، لا تقل أهمية عن باقي الملفات الكبرى.
فصل الصيف يزيد من خطورة الوضع، حيث تتحول مواقع رمي الأزبال إلى “مكبات مفتوحة“، تَستقطب الكلاب الضالة، والحشرات الناقلة للأوبئة، مما يُشكّل خطرًا يوميًا على الأطفال، والنساء الحوامل، وكبار السن، الذين يعيشون في محيط لا يليق بمستوى الكرامة الإنسانية.
المثير في هذه الوضعية، أن المدينة وقّعت منذ سنوات عقودًا مع شركات النظافة في إطار التدبير المفوّض، بكلفة مالية تُقدّر بالملايين سنويًا. ومع ذلك، يُسجّل المواطنون تدهورًا مضطردًا في جودة الخدمة، وغيابًا فاضحًا للرقابة والتتبع والمحاسبة.
“أين هي اللجان التقنية التي من المفترض أن تراقب مدى التزام الشركات بدفاتر التحملات؟”
“لماذا لا يتم ربط المسؤولية بالمحاسبة؟”
“أليست هذه الأموال العمومية التي تُهدر كل شهر، من حق الساكنة أن ترى مقابلها بيئة نظيفة؟“
أما الفاعلون الجمعويون فيرون أن غياب ثقافة المواطنة المؤسساتية، وتراخي السلطات المنتخبة، هما سبب مباشر في استفحال الأزمة، مؤكدين أن “إدارة القطاع البيئي لا تحتمل المزاجية أو التسويف، بل تستدعي مقاربة استباقية، صارمة، وتشاركية“.
مدينة الجديدة التي تسعى إلى تثبيت موقعها في الخارطة السياحية الوطنية، عبر مشاريع تهيئة الساحل، وإعادة تأهيل البنية التحتية، لا يمكنها أن تحقق هذا الهدف في ظل نقاط سوداء تلوث المشهد الحضري، وتتنافى مع معايير النظافة والجاذبية.
الزائر أو السائح حين يصادف مشاهد نفايات بجانب مرافق عمومية أو فنادق، لا يرى فقط خللًا في التدبير، بل يفقد الثقة في وجهة لم تُوفّر له أبسط شروط الراحة والبيئة السليمة.
لحل هذا الإشكال المزمن، يقترح ما يلي:
- مراجعة جذرية لعقود التدبير المفوض، وربطها بعقوبات مالية صارمة.
- إطلاق شرطة بيئية محلية، تسهر على تتبع تنفيذ التزامات النظافة ومراقبة المخالفين.
- إشراك الساكنة والمجتمع المدني في رصد التجاوزات، وتحفيز الجمعيات البيئية على لعب دور يقظ.
- تحسين ظروف عمال النظافة، وتمكينهم من وسائل لوجستيكية محترمة.
- اعتماد منظومة فرز النفايات من المصدر، لتقليل العبء على مسار التجميع والمعالجة.
إن ما يحدث اليوم في مدينة الجديدة لا يُمكن اختزاله في مشهد أزبال متراكمة، بل هو ترجمة مباشرة لفشل نموذج في التدبير، وإشارة قوية إلى أن البيئة ليست ترفًا، بل شرطًا من شروط التنمية والكرامة الإنسانية.
فإما أن نرتقي بمفهوم المدينة النظيفة، أو نستعد لنتائج صحية وبيئية قد تكون أفدح مما نتخيل.





