أزمة النقل الحضري بالجديدة الكبرى: عمال بلا أجور، طلبة وتلاميذ عانوا الأمرين، ورئيس “مجموعة الجماعات” متمسك بامتياز السيارة

يعيش قطاع النقل الحضري بإقليم الجديدة على وقع “سكتة قلبية” غير معلنة، تحول معها هذا المرفق الحيوي من وسيلة لفك العزلة وتسهيل تنقل المواطنين، إلى عنوان بارز للفوضى العارمة وسوء التدبير. أزمة مركّبة يدفع ثورتها، كالعادة، المستضعفون من عمال ومستخدمين، وتلاميذ وطلبة، ومواطنين مغلوبين على أمرهم، في ظل غياب تام للمراقبة والمحاسبة.
وتبقى الواجهة الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة هي الجانب الإنساني لعمال ومستخدمي شركة النقل الحضري بالجديدة. فبعد أن خاضوا إضراباً إنذارياً للمطالبة بحقوقهم المشروعة، تم تعليقه بناءً على وعود وصفت بـ”المسؤولة” من صاحب الشركة، والذي التزم بضخ مستحقاتهم المالية يوم الإثنين الماضي ليتوصلوا بها يوم الثلاثاء؛ ها هم العمال يجدون أنفسهم أمام “سراب” الوعود الجوفاء … هذا ناهيك عن عدم التصريح بالعمال والأداء لدى صندوق الضمان الاجتماعي – حسب تصريح مستشار رفض الافصاح عن إسمه – … صدا على بنود وفقرات دفتر التحملات .
شهران كاملان والعمال بدون أجور، شهران من المعاناة الصامتة وتراكم الديون والالتزامات الأسرية، في ضرب صارخ لكل القوانين والأعراف الأخلاقية. عدم احترام “الباطرون” لوعوده لم يكن مجرد إخلاف للعهد، بل هو رصاصة رحمة أطلقت على الاستقرار الاجتماعي لمئات العائلات التي تعيش تحت عتبة القهر اليومي.
فهذا التوقف والارتباك في أسطول النقل الحضري ضرب في العمق مصالح فئات واسعة من المجتمع. ولعل أبرز ضحايا هذه الفوضى هم تلاميذ وطلبة الإقليم، وخاصة طلبة معهد الفندقة بأزمور، الذين وجدوا أنفسهم، في غمرة امتحانات نهاية السنة، بدون وسيلة نقل تقلهم إلى مراكز الاختبار، مما هدد ضياع مستقبلهم الدراسي في لحظة فارقة.
المأساة لم تقف عند عتبات المعاهد والمدارس، بل امتدت لتطال عمال وعاملات الحي الصناعي بالجديدة ومختلف الشركات، وكذا المواطنين المرضى والفقراء الذين يقصدون المستشفى الإقليمي. هؤلاء البسطاء الذين لا يملكون القدرة المالية لتحمل المصاريف اليومية لسيارات الأجرة (الطاكسيات)، وجدوا أنفسهم “وجهاً لوجه” مع شبح العزلة، والسبب هو توقف الحافلات التي لم تكن أصلاً تلبي الطموح، بل كانت عبارة عن “خردة” مهترئة تجوب شوارع المدينة.
إن ما يحدث اليوم في الجديدة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي للمسار الكارثي الذي عرفته نفس الشركة في مدن وأقاليم مغربية أخرى، حيث توقف أسطولها عن الخدمة تباعاً بنفس الطريقة. لكن المثير للاستغراب هو الموقف المتفرج لـ”مجموعة جماعات الجديدة الكبرى للنقل الحضري”، التي تعيش فوضى تدبيرية غير مسبوقة.
كيف يعقل لجهة موكول إليها مراقبة قطاع يهم مئات الآلاف من المواطنين، أن تشتغل بمدير مصلحة وحيد، ودون عمال أو مراقبين ميدانيين يخرجون لتتبع وضعية الحافلات على الأرض علما أن هذا المدير الكفؤ أصبح مديرا للمصالح بجماعة الجديدة ؟ فدفتر التحملات يتحدث عن أرقام والتزامات محددة، بينما الواقع يؤكد أن عدد الحافلات التي تشتغل أقل بكثير من المتفق عليه، في حين يقبع الباقي في المستودعات بسبب الأعطاب والتهالك، دون أن تحرك المجموعة ساكناً لتفعيل بند الغرامات أو الفسخ.
وفي مفارقة صارخة تلخص واقع “الريع” واللامبالاة، يبرز التساؤل حول دور رئيس مجموعة جماعات الجديدة الكبرى للنقل الحضري (وهو مستشار بجماعة الجديدة). ففي الوقت الذي تعيش فيه الشوارع شللاً تاماً بسبب إضراب الحافلات وغيابها عن الخدمة، يلاحظ المواطنون بكثير من الاستياء احتفاظ الرئيس بسيارة الخدمة الفارهة التابعة للمجموعة واستغلالها بشكل طبيعي!
بأي حق يستمر رئيس المجموعة في الاستفادة من سيارة المصلحة والوقود والامتيازات، بينما المصلحة نفسها (التي هي النقل الحضري) متوقفة وميتة إكلينيكياً؟ أليس من العبث أن يتنقل المسؤولون بسيارات الدولة الفاخرة باسم “النقل الحضري”، في حين يسير المواطن البسيط مشياً على الأقدام أو يُحتجز في محطات الحافلات الفارغة؟
إن الوضع الحالي بقطاع النقل الحضري بالجديدة الكبرى يفرض سؤالاً واحداً وواضحاً: إلى متى ستستمر هذه الفوضى؟ وأين هي الأجهزة الرقابية والمحاسبة لربط المسؤولية بالجازاء وإعادة القطار إلى سكته، رأفة بالعمال وبالمواطنين؟





