أزمور… الكلاب الضالة تحكم الشوارع والمواطن يبحث عن حقه في المرور

يبدو أن الكلاب الضالة في مدينة أزمور قررت أخيرا الخروج من مرحلة “التشرد”، والدخول رسميا إلى مرحلة “المواطنة الكاملة”. فهي تتحرك بكل ثقة بين الشوارع والأزقة والأحياء، لا تعترضها إشارة مرور، ولا يوقفها حواجز ولا يقلق راحتها أحد، وكأنها حصلت على ترخيص دائم للتجول من الجهات المختصة.
ولم تعد هذه الكلاب تكتفي بجولات إستطلاعية عابرة، بل أعلنت إفتتاح موسمها السنوي تحت شعار: “المدينة لنا… والبشر مجرد ضيوف !” لتتحول الأزقة إلى ساحات مطاردة يومية، خصوصا الأطفال والمسنين، بينما يراقب المواطن المشهد وهو يتساءل: هل نحن أمام حملة لتنظيم الكلاب، أم حملة لتنظيم خوف السكان ؟.
والأكثر إثارة أن هذه الجيوش الرباعية الأرجل تبدو وكأنها تملك خريطة دقيقة للمدينة، فتتنقل بإنضباط يفوق أحيانا إنضباط بعض وسائل النقل، وتعرف جيدا أين تقيم، ومتى تظهر، ومن تلاحق… حتى ليخيل إليك أنها أنهت دورة تكوينية في فنون الإنتشار الحضري.
أما المواطن، فلم يعد يسأل متى ستختفي الكلاب، بل أصبح يسأل: متى ستبدأ الحملات أصلا ؟ .
وهل أجتمعت الجهات المعنية لوضع خطة واضحة؟.
أم أن الإجتماعات لا تبدأ إلا بعد أن يسجل أول “عض” رسمي في الموسم؟
وتقول الرواية إن كلبا ضالا أخطأ العنوان ذات صباح، فتسلل إلى إحدى الفيلات الفاخرة، وأطلق بضع نباحات قرب فنجان قهوة أحد الأعيان. عندها، تحولت المدينة إلى خلية نحل، وتحركت الآليات، وأستنفرت الجهات المختصة، وكأن الأمر يتعلق بحالة طوارئ وطنية تحت شعار: “لن نسمح لكلب بإزعاج هدوء الحدائق الراقية والمواطنين من الدرجة الأولى !!.
أما في الأحياء الشعبية، فالصورة مختلفة تماما هناك تعيش الكلاب والقطط والفئران في إنسجام يكاد يستحق التسجيل ضمن التراث اللامادي. السكان أعتادوا أن يقتسموا الأرصفة والهواء وحتى لحظات الخوف مع هذه الكائنات، حتى أصبحت مطاردة الكلاب جزءا من برنامجهم اليومي، تماما كشراء الخبز أو إنتظار انقطاع الماء.
ويبدو أن عضات الكلاب هناك دخلت بدورها خانة الخدمات العمومية المجانية ، لا تحتاج إلى موعد مسبق، ولا إلى وصل إيداع، ولا إلى دفتر تحملات… فقط يكفي أن تمر في الوقت الخطأ والمكان الخطأ.
ويبقى السؤال الذي يرفض مغادرة أذهان السكان: هل تميز الكلاب بين الأحياء الراقية والأحياء الشعبية؟ .
أم أن التمييز الحقيقي تمارسه حملات التدخل نفسها؟ .
وهل دم ساكن الفيلات أغلى من دم ساكن الأحياء الهامشية؟ .
أم أن الكلاب وحدها تؤمن بالمساواة الكاملة، بينما ما زالت بعض التدخلات تبحث عن عنوانها الصحيح؟
لا أحد يطالب بإعلان الحرب على الكلاب أو القضاء عليها، فالحيوانات جزء من المنظومة البيئية، ولها حقها في الحماية والرعاية. لكن للمواطن أيضا حقه في السير بأمان، وحق الطفل في اللعب دون خوف، وحق المسن في العودة إلى منزله دون أن يتحول إلى عداء أولمبي هربا من قطيع ضال.
وفي إنتظار حلول عملية ومتوازنة، يبدو أن الكلاب الضالة أستوعبت مفهوم العدالة أكثر من كثيرين ، فهي لا تفرق بين غني وفقير عندما تقرر المطاردة… أما حملات محاربتها، فما زالت ـ في نظر كثير من السكان ـ تحتاج إلى من يدلها على الطريق المؤدي إلى جميع أحياء المدينة، لا إلى بعضها فقط.





