أزمور… المدينة التي يبدو أن “التنمية” كلما سمعت إسمها غيّرت الإتجاه

هناك مدن تستيقظ كل صباح على وقع إفتتاح مشروع جديد، أو إطلاق ورش تنموي، أو إستقطاب إستثمار يبعث الحياة في شوارعها. وهناك مدينة إسمها أزمور، يبدو أن نصيبها من التنمية لا يتجاوز البيانات والخطب والصور التذكارية، أما المشاريع الحقيقية فتفضل المرور بجانبها دون أن تتوقف، وكأن جهاز تحديد المواقع يهمس للمستثمرين: “غيروا المسار… هنا مدينة خارج التغطية التنموية !”.
ولعل أكثر ما يثير الإستغراب أن الجماعات القروية المحيطة بأزمور أصبحت تحقق قفزات معتبرة في مجالات السياحة والبنيات التحتية والخدمات، بينما المدينة التي تحمل تاريخا ضاربا في القدم، وتزخر بمؤهلات ثقافية وسياحية نادرة، ما تزال تنتظر دورها في طابور طويل لا يبدو أن نهايته قريبة .
قد يرفض البعض الحديث عن “نظرية المؤامرة”، لكن عندما تتكرر مظاهر التهميش لعقود، ويستمر تقلص المجال الترابي للمدينة، وتغيب المشاريع الكبرى، وتتوارث المجالس المنتخبة أعذار الفشل بدل صناعة النجاح، يصبح من حق الساكنة أن تتساءل : هل الأمر مجرد صدفة، أم أن أزمور أصبحت مدينة منسية في خرائط التنمية ؟.
المدينة التي كانت في الماضي بوابة إقتصادية وتجارية تربط شمال المغرب بجنوبه، تحولت اليوم إلى فضاء يفتقد للحركية الإقتصادية. فبدل أن تكون قبلة للإستثمار والسياحة، أصبحت تعيش على إيقاع الإنتظار، بينما يواصل الشباب رحلة البحث عن فرص الشغل خارج أسوارها، وكأن المدينة أصبحت محطة للمغادرة أكثر منها وجهة للإستقرار.
أما المشهد العمراني، فهو لا يحتاج إلى عدسة مكبرة. طرق تحتاج إلى تأهيل، أرصفة أنهكها الزمن، إنارة عمومية لا تضيء إلا ذكريات الماضي، مبان تاريخية تتآكل بصمت، ومرافق ثقافية وسياحية لا تعكس القيمة الحضارية لمدينة تعاقبت عليها حضارات الفينيقيين والقرطاجيين والبرتغاليين، وكان يفترض أن تتحول إلى متحف مفتوح، لا إلى سجل للشكايات.
ولأن السخرية أحيانا أصدق من الوصف، فقد أصبح المواطن الأزموري يتندر بأن أكبر مشروع إستثماري عرفته المدينة هو الإستثمار في الوعود؛ وعود تتجدد مع كل إستحقاق إنتخابي، ثم تدخل في سبات عميق بمجرد إغلاق صناديق الإقتراع. أما المشاريع المتعثرة، فقد أصبحت جزءا من المشهد العام، حتى إن بعضها يحتاج إلى لوحة تعريفية كتب عليها: “هنا يرقد مشروع… مات قبل أن يكتمل.”
وإذا كانت التنمية تقاس بالأثر على حياة المواطنين، فإن الواقع يفرض أسئلة محرجة حول جدوى الملايين التي صرفت في مشاريع لم تنعكس على الإقتصاد المحلي ولا على الجاذبية السياحية ولا على فرص الشغل، في ظل إستمرار البطالة وتراجع النشاط التجاري وتآكل الرصيد التاريخي للمدينة.
إن أزمور لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، ولا إلى خطب موسمية عن المؤهلات والإمكانات، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية تعيد إليها مكانتها، وإلى تدبير مسؤول يربط المسؤولية بالمحاسبة، ويجعل المال العام وسيلة للتنمية لا مجرد أرقام في دفاتر الصفقات.
ويبقى السؤال الذي يردده الأزموريون بمرارة ممزوجة بالسخرية : هل أصبحت التنمية في المغرب تسافر بالطريق السيار وتتجاوز مخرج “أزمور” دون أن تلتفت إليه ؟ أم أن المدينة ما زالت تنتظر من يعيد تشغيل ساعة التاريخ بعد أن توقفت ساعة التنمية منذ سنوات ؟.





