أزمور .. حين يتحول الجوار إلى “جحيم”: بين توصيات وصايا الرسول ﷺ وسيادة القانون

يُحكى في الأثر الأخلاقي والديني أن الجار قبل الدار، وقد أوصى رسول الله ﷺ بالجار حتى ظن الصحابة أنه سيورثه، لما لحسن الجوار من أثر مباشر على السكينة النفسية والاستقرار الأسري داخل المجتمع. غير أن الواقع اليوم بات يكشف عن صور مؤلمة تتنافى مع هذه القيمة الأسمى، حين تتحول السكنى المشتركة أو العمارات السكنية والأحياء إلى ساحة للتضييق والنزاعات اليومية التي تحول حياة الأسر إلى جحيم لا يُطاق.
وقد أضحت هذه الظاهرة تتكرر بشكل لافت في العديد من الأحياء والتجزئات السكنية، حيث تعاني العديد من العائلات—ولا سيما النساء وأمهات المعيلات—من مضايقات مستمرة ترتبط بانتهاك حرمة السكن، الإزعاج المتكرر، الضوضاء، والسب والاستفزاز. ولا تقف هذه السلوكيات عند حدود الممارسات الفردية الطارئة، بل تمتد أحياناً لتشكل تهديداً أمنياً ونفسياً يمس سلامة الساكنة وصحتهم النفسية داخل بيوتهم التي يُفترض أن تكون الملاذ الآمن.
وفي هذا السياق، توصلت جريدتنا بشكاية موجهة إلى وكيل الملك لدى المحكمة المركزية بأزمور، تقدمت بها إحدى المواطنات (مليكة معروف) القاطنة بإحدى تجزئات سيدي أزمور. وتتضمن الشكاية معطيات حول تعرضها لمضايقات وإزعاج متكرر، إضافة إلى السب والتحريض من طرف جيرانها بالطبق العلوي، مع إقامة منشآت حَجَبَت التهوية عن منفذ بيتها الوحيد، وصولاً إلى التهديد وإثارة الرعب عبر استدعاء أشخاص إلى محيط السكن. وهو ما دفَع المعنية بالأمر—وهي امرأة مطلقة تعيل ابنتها—إلى تركيب كاميرات مراقبة لتوثيق ما تتعرض له من اعتداءات ومطالبة السلطات القضائية بفتح بحث عاجل لرفع الضرر عن بيتها.
إن هذه الحالات تطرح علامات استفهام كبرى حول الجانب القانوني والاجتماعي لحماية الساكنة :
- حرمة السكن والسكينة العامة : ينص القانون الجنائي المغربي وقوانين الملكية المشتركة على حماية الحق في السكينة، ويعاقب على السب والقذف والتهديد والإزعاج الناجم عن إحداث الضوضاء أو تعمد الإضرار بملكية الجار وسلامته.
- البعد الإنساني والاجتماعي : إن استقواء بعض الجيران على غيرهم، أو استغلال هدوء الأحياء لممارسة مضايقات تعسفية، يضرب بعمق قيم التضامن المجتمعي ويجبر العديد من المواطنين على العيش تحت ضغط نفسي ودائم.
- الدور القضائي والأمني : يظل اللجوء إلى القضاء والشرطة القضائية، عبر فتح الأبحاث وتوثيق الأضرار ومعاينتها، هو الصمام الأساسي لإعادة الأمور إلى نصابها وزجر كل من يتجاوز حدوده القانونية والحديثة مع الجيران.
تبقى حماية الجار وحفظ أمن العائلات شأناً يسائل الضمير الجمعي قبل أن يكون مجرد مسطرة قضائية … فهل يستحضر المجتمع قيم النبي الكريم في رعاية الجار، أم أن قوة القانون وتدخل القضاء سيبقى الحل الوحيد لردع من يتناسى أن حرية الفرد تقف عند حدود حريات وحرمات الآخرين ؟





