أزمور.. حين يضيء منتخبٌ الأزقة من ماله الخاص ويكشف عتمة التدبير الجماعي

في مشهد إستثنائي يعكس حجم الإختلالات التي تعرفها بعض المرافق بمدينة أزمور، تحولت مبادرة فردية لأحد أعضاء المجلس الجماعي إلى حديث الساكنة، بعدما قرر إقتناء 52 مصباحا كاشفا من ماله الخاص، والإشراف على تثبيتها بعدد من أحياء الدائرة الإنتخابية الثانية بالمدينة القديمة، واضعًا بذلك حدا لمعاناة طال أمدها مع الظلام الذي خيّم على الأزقة والممرات.

هذه الخطوة، التي لقيت إستحسانا واسعا بين السكان، لم تكن مجرد مبادرة تطوعية، بل شكلت رسالة قوية حول واقع تدبير مرفق يفترض أن يكون من أبسط الخدمات الأساسية التي تضمنها الجماعة لفائدة المواطنين.
ولسنوات، ظلت ساكنة هذه الأحياء ترفع شكاياتها وتوجه مطالبها إلى الجهات المختصة من أجل إستبدال المصابيح المعطلة وإعادة الإنارة إلى الأزقة، غير أن تلك النداءات ظلت دون إستجابة، حتى أصبح الظلام جزءا من المشهد اليومي، بما يحمله من مخاطر أمنية وإجتماعية، خاصة بالنسبة للأطفال والنساء وكبار السن.
وأمام هذا الواقع، وجد المنتخب نفسه يؤدي أدوارا متعددة في الوقت ذاته منتخبا يتابع هموم المواطنين، وممولا يتحمل التكلفة، وتقنيا يشرف على تنفيذ الأشغال، في صورة تعكس حجم الفراغ الذي خلفه غياب التدخل المؤسساتي.
وتزداد المفارقة وضوحا عندما يتعلق الأمر بمدينة عريقة مثل أزمور، التي تزخر بمؤهلات تاريخية وسياحية، وتستقبل على مدار السنة زوارا من داخل المغرب وخارجه. فمن غير المقبول أن تظل بعض أحيائها غارقة في الظلام، في وقت يفترض أن تكون فيه واجهة حضارية تعكس مكانة المدينة وتراثها.
ورغم أن هذه المبادرة تستحق كل التقدير لما حملته من حس مسؤولية وقرب من آنشغالات الساكنة، فإنها تفتح في المقابل باب التساؤل حول أسباب تعثر الخدمات الأساسية، وحول مدى قيام الجهات المختصة بواجباتها في تدبير مرفق حيوي كالإنارة العمومية.
فهل أصبح تغيير مصباح رهينا بالمبادرات الفردية بدل البرامج الجماعية؟.
وهل بات المواطن ينتظر إحسان المنتخبين بدل الإستفادة من خدمات ممولة من المال العام؟
إن الواقعة، رغم إيجابيتها، تظل مؤشرا على الحاجة إلى مراجعة طرق تدبير الشأن المحلي، حتى لا تتحول المبادرات الشخصية إلى بديل دائم عن المؤسسات، لأن التنمية الحقيقية تقوم على أداء مؤسساتي منتظم، يضمن للمواطن حقه في خدمات عمومية لائقة، دون أن يضطر أحد إلى فتح جيبه الخاص لإنجاز ما يفترض أن يكون من صميم إختصاصات الجماعة.





