24 ساعةأخبار إقليم الجديدةالواجهةحقوق الإنسان

أزمور… عندما يصبح القانون “ذكيا” في إختيار ضحاياه

في مدينة أزمور، يبدو أن القانون أكتسب في الآونة الأخيرة قدرة خارقة على التمييز بين الناس والأماكن. فهو لا يرهق نفسه بملاحقة كل أشكال إحتلال الملك العمومي، بل ينتقي أهدافه بعناية، وكأنه يخضع لبرنامج إلكتروني يحمل إسم: ” ليس كل المحتلين سواسية ! “.

هنا، لا يتعلق الأمر بحملة شاملة لتحرير الملك العمومي، بل بما يصفه عدد من المواطنين بحملة ذات إيقاع إنتقائي ، تمر بسرعة البرق أمام بعض المخالفات، بينما تقف أمام أخرى وقفة تأمل، أو ربما تفضل المرور بجانبها دون أن تزعجها، وكأنها أصبحت جزءا من المشهد الحضري أو معلما سياحيا يستحق الحماية.

فأمام مؤسسة للتكوين المهني، ما تزال سيارات معروضة للبيع تحتل جزءا من الفضاء العمومي، في مشهد أقرب إلى معرض دائم للسيارات المستعملة منه إلى شارع عمومي. لا تذاكر للدخول، ولا ساعات للإغلاق، ولا يبدو أن أحدا مستعجلا لإنهاء هذا “المعرض المفتوح”. أما الطلبة، فقد أضيفت إلى برنامجهم الدراسي مادة جديدة غير معلنة : “فن المناورة بين السيارات للوصول إلى قاعات الدرس”.

وفي حي الوفاق، تحولت الأرصفة أمام بعض المحلات التجارية ، وفق ما يعاينه السكان، إلى إمتداد طبيعي لبعض الأنشطة التجارية، حتى أصبح الراجل هو الغريب الوحيد في المكان. الرصيف الذي شيد ليحمي المارة، صار في بعض النقاط مجرد ديكور إسمنتي، بينما يطلب من المواطنين، بشكل غير مباشر، مشاركة السيارات الطريق، في مغامرة يومية قد لا تخلو من المخاطر.

ولا أحد يعترض على ضرورة تنظيم الفضاء العمومي، فالقانون وجد ليحترم، والملك العمومي ليس ملكا خاصا لأحد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو : هل تقاس المخالفة بصاحبها أم بطبيعتها ؟ ، وهل يتغير مفهوم إحتلال الملك العمومي بإختلاف الأشخاص والأنشطة ؟.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حملة لتحرير الملك العمومي ليس وجود المخالفات، وإنما ترسخ الإنطباع لدى المواطنين بأن القانون يزور بعض الأزقة والشوأع ، ويتجنب أخرى، وأن ميزان التطبيق قد يختل كلما تغيرت هوية المخالف.

إن هيبة الدولة لا تبنى ب” الحكرة ” ، بل ببساطة من خلال تطبيق القانون على الجميع، دون إنتقائية أو إستثناء. فالعدالة الإدارية لا تعرف صديقا ولا خصما ، ولا تفرق بين بائع بسيط وصاحب نشاط نافذ، لأن الرصيف يبقى رصيفا ، والشارع يبقى شارعا ، والملك العمومي يظل ملكا لجميع المواطنين.

ويبقى الأمل قائما في أن تتحول حملات تحرير الملك العمومي بأزمور إلى ممارسة مؤسساتية دائمة، قوامها المساواة والشفافية، حتى لا يظل المواطن يتساءل، كلما شاهد مخالفة قائمة : هل القانون لم يرها… أم أنه قرر فقط أن يغض الطرف عنها ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى