
مسرور المراكشي :
_أمريكا وسياسة”سلة بلا عنب”..
بعد خوض أمريكا أطول حرب في تاريخها، لم تستطع من خلالها تركيع المقاومة الأفغانية، بقيادة حركة”طالبان” التي أعلن زعيمها الملا محمد عمر الجهاد ضد الكفار فدامت الحرب عشرين سنة ذاق فيها الحلفاء بقيادة أمريكا، مرارة الهزائم المتتالية دون النيل من صمود المقاومة، عندها انهار الجيش الأمريكي بسرعة قياسية، وكأنه قطع من ثلج وضعت في ماء حار مغلي، وهذا الجيش يشكل بالمناسبة العمود الفقري لمعسكر الحلفاء، المشكل هنا ليس في هزيمة الغزاة فهذا شيء عادي، لأن الأفغان تعودوا النصر على الدخلاء منذ زمن، و هذه البلاد تسمى مقبرة الأمبراطوريات، وكما يقول المغاربة : ( ادخول الحمام ماشي بحال اخروجو)، وهو نفس الأمر بالنسبة لأفغانستان، هذه الأمبراطوريات المهزومة بالترتيب : بريطانيا “العظمى” ثم الاتحاد السوفييتي و أخيرا وليس آخرا أمريكا الشمالية، لكن العجيب في الأمر هو خرق أمريكا عند انسحابها، لعرف أساسي عند المستعمر إنه عرف وضع “الشروط” و التفاوض حولها..!!، حيث قرر الرئيس الأمريكي العجوز “جو بايدن” فجأة الانسحاب، من أفغانستان و ( دون شروط) مسبقة، طبعا كان هناك شرط واحد تم التفاوض عليه في قطر، إنه” شرط” أساسي ومهم عند الجيش الأمريكي العتيد، و هو بمثابة حياة أو موت بالنسبة للقوات الأمريكية، إنه ياسادة التفاوض على “شرط” منح الغزاة طريق آمن للخروج، طبعا هذا هو “الشرط” الوحيد الذي وافقت عليه حركة طالبان، وبدون تردد أو تحفظ و بسعة صدر وترحيب، حيت طلبت فورا من جيش المجاهدين بتسهيل خروجهم، و عدم التعرض لقوافل الغزاة المنسحبين…، وهكذا حصل جو بايدن على غنيمة “السلة” ففط، لكن بلا عنب ولا باكور هندي، و قرار الانسحاب هذا المستعجل وبلا شروط لم يرق طبعا الحلفاء، ليبدأ فصل آخر من الصراع داخل معسكر الحلفاء..
_ اعتراض فرنسا و بريطانيا على الإنسحاب المتسرع..!!
هنا نشب الصراع بين عجائز الاستعمار الغربي فرنسا وبريطانيا، مع أمريكا الشمالية حول ضرورة وضع “الترتيبات” قبل الانسحاب، و لتعلموا خطورة الانسحاب بلا شروط مسبقة أو بدون” ترتيبات”، على مستقبل المشروع الاستعماري الأوروبي، لكم تصريحات بعض كبار المسؤولين و النخب البرلمانية في اوروبا، لقد صرح “جوزيف بوريل” منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، حيث قال 🙁 الانسحاب”الفوضوي” من أفغانستان يجب أن يكون حافزا لتطوير الدفاع المشترك )، وهذا مؤشر على فقدان الثقة في الحليف الكبير الأمريكي، ومحاولة الاتحاد الأوروبي الاستقلال فيما يخص مسألة الدفاع المشترك، وعدم التماهي مع السياسة الخارجية للحليف الأمريكي، كما صرح أحد الصقور في السياسة الخارجية لفرنسا، (جون ايف لودريان ) الذي صرح لقناة “BFMTV “، ردا على سؤال عن خطط تسريع واشنطن سحب قواتها من أفغانستان : ( إن الحكومة الفرنسية خلصت إلى أن هذا أمر لا يجب فعله )، وهناك كذلك غضب بريطانى من نهج بايدن فى أفغانستان..تونى بلير يهاجم الحليف الأمريكى : ( الانسحاب المتسرع “مأساوى وخطير” و يقوض أهدافنا..)، كما خلصت لجنة مجلس النواب البريطاني : إلى أن هذا الانسحاب ( مأساوي و خيانة )، خلاصة : فهل “شروط ” الانسحاب و “الترتيبات” مهمة إلى هذه الدرجة و ضرورية إلى هذا الحد..؟ وهل تستحق كل هذا الجدال و النباح و العض و العويل من فرنسا وبريطانيا..؟ وهل خروج امريكا بلا ” ترتيبات” يقوض مشروع الإحتلال..؟، كما صرح بذلك”توني بلير”..
_ باغي نفهم ماهية هذه “الترتيبات” و”الشروط” يا بالمعطي :
الأمر سهل وبسيط وبدون “خشيبات” كما يقول بالمعطي، نطرح فقط السؤال التالي على فرنسا و بريطانيا : لماذا تقومون باحتلال البلدان..؟ هل هذا التدخل هو طلبا للأجر و الثواب فقط..؟ أو لنشر الحرية و الأخوة والمساواة..؟ ام لنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان..؟ أم أن هناك أشياء أخرى..؟ مع الأسف الشديد الجواب هو من أجل أشياء أخرى، إن المستعمر يركز على دفع الدول المحتلة إلى توقيع المعاهدات، وذلك لضمان الاستفادة من ثروات هذه البلدان مستقبلا لعشرات السنين، و تهدف هذه الاتفاقيات كذلك إلى تفكيك هذه الدول، كما فعلت اتفاقية “سيڤر” التي كانت بداية تقسيم الدولة العثمانية، أما عن اتفاقية ( إكس ليبان ) التي وقعت مع فرنسا في 1955، فحدث ولا حرج و لا يعلم المغاربة عن بنودها شيئا يذكر إلى يومنا هذا، إلا بعض التسريبات القليلة من هنا وهناك، وهي على كل حال ليست في صالح الشعب المغربي، و تستمر في استنزاف خيرات الوطن وفرض اللغة و الثقافة الفرنكوفونية مع تعطيل التنمية، و مدة سريان المعاهدة 100سنة قابلة للتجديد يا بالمعطي..!!، الآن يمكن فهم الخلاف الحاد بين أمريكا، مع فرنسا وبريطانيا حول الخروج من أفغانستان، بشكل متسرع و بدون توقيع اتفاقيات و معاهدات، أو ما يسمى تضليلا بـ( الترتيبات ) …
_ عندما بكى الشيطان الفرنسي و البريطاني :
وكيف لا يبكي الشيطان وقد تحررت أفغانستان، و حققت
استقلال حقيقي بما تحمل الكلمة من معنى، وعليه لن تكون فيها “كازينوهات ” قمار، ولن تشاهدوا فيها خمارات تزاحم المساجد، ولن تشاهدوا في أفغانستان مراقص و علب ليلية، ولن تكون فيها فنادق لا تطلب عقد” الزواج ” للمبيت..!!، ولن تشاهدوا فيها محلات حلاقة وتجميل النساء، ولن تشاهدوا فيها مسابح مختلطة ولا مدارس مختلطة، ولن تجدوا فيها دور دعارة ولا حمامات ( تدليك)، ولن تشاهدوا فيها إعلاما ماجنا ولا أفلام قلة الحياء… المهم تم ذبح الثقافة الغربية الليبيرالية ذبحا… لهذا بكى الشيطان الفرنسي و البريطاني، بحرقة شديدة على ضياع ” الترتيبات” ونجاة افغانستان من شرها…!!
خلاصة :
بداية نهنئ الشعب المغربي بعيد الاستقلال المجيد، ونؤكد على استمرار الكفاح المدني من أجل استقلال كامل، ونطالب بنشر بنود اتفاقية” إكس ليبان” كاملة، بعد مرور أزيد من 70 سنة على خروج المستعمر الفرنسي، فكما ننشر وثيقة المطالبة بالاستقلال، يجب فعل الشيء نفسه مع تلك الاتفاقية وباقي المعاهدات، في إطار الشفافية و الوضوح مع الشعب، لقد وقعت الحركة الوطنية مع الأسف في خطأ تاريخي كبير، إن حل جيش التحرير و وقف الكفاح المسلح، باستعجال الحل التفاوضي مع فرنسا سمح لهذه الأخيرة، بالإلتفاف على مكاسب المقاومة المغربية، النتيجة اتفاقية”إكس ليبان” الكارثية، التي حققت فيها فرنسا مكاسب لم تستطع تحقيقها بالحرب، أما الأفغان فكان شعارهم لا تفاوض مع المحتل، إلا إذا أراد التفاوض على طريقة خروجه من البلاد..!!، و على كل حال نسأل الله أن يحفظ بلدنا الحبيب، من كل الدسائس و المؤامرات وان يجنبنا الفتن





