أفق المفاوضات المسدود: من الحصار البحري إلى الانتحار الاستراتيجي
بقلم. عبداللطيف مشرف. أستاذ مساعد التاريخ السياسي بجامعة ماردين آرتوكلو.

أولاً: الجيوسياسية كفعل حرب (ما وراء الحصار الاقتصادي):
ثمة مغالطة شائعة في توصيف “الحصار البحري” كأداة ضغط اقتصادي فحسب؛ ففي جوهره الاستراتيجي، يمثل الحصار البحري “إعلان حرب صريح” (Casus Belli) يتجاوز حدود التضييق المالي ليصل إلى مرحلة “الحشر الجيوسياسي”. إن وضع الخصم في زاوية انقطاع الإمدادات الحيوية يدفعه حتماً نحو ما يمكن تسميته بـ “الانتحار الاستراتيجي”، وهو خيار شمشون الذي يرى فيه الطرف المحاصر أن تكلفة الانفجار العسكري أقل وطأة من الموت البطيء تحت وطأة الاختناق الاقتصادي.
ثانياً: الإسقاط التاريخي (النموذج الياباني في الحرب العالمية الثانية):
تُقدّم لنا الذاكرة التاريخية الحرب العالمية الثانية كأنصع برهان على هذا المنطق؛ فعندما فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً ونفطياً شاملاً على اليابان، لم تكن طوكيو تملك ترف التراجع، بل اختارت الرد الصاعق بضرب “بيرل هاربر”. كان ذلك الانتحار الاستراتيجي هو الفتيل الذي استوجب لاحقاً تحولاً نوعياً في موازين القوة، انتهى بالاستخدام الأمريكي الأول والوحيد للسلاح النووي في هيروشيما وناجازاكي لكسر إرادة القتال.
ثالثاً: المعضلة الراهنة (واشنطن وطهران والردع النووي التكتيكي):
بالإسقاط على الواقع المعاصر، نجد أن التلويح بالحصار أو خنق الشرايين الاقتصادية الإيرانية يضع المنطقة أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:
الهدنة الاضطرارية: لتفادي الصدام الشامل.
الانفجار الكبير: حيث لن تجد الولايات المتحدة وإسرائيل بداً من استخدام “الأسلحة النووية التكتيكية” كخيار وحيد لردع طهران في حال لجوئها إلى استراتيجية “الأرض المحروقة” في الممرات المائية الحاكمة.
إن تهور القوى الإقليمية عند بلوغ ذروة الاختناق قد يدفعها لضربات غير منتقاة تستهدف تعطيل شريان الحياة العالمي في مضيق هرمز وباب المندب، مما يعني تحويل الصراع من نزاع إقليمي إلى شلل اقتصادي كوكبي.
رابعاً: الحرب العالمية الثالثة (المرحلة الاقتصادية والتحول نحو الصين):
الحقيقة التي تتبدى اليوم هي أن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت بالفعل، لكنها لا تشبه أسلافها في الميدان العسكري التقليدي؛ فهي حرب اقتصادية هجينة بلغت ذروتها منذ أزمة كورونا، وتعمقت مع الحرب الروسية الأوكرانية.
نلحظ هنا تحولاً جذرياً في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين؛ حيث تمت إعادة تعريف بكين من “عدو وجودي” بمفاهيم الحرب الباردة، إلى “عدو اقتصادي مهيمن” يجب احتواؤه عبر خنق سلاسل الإمداد ومحاصرة الطموحات التكنولوجية. نحن الآن نعيش في خضم صراع دولي يعيد صياغة النظام العالمي، حيث الرصاصة هي “العقوبات” والخنادق هي “الممرات المائية العظمى”.





